فورين بوليسي | البقاء في الداخل.. لماذا تُفضّل بعض الدول النأي بنفسها عن شؤون العالم؟


١٣ فبراير ٢٠١٩ - ٠٥:٠١ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح


هناك العديد من الأسباب المختلفة التي تجعل بعض البلدان تصبح منخرطة بصورة مفرطة في شؤون العالم، لكن غير قادرة على انتشال نفسها من مغامرات مكلّفة لم تعد تستحق المجهود المبذول من أجلها. إن هذه الظاهرة تُعدّ مشكلة خطيرة- كما يعرف أي شخص متابع للسياسة الخارجية الأمريكية - لكن الاتجاه المضاد يمكن أن ينطوي على مشاكل أيضًا.

على وجه التحديد، يمكن لدول قوية أن تتورط في مشكلة لو كانت حريصة للغاية على تجنب الانخراط الخارجي، لكنها تكتشف أن الأحداث في مناطق أخرى تطوّرت بطرق خطيرة.

لنكن واضحين: إن المسألة لا تتعلق بمحاولة فهم سبب تجنّب الدول الضعيفة الدخول في التزامات مكلّفة، ومحاولة الابتعاد عن المشاكل- بالنسبة لهذه الدول، فإن النأي بالنفس (لو استطاعت) هو أمر منطقي. إن الدول الضعيفة لا يمكنها فعل الكثير للتأثير على نتائج نزاع دولي محدد، لهذا فإن السبب الرئيسي الذي يجعلها تتحمل أعباءً دولية هو تأمين المساعدة أو الحماية من راعٍ أكثر قوة. لهذا ليس من المستغرب، على سبيل المثال، أن بعض الأعضاء الجدد في حلف الناتو أرسلوا قوات عسكرية رمزية لأماكن خطيرة، مثل العراق أو أفغانستان. إن مصالح هذه الدول لم تتأثر مباشرة بأي من هذين النزاعَين، لكن ذلك كان فرصة جيدة لكسب ودّ واشنطن.

على العكس من ذلك، اللغز الحقيقي يكمن في السبب الذي يجعل بعض الدول القوية والمؤثرة تقرر النأي بنفسها عندما لا ينبغي لها فعل ذلك. وفي هذا الصدد، لماذا يكون أداء بعض الدول القوية أقل بكثير من قدراتها؟ بعبارة أخرى، لماذا تظهر بعض الدول خوفًا من الالتزام، حتى لو كان لا ينبغي لها فعل ذلك؟

أولاً: قد تكون دولة ما غير قادرة على الالتزام تجاه قضايا خارجية عندما لا يكون هناك توافق داخل هذه الدولة بشأن الجهة أو الشيء الذي ينبغي أن تلتزم تجاهه. في الأيام الأولى للجمهورية الأمريكية، على سبيل المثال، كان المؤيدون للفيدرالية والمناهضون لها منقسمين بشأن ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة التحالف مع بريطانيا أو فرنسا، والنتيجة كانت البقاء بعيدًا عن ذلك الصراع.

وبالمثل، حتى في وقت متأخر من العام 1914، كان مجلس الوزراء البريطاني منقسمًا بشأن ما إذا كان ينبغي لبريطانيا القتال في حال اندلاع حرب قارية في أوروبا، وهو ربما ما عزز آمال ألمانيا بأنه من الممكن إقناع بريطانيا بالبقاء محايدة.

ثانيًا: إن المعضلة المعتادة للتحرك الجماعي يمكن أحيانًا أن تدفع بعض الدول لتقليل التزامها، حتى عندما تدرك أن هناك تحديًا جديدًا يظهر، وأنه من الضروري اتخاذ إجراء ما. هذه هي المشكلة الكلاسيكية المعروفة باسم "الإخفاق في إجراء توازن" في النظام المتعدد الأقطاب: في عالم تتواجد فيه العديد من القوى العظمى، يمكن لقوة ما أن تصبح قوية للغاية أو عدوانية، حينها ربما تدرك القوى الأخرى أن هناك حاجة لإجراء توازن مع هذه القوة العدوانية، لكن هذه القوى قد تشعر بالإغراء لنقل هذه المسؤولية لدول أخرى وجعلها تتصرف مع هذه المشكلة.

عندما ينجح هذا الأسلوب، فإن الدول التي نأت بنفسها ستظل آمنة وسليمة، في حين ستدفع دول أخرى ثمن تحركها. لكن هناك مخاطرة: لو نجحت كل دولة في نقل المسؤولية لغيرها، فإن التحالف المسؤول عن إجراء التوازن إما أنه لن يتشكّل، أو أن هذا التحالف سيكون أضعف من أن يحتوي هذه القوة العدوانية المحتملة. إن هذا الاتجاه هو أحد الأسباب التي جعلت نابليون يقول إنه يفضّل القتال ضد التحالفات (مع ذلك، يجب التذكير أنَّ تشكيل تحالف قوي للغاية ضده، أدّى في نهاية المطاف لهزيمته).

إلا أن  المبالغة في تقييم الأخطار الأجنبية يمكن أن يجعل الدول تتحمل التزامات مفرطة، على أمل الحدّ من هذه الأخطار أو التخلص منها. ومن المفارقات أن تضخيم حجم خطر ما أحيانًا، يجعل بعض الدول تتحاشى الالتزامات الخارجية بسبب خوفها المبالغ فيه بخصوص التكاليف والمخاطر. في ثلاثنييات القرن الماضي، على سبيل المثال، دفع الخوف المبالغ فيه من القوة الجوية بعض القادة البريطانيين للخوف من مخاطر الانخراط في أي حرب قارية في أوروبا، وقد عززت تلك المخاوف من تردد بريطانيا تجاه مواجهة ألمانيا.

وبفضل اقتناعهم (على نحو خاطئ) بأن "الطائرة القاذفة ستتمكن دائمًا من الوصول إلينا"، فقد كان القادة البريطانيون من أمثال رئيس الوزراء "ستانلي بولدوين" قلقين بصورة مفرطة بشأن مخاطر الحرب، وبالتالي كانوا حريصين للغاية على تجنّب الالتزامات التي ربما تجرّهم إلى هكذا حرب. هذا سبب آخر يوضح لماذا يعد التضخيم من حجم التهديد أمرًا خطيرًا.

ثالثاً: إن النفور الأيديولوجي هو الآخر يمكن أن يشجّع الدول على تحاشي الانخراط والتعاون مع قوى دولية تعتبرها تلك الدول غير جديرة بالثقة وغير شرعية أو لا تستحق الدعم. مثال على ذلك: عندما واجهت فرنسا وبريطانيا تحديًا خطيرًا من ألمانيا الهتلرية في الثلاثينيات، بقت هاتان الدولتان مترددتَين في التحالف مع روسيا البلشفية. هناك حالة مماثلة من النفور الأيديولوجي جعلت من الصعب على الولايات المتحدة وإيران التعاون فيما بينهما حتى عندما تقاطعت مصالحهما. هناك أيضًا بعض الدول التي تتردد في الانخراط مع خصوم أيديولوجيين لأنها تخشى من تعرضها للإفساد من "النفوذ الأجنبي"، وهو الشعور الذي دفع الصين لعزل نفسها عن العالم أثناء الثورة الثقافية.

رابعاً: إن الثقة المغلوطة في وجود حلول مثالية للمشاكل العالمية، يمكن أن تعزز الآمال المزيّفة، وتقنع القادة الساذجين بأن كل شيء سيكون على ما يرام حتى لو نأوا بأنفسهم عن الشؤون العالمية. أثناء الفترة الزمنية بين الحربين العالميتين، على سبيل المثال، شجّعت "عصبة الأمم" والتفاصيل القانونية مثل "ميثاق براين-كيلوغ" بعض الدول للاعتقاد أن التحديات الكبيرة يمكن حلّها من دون مخاطرة أو تضحية. لكن، وكما بيّن المؤرخ "إدوارد هاليت كار" وغيره بوضوح، فإن هذه الأفكار الطوباوية منعت بذل جهود أكثر جديّة وواقعية لمواجهة التحديات التي خلقتها النزعة التحريفية الألمانية والإيطالية واليابانية.

خامساًَ: يُلقي الماضي غالبًا بظلال كبيرة على استعداد دولة ما للانخراط في الشؤون الخارجية. عندما يتعرض المرء لتجربة مريرة في علاقته السابقة، فقد يتردد في الدخول في علاقة جديدة، كما أن الدولة التي عانت مؤخرًا من كارثة كبيرة في مجال السياسة الخارجية، ربما تبالغ في تعلم الدرس وتصبح مترددة في تمديد نفوذها خشية تكرار أخطاء الماضي. على سبيل المثال، بعد فشلهما في أن تصبحا قوتين إقليميتين مهيمنتين عبر الغزو العسكري، تجنّبت كل من ألمانيا واليابان أداء أدوار عالمية تتناسب مع إمكانياتهما الحالية، وتبنت الدولتان ثقافات استراتيجية تتسم بالسلميّة، واختارتا التعويل على حماية الولايات المتحدة عوضًا عن ذلك (وهو قرار شجّعته الولايات المتحدة بقوة). وفي ضوء المغامرات العالمية الأخيرة للولايات المتحدة، هل من الغريب إذًا أن الكثير منّا بات يعتقد الآن أن تبنّي استراتيجية كبرى أكثر تحفظًا وتركيزًا وواقعية، هو أمر منطقي للغاية؟

الخلاصة: مثلما يمكن للدول أن ترتكب خطأ عبر السماح لنفسها بالعمل فوق طاقتها، كذلك يمكن لها أيضًا أن تتورط في مشكلة عبر المبالغة في عزل نفسها عن شؤون العالم، والسماح للعالم بأن يتطوّر من دونها. وهنا يكمن التحدي الكبير الذي يواجه الأطراف التي تتصارع مع قضايا متعلقة بالاستراتيجية الكبرى: ما هو الحدّ الفاصل بين "ما هو أكثر من اللازم" و "ما هو غير كافٍ"؟  




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق