ناشيونال إنترست | العالم السري.. تعرف على تاريخ الجاسوسية الغامض؟


١٢ فبراير ٢٠١٩ - ٠٧:٣٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



واحدة من أغرب حفلات العشاء التي حضرتها في حياتي كانت في مجمّع "ووترغيت" السكني الفخم بواشنطن، وذلك في منتصف عقد الثمانينيات. لقد دعاني مُضيف هذه الحفلة، وهو جاسوس متقاعد ، إلى جانب شخص أو شخصين من مكتب الخدمات الاستراتيجية، وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وصحفي بريطاني يعمل أيضًا كمستشار لرئيسة الوزراء "مارجريت ثاتشر" خلف الكواليس، والسير "ألفريد شيرمان" الذي مُنح (حينها) لقب فارس، بالإضافة إلى أسطورة هوليوود "دوغلاس فيربانكس جونيور".

لقد حضرت تلك الحفلة بصورة رئيسية بوصفي صديقًا لـ "فايربانكس"، والذي بدوره حضر الحفلة لقيامه بعمليات بحرية واستخباراتية أثناء الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى عمله كممثل على المسرح أو السينما.

بعد تناول وجبة عشاء جيّدة نسبيًّا ونبيذ ممتاز، انتقلت الحفلة إلى جناح منفصل في مجمّع "ووتيرغيبت" حيث يحتفظ هناك مُضيفنا بمجموعة خاصة من الكتب المتعلقة بالتجسس عبر العصور. كانت هناك آلاف المجلدات، بعضها نادر، وبعضها كان مألوفًا لي بالفعل بفضل عملي  ككاتب تاريخي. لقد كان مدهشًا ارتشاف النبيذ، وقراءة مجلدات قديمة بإمعان، والاستماع لقصص تجسس قديمة تقريبًا يرويها بعض الجواسيس الذين كانوا هناك بالفعل. لكن الشيء الوحيد المفقود في تلك المكتبة كان غياب مجلّد تاريخي واحد وشامل يحكي تاريخ التجسس من العصور القديمة وصولاً إلى العصر الحاضر.

غير أن هناك الآن مجلّدًا واحدًا يفعل ذلك؛ حيث ألّف البروفيسور "كريستوفر أندرو" كتابًا تاريخيًّا بارعًا ووافيًا شافيًا يحكي فيه عن الجانب السرّي لتاريخ العالم. يغطي هذا المجلّد الضخم، الذي يعدّ تحفة رائعة في الإيجاز، تاريخًا يزيد على ثلاثة آلاف عام من التجسس وجمع المعلومات الاستخباراتية وذلك في مجلّد واحد. والأمر الذي لا يقل أهمية هنا، هو أن المؤلف "أندرو" لديه أسلوب كتابي ساحر وساخر في بعض الأحيان، يحافظ على زخم القصة، ويقدم المعلومات للقارئ بصورة مُسليّة.

هناك سبب وجيه لكل هذا، وذلك كما يوضح الكاتب في مقدمة كتابه:
يعاني العمل الاستخباراتي في القرن الحادي والعشرين من فقدان ذاكرة تاريخي طويل الامد. في وقت مبكر من الحرب الباردة، اشتكى المؤرخ "شيرمان كينت"، الأب المؤسس للتحليل الاستخباراتي في الولايات المتحدة، من أن العمل الاستخباراتي هو المهنة الوحيدة التي تفتقد إلى كتابات ومؤلفات جادة: "من وجهة نظري، هذا أمر مهم للغاية. فطالما كان عمل ما يفتقد إلى أدبيات خاصة به، فإن أساليبه ومصطلحاته وكيانه وعقيدته وحتى نظريته الأساسية تواجه خطر عدم الوصول إلى النضج التام". لقد كان تعلُّم الدروس التاريخية للعمل الاستخباراتي أصعب من تعلُّم دروس أي مهنة أخرى، وذلك بفضل عدم وجود الكثير من السجلات والوثائق المتعلقة بمعظم تجاربه السابقة.
 
وبالتالي، فإن الباحثين وعلماء الرياضيات البارعين الذين كانوا يعملون في قصر "بليتشلي بارك" أثناء الحرب العالمية الثانية، كانوا بالكاد على دراية بحقيقة أنه "لثلاث مرات طيلة السنوات الـ500 الماضية، واجهت بريطانيا تهديدات غزو كبرى، بداية من الأسطول البحري للملك الإسباني "فيليب الثاني" في عام 1588، مرورًا بنابليون في بداية القرن التاسع عشر، وصولاً إلى هتلر في عام 1940"، غير أن مخترقي الشفرات في قصر "بليتشلي بارك" الذي فكّوا شفرات هتلر "لم تكن لديهم فكرة عن نجاح أسلافهم في فكر شفرات الملك فيليب الثاني ونابليون ..." ويضيف المؤلف أنه لم تكن هناك مهنة في وقت الحرب بهذا القدر من الجهل بشأن ماضيها مثل مهنة التجسس.

كما أنه ليس من المبالغة القول: إنه قبل الحرب العالمية الثانية "كانت معرفة الشعب البريطاني المثقف بالعمليات الاستخباراتية المذكورة في الإنجيل أكبر بكثير من معرفته بالدور الذي لعبته الاستخبارات في أي مرحلة من مراحل تاريخ بلده. إن هذا الأمر يصدق حتى بشكل أكبر في حالة الولايات المتحدة الأمريكية، التي انضمت في وقت متأخر لسباق التجسس العالمي. لقد كانت إسبانيا وفرنسا وبريطانيا والإمبراطورية الرومانية المقدسة وجمهورية البندقية التجارية المترامية الأطراف، وحتى روسيا نصف البربرية تحت حكم بيتر العظيم، كانوا لاعبين رئيسيين قبل فترة طويلة من ولادة الولايات المتحدة، وقبل وقت أقل من تحوّلها إلى قوة عالمية ذات نفوذ خارجي خاص بها في العقود التي سبقت مباشرة الحرب العالمية الأولى.

لكن علينا أن ننسى أوروبا والعالم الجديد والحضارة الإغريقية - الرومانية الكلاسيكية. إذ يذكّرنا مؤلف الكتاب "أندرو" بما يلي: إن الكتب الأولى التي تجادل بأن العمل الاستخباراتي ينبغي أن يحظى بدور مركزي في الحرب والسلم، لم تُكتب من جانب اليونان القديمة أو روما، لكن من جانب الصين القديمة وشبه القارة الهندية: كتاب "فن الحرب" الذي يُنسب تقليديًا إلى الجنرال الصيني "صن تزو" الذي عاش في عصر كنفوشيوس (544-496 قبل الميلاد)، وكتاب "علم السياسية” (Arthashastra)، وهو كتاب طويل عن فن إدارة الدولة من تأليف الكاتب "كوتيلا" (350-283 قبل الميلاد) والذي عمل مستشارًا لمؤسس أسرة "ماوريان" الحاكم في شمال الهند.  

وقد تبدو هذه المعلومات من الوهلة الأولى أمورًا تاريخية قديمة تافهة، لكن هذا ليس صحيحًا بالمرة. إن إعادة إحياء الاهتمام بالعمل الاستخباراتي في الهند والصين في القرن العشرين، تُعزى بشكل أساسي إلى إعادة اكتشاف هذين الكتابين القديمين بعد قرون من إهمالهما. في الهند اليوم، يحظى كتاب "علم السياسة" بمكانة تشبه تلك التي يحظى بها كتابا "السياسة" لأرسطو و"الأمير" لمكفيلي في الغرب. كما أن التقدير الذي يحظى به "صن تزو" في الصين الشيوعية أكبر بكثير من التقدير الذي حظي به في أي أسرة إمبراطورية حاكمة منذ القرن الثالث الميلادي. وحتى في الولايات المتحدة، كثيرًا ما يتم الاستشهاد بمقتطفات له في شؤون الاستخبارات أكثر من أي كاتب غربي عاش في فترة ما قبل القرن العشرين.  

يتحدث المؤلف "أندرو" في كتابه أيضًا عن المراحل المبكّرة للإسلام والنبي محمد - الذي لا يزال بعض أتباعه المسلحين يشكّلون قلقا بالغًا لمجتمع الاستخبارات المعاصر- إذ اتبع النبي محمد نهجًا متقدمًا فيما يتعلق بالعمل الاستخباراتي، في وقت كانت أوروبا لا تزال تعيش فيما ُيسمّى القرون المظلمة. "لقد كان النبي محمد والخلافة الإسلامية التي تأسّست في الشرق الأوسط بعد وفاته عام 632، رائدًا عالميًا في مجال العمليات الاستخباراتية". ففي سياق عملية "توحيد قبائل الجزيرة العربية تحت راية الإسلام، خاض النبي محمد 27 معركة، وقاد 50 غزوة مسلحة" كما تذكر "الأحاديث النبوية الشريف العديد من الأمثلة التي تحكي كيف أولى الرسول، أثناء حملاته العسكرية، اهتمامًا كبيرًا للعمل الاستخباراتي... وهي أحاديث كثيرًا ما يستشهد بها المتطرفون الإسلاميون اليوم".

لم تبدأ العمليات الاستخباراتية الأوروبية في الظهور بشكلها الحديث نوعًا ما إلا في بعض الدويلات المؤثرة في إيطاليا في عصر النهضة، أبرزها جمهورية البندقية والفاتيكان، إذ حظيت هاتان الدويلتان بشبكات عالمية مترامية الأطراف، كانت إحداها تتمثل في تجّار البندقية المسافرين، وفي حالة الفاتيكان، كانت تتمثل في رجال الدين المنتشرين في غرب أوروبا في مرحلة ما قبل الإصلاح الديني، كما أرسل الفاتيكان في بعض الأحيان رجال دين كرُسل أو كبعثات دينية لإمبراطوريات غير مسيحية في آسيا وإفريقيا. ومع صعود ملكيات مركزية رئيسية في دول ناشئة مثل إسبانيا وإنجلترا وفرنسا، وبعد ذلك بوقت طويل، في روسيا شبه العصرية، وفي ألمانيا وإيطاليا اللتين توحّدتا حديثًا، بدأت الفراغات الموجودة في خريطة التجسس بالامتلاء.

إن تاريخ الاستخبارات، مثل التاريخ ذاته، هو بمثابة تذكِرة بأنه حتى أفضل العمليات الاستخباراتية يمكن أن تقع في أحيان كثيرة في أخطاء فادحة. في العام 1848، على سبيل المثال، عندما اكتسح المدّ الثوري فرنسا وألمانيا وإيطاليا والدول المنخفضة (هولندا وبلجيكا) وحتى إمبراطورية "هابسبورغ" التي بدت راسخة الجذور، تفاجأت كل النخب الحكمة تقريبًا بما حدث. إن المستشار النمساوي "ميترينخ"، مهندس عملية إعادة تثبيت "الشرعية" الملكية في مرحلة ما بعد نابليون، باعتبارها مبدأ استرشاديًا للمحافظة على السلام والاستقرار في أوروبا، لم يتوقع قدوم تلك العاصفة الثورية حتى وقوعها، وذلك على الرغم من امتلاك النظام الملكي النمساوي لجهاز استخباراتي وأمني داخلي ربما كان هو الأكثر تنظيمًا مقارنةً مع القوى الأوروبية الأخرى.

وبالرغم من أن "ميترنيخ" وملوكًا آخرين مثل: "فريدريك ويليام الرابع" ملك بروسيا اطلعوا باهتمام على تقارير استخباراتية من جواسيسهم ومن الغرف السوداء، غير أن أخبار ثورة فبراير في باريس والحماس الذي أثارته في فيينا وبرلين، كانت أمرًا مفاجئًا لهم. في مارس 1848، أجبر مثيرو الشغب "فريدريك ويليام" وجيشه على الهروب من برلين. ولأشهر عديدة، سيطرت حشود "قليلة الاحترام" و"منفلتة" على العاصمة. لقد قيل إنه بعد رؤيته للمتظاهرين الثوريين أمام قصر "شونبرون" في فيينا، سأل "فردناند الأول، إمبراطور النمسا قليل الذكاء (الغبي هو الوصف الأكثر دقه له) المستشار "ميترينخ: "حسنا.. هل هؤلاء مسموح لهم بفعل هذا؟" وعندما استمرت الحشود في التظاهر، تخلى "فردناند" عن العرش لصالح ابن أخيه "فرانز جوزيف"، الذي حكم النمسا لستة وثمانين سنة". بعد ذلك كتب الملك في مذكراته بارتياح بادٍ: "حضرت أنا وزوجتي العزيزة قداسًا... وبعدها حزمنا حقائبنا". لقد هرب "ميترينخ" من فيينا في الثالث عشر من مارس، وبعد رحلة صعبة، وجد ملاذًا له من الثورات في لندن في العشرين من إبريل.

ويخلص مؤلف الكتاب البروفسور "أندرو" بشكل ساخر إلى أن لندن كانت مكانًا آمنًا، لأنه "بالرغم من إعادة إحياء حركة الإصلاح السياسي في عام 1848، بيد أن معظم البريطانيين كانوا يؤمنون بأن الثورات كانت مناسبة للأجانب فقط ".

لم يكن العام 1848 هو الزمن الوحيد الذي تفاجأ فيه جهاز استخباراتي وأمني أوروبي متقدم بالأحداث. ففي العام 1789، ورغم الفضائح والتحريض المنتشر من جانب خطباء الشوارع المموَّلين، والمظاهرات العديدة التي تعبّر عن الامتعاض الشعبي، غير أن ملك فرنسا "لويس السادس عشر" وجهاز الاستخبارات الحكومي الهائل الذي جلس هو فوق قمته، أثبتا فشلهما في توقع أو التعامل مع تحركات الغوغاء، التي أذكاها المحرّضون والمنشورات المناهضة لأسرة "بوربون" الحاكمة، وهو ما أسفر عن سقوط سجن "الباستيل" على أيدي حشود غوغائية منفلتة ومتعطشة للدماء. إن استيلاء الحشود من دون مقاومة تقريبًا على الباستيل - الذي كان حينها عبارة عن أثر مهترئ من زمن النظام القديم، ولم يضم في جنباته سوى حفنة من السجناء غير السياسيين - كان شرارة انطلاق الثورة الفرنسية التي أسفرت عن إعدام الملك وإطلاق "عهد الإرهاب" والديكتاتورية النابليونية العسكرية التي أبقت أوروبا في حالة حرب لربع قرن. لكن هذه الثورة أسفرت في نهاية المطاف عن تأسيس نظام حكم لا يختلف إلا قليلاً عن النظام القديم.

لكن كتاب البروفسور "أندرو" تتخلله بعض المفارقات، التي توضح الميل نحو خداع الذات لدى بيروقراطيات كبيرة لكن سريّة. وبالتالي: في خطاب سرّي أثناء مؤتمر رئيسي للاستخبارات السوفيتية "كي جي بي" في مايو 1981، استنكر "ليونيد بريجنيف" الذي بدا عليه المرض بوضوح، سياسات الرئيس الأمريكي ريغن ووصفها بأنها تهديد خطير للسلام العالمي. وقد تلاه بعد ذلك "يوري أندروبوف"، الذي سيخلف "بريجنيف" في منصب الأمين العام للحزب الشيوعي بعد ثمانية عشر شهرًا. ولدهشة معظم الحضور، أعلن رئيس "كي جي بي" أنه بقرار من المكتب السياسي للحزب الشيوعي، سيتعاون "كي جي بي" مع مديرية المخابرات الرئيسية GRU)) للمرة الأولى في مهمة استخباراتية عالمية، اسمها الرمزي "ريان" (وهي الاسم المختصر للعبارة الروسية "هجوم صاروخي نووي"). كانت العملية "ريان" تهدف لجمع معلومات استخباراتية بشأن الخطط المفترضة، لكن غير الموجودة أصلاً، لإدارة الرئيس ريغن وحلفائها في الناتو بإطلاق ضربة نووية أولى ضد الاتحاد السوفيتي... لسنوات عديدة سقطت موسكو ضحية لما وصفه سفيرها في واشنطن "أناتولي دوبرينين" بـ "تفسير مرتاب" لسياسة ريغن.

وما جعل ذلك التفسير أكثر ارتيابًا هو أنه جاء في وقت كانت إحدى أهم أولويات الرئيس ريغن الشخصية تتمثل في التوصل لاتفاق بشأن السلاح مع الاتحاد السوفيتي للتقليل من خطر وقوع مواجهة نووية بين الشرق والغرب. إن عمق وإخلاص نوايا ريغن السلمية ظهرت جليًّا لي عندما أضاف الرئيس فقرة مكتوبة بخط اليد للخطاب الذي كُلفتُ بصياغته له بشأن هذا الموضوع. لقد كانت رسالة شخصية مؤثرة للزعيم السوفيتي "ليونيد برجنيف" يحثه فيها ريغن على الانضمام للجهود الرامية لتخفيف التوترات على جانبي الستار الحديدي، عبر التقليل المتبادل لمخزونات الأسلحة النووية. ولك للأسف، بحلول ذلك الوقت، لم يكن "برجنيف" في حال أفضل من إمبراطور النمسا آنف الذكر "فيردناند الأول" الذي كان يعاني من الوهن والخرف.

وكما كان متوقعًا، واصل "أندربوف" موقفه المتشدد أثناء الفترة القصيرة التي عانى فيها من المرض على رأس الاتحاد السوفيتي. كذلك كان الحال مع خليفته المباشر، والذي مات نتيجة المرض، مثل أندربوف؛ ما دفع بعض المراقبين للتكهّن بأن الظروف الصحية في الكرملين هي السبب، وذلك بعد وفاة ثلاثة من قادة النظام السوفيتي الشائخ، بشكلٍ متتالٍ ومفاجئ نتيجة أمراض الشيخوخة.

أما "ميخائيل غورباتشوف"، آخر زعيم سوفيتي - والذي كان أصغر عمرًا ولديه رؤية واقعية تجاه الغرب الديمقراطي - فقد توصّل لاتفاقات تاريخية مع ريغن، واستمر التقارب الروسي - الأمريكي تحت حكم "بوريس يلتسن" الذي كان شجاعًا وطيب النيّة لكنه كان مخمورًا بصورة مفرطة. ومن المعلوم أن "يلتسن" هو أول زعيم للاتحاد الروسي في حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

أما فيما يتعلق بمَن خلف يلتسن في منصبه، وبالرغم من التحليلات القيّمة والدقيقة لحد كبير بشأن الوضع الهشّ للاقتصاد والمؤسسات الروسية، وحتى الوضع الهشّ لكبِد يلتسن، بيد أن وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي آيه" تفاجأت تمامًا، وسواء كان أمرًا متوقعًا أم لا، فإن ظهور فلاديمير بوتين - وهو جاسوس سابق يتوق للعودة لأمجاد - كما يراها هو- الاستقرار الروسي في الداخل، والنفوذ في الخارج، والمعيشة الأفضل عبر الطاعة التامة، يعني أن هذه القوة النووية العظمى التي لا تزال مضطربة، باتت اليوم محكومة من نسخة أكثر شبابًا وحيوية من الزعيم السوفيتي الراحل "يوري أندروبوف".

هناك الكثير من الأمور المتكررة التي سبق أن شهدتها روسيا. ففي نذير دموي لما هو آت في الكابوس السوفيتي، أنشأ القيصر "إيفان الرهيب" دولة بديلة داخل الدولة في روسيا في أواخر القرن السادس عشر. لقد كانت قوات الحرس الملكي المعروفة باسم "أوبريشنيكي" عبارة عن جزارين متشحين بالسواد يذبحون مدنا بأكملها بأمر من سيدهم المصاب بجنوب الارتياب:
لقد أوكل "إيفان" مسؤولية التعرف على الخونة والتخلص منهم لحرسه الإمبراطوري المشكّل حديثًا، قوات الأوبريشنيكي، والتي كان يعتبرها إيفان، بصورة غريبة، بأنها نظام كهنوتي يعد هو "أباه الأعظم". لقد اعتقدت قوات "الأوبريشنيكي" أن مسؤولياتها تتجاوز مجرد جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها، وكانت تلك القوات بمثابة أول جهاز أمني منظم لروسيا. متشحة بالسواد وممتطية أحصنة سوداء، كانت تلك القوات تبدو وكأنها مشهد من نهاية العالم، حيث كان يمتطي أفرادها الأحصنة عبر روسيا. ولقد ألصق كل فرد منهم بشكل رمزي رأس كلب بسرج حصانة (لشم رائحة الخونة وقتلهم) وقد حملوا معهم مكانس (لكنس الخونة).

بعد مرور أربعة قرون، قيل إن "هيرنيك هيملر"، الذي حاول إنشاء دولة ذات زيّ أسود داخل الدولة في الرايخ الثالث (الفترة الاشتراكية الوطنية الألمانية) قد تأثر بنموذجين من التاريخ: "أخوية" الأوبريشنيكي، وأخوية أخرى ذات طابع ديني أكثر مصداقية وهي "الرهبانية اليسوعية"، والتي كانت في ذروتها – قبل انفصالها في القرن الثامن عشر عن الفاتيكان (وحلّها المؤقت) - بمثابة "جهاز سري" عالمي نوعًا ما لحساب البابا. وانصافًا لليسوعيين، فإن زيّهم الأسود كان هو الشيء الوحيد المشترك بينهم وبين أعضاء منظمة الأوبرشنيكي ووحدات "إس إس" أو "شوتزشتافل" في عهد هتلر.

وفي جزء ذي طابع خفيف في الكتاب، يشاركنا البروفيسور "أندرو" بعض أعمال التجسس التي قامت بها الشرطة السرية أثناء "مؤتمر فيينا"، وأسفرت حينها عن تقارير فضائحية تنافس تقارير الصحف الصفراء في يومنا هذا، فضلاً عما يسمى بـ "ملف الكرملين" الذي يزعم تورُّط دونالد ترامب في علاقات جنسية في الخارج. وربما كانت تقارير فيينا الصحفية أكثر دقة، وقد جمعها وراجعها السيد "بارون فرانز" رئيس الشرطة والرقابة النمساوية في ذلك الوقت، وذلك قبل إرسالها إلى المستشار والملك.

وبعد عودة وزير الخارجية البريطاني "كاستليراي" إلى لندن، تحوّلت السفارة البريطانية في قصر "ستارهيمبريرغ" ومسكن المفوض البريطاني، وفقًا لتقارير الشرطة، إلى مزيج من "بيت دعارة وحانة"، حيث عملت الممثلات وخادمات الغرف كعاهرات. أما تقارير الشرطة بشأن السلوك في السفارة الروسية، حيث كان يتنكر عميل سري نمساوي في شكل خادم، فكانت أكثر حدّة. ووفقًا لتقرير أرسله "العميل دي" فإن الروس المقيمين بقصر "هوفبرغ" لم يكتفوا بجعل المكان متسخًا، لكنهم تصرفوا بأسلوب سيء للغاية، وكانوا يجلبون الفتيات باستمرار".

وبعد مرور ما يزيد على قرن من الزمان، اشتكى أهل فيينا مجددًا بشأن المجون الجنسي الذين يرتكبه الجنود الروس المشاركون في قوات الحلفاء المحتلة للنمسا في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة. وفي السنوات الأولى لمرحلة ما بعد الحرب، وفي وقت كان لا يزال فيه "ستالين" يمسك بقوة بمقاليد السلطة في الكرملين، كان القتل أداة استخباراتية روتينية تُستخدم على نطاق واسع. كان بعض الضحايا المستهدفين محظوظين أكثر من غيرهم، كما توضح إحدى الصور الرائعة التي يتضمنها كتاب "العالم السرّي". في هذه الصورة، يقف المارشال "تيتو"، الذي كان لا يزال يافعًا نسبيًّا، إلى جانب رجل داكن البشرة وذي مظهر مخادع. وتيتو هو رجل يوغسلافيا القوي الذي أخرج بلاده من فلك الاتحاد السوفيتي دون رفض الشيوعية كنظام اجتماعي -اقتصادي. يوضح التعليق المرفق بالصورة أن "... تيتو (على اليسار) يستقبل المبعوث الكوستاريكي "تيودرو كاسترو" في عام 1953، دون أن يعلم أن "كاسترو"، وهو عميل سوفيتي (اسمه الحقيقي لوسيف جيرجلوفيتش)، يخطط لاغتياله، غير أن العملية تم إجهاضها عقب وفاة ستالين".

هناك صورة أخرى، وهي عبارة عن نسخة ملونة من لوحة زيتية، وتشير إلى "أول جاسوس يتدثر بملابس الجنس الآخر، وهو "شيفالييه ديون" ذو الشكل الخارجي المبهرج، والذي استمتع بالحياة في لندن لدرجة أنه رفض في بعض الأوقات تعليمات بالعودة إلى فرنسا". يُسهب البروفيسور "أندرو" في شرح حياة "شيفاليه" المهنية المثيرة للفضول، موضحًا أن ذلك الرجل كان يتلقى راتبًا تقاعديًا من فرنسا بالرغم من تمرده؛ لأنه كان يمتلك أدلة موثقة بشأن خطة سرية للملك "لويس الخامس عشر" لغزو إنجلترا.

لقد جرى إرسال "بيير - أوجستين كارون دي بيمارشيه" الكاتب المسرحي الشهير الذي ألّف مسرحة "زواج فيجارو"، والذي عمل أيضًا كجاسوس لحساب النظام، إلى لندن لعقد صفقة مع "ديون"، يتم بموجبها شراء صمته للأبد. ووفقًا لشروط تلك الصفقة، كان من المطلوب من "ديون" أن يعلن أنه كان امرأة، كما وافق "ديون" -ربما بحماسة شديدة - بأن يرتدي ملابس نسائية لبقية حياته.

وفي الحادي والعشرين من نوفمبر 1777، وبعد أربع ساعات من تزيينه بملابس نسائية، وهي عملية أشرفت عليها صانعة الملابس "ماري أنطوانيت"، جرى تقديم "ديون"، البالغ من العمر 49 عامًا، في النهاية بملابس نسائية في بلاط لويس السادس عشر وزوجته الملكة. اشتكت "كونتيسة ديس فارس" من أن هذه السيدة "لا تشبه النساء سوى في التنورة الداخلية وخصلات الشعر المجعّدة". وبعد أسبوعين في قصر فرساي، أنهى البلاط الملكي ذلك الإحراج عبر نفي "ديون" إلى الريف الفرنسي. وفي العام 1776، وقبل شهرين من الإعلان الأمريكي للاستقلال، سُمح لـ "ديون" بإيجاد رفقة "على مسؤوليتك الخاصة" لتزويد المتمردين الأمريكيين بالسلاح".

منذ البداية، كانت شركة (Rodrigue Hortalez et Compagnie) عبارة عن شركة مزيّفة، غرضها الأساسي إيصال السلاح بصورة غير رسمية للمتمردين الأمريكيين، وبعد مرور 200 عام على هذه العملية، جرى تزويد قوات "كونتراس نيكارغوا" بالطريقة ذاتها. أما "شيفالييه" فقد سئم من العيش في الريف الفرنسي وعاد إلى إنجلترا وواصل الظهور بملابس النساء، قبل أن يموت مديونًا وفي غموض. وقد كشف تشريح جثته أنه كان رجلاً تمامًا، كما اشتبه معظم الناس لوقت طويل.

إلى أين ينتهي كل هذا؟ ربما لن ينتهي إلى شيء. وكما هو الحال دائمًا، سيكون بعض القادة أفضل من غيرهم في نشر جواسيسهم وفي تقييم معلوماتهم الاستخباراتية.  إن كتاب "العالم السرّي" هو موجز قيّم للغاية عن "التجارب السابقة" في مجال التجسس، وأنا واثق أن هذا الكتاب سيحقق مكانة مستحقة بوصفه عملاً أدبيًّا كلاسيكيًّا ومفيدًا وسهل القراءة، يلقي الضوء على عالم الاستخبارات والتجسس الغامض.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق