نيويورك تايمز | ما هي احتمالات فوز التيارات الإسلامية في الانتخابات الإندونيسية المُقبلة؟


١٥ فبراير ٢٠١٩ - ٠٨:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



عندما اختار الرئيس الإندونيسي الحالي "جوكو ويدودو" في العام الماضي السيد "معروف أمين" نائبًا له في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في إبريل من هذا العام، بات واضحًا حينها أن السياسة الإندونيسية باتت منكمشة في زاوية.

إن السيد "معروف" هو رجل دين وعالم إسلامي، وربما كان السيد "جوكو" يأمل في أن اختياره هذا سيخفف من هجمات الجماعات المحافظة والإسلامية المتطرفة التي تصفه بأنه معادٍ للإسلام (بالرغم من كونه مسلمًا). وعوضًا عن ذلك، بنى "جوكو" حصان طروادة لخصومه خارج أبواب مدينته.

إن السباق الرئاسي- الذي سيواجه فيه السيد "جوكو" مجددًا "برابوو سوبيانتو"، وهو جنرال جيش سابق وصهر سابق للديكتاتور الإندونيسي "سوهارتو"- يبدو وكأنه مشهد مكرر لانتخابات عام 2014. في ذلك العام، فاز السيد "جوكو" بفارق بسيط، مستندًا إلى برنامج انتخابي تعهّد فيه بصياغة استراتيجية بحرية كبرى، وبإعادة تنشيط الاقتصاد جزئيًا عبر إقامة مشاريع بنى تحتية كبيرة، غير أنه في انتخابات هذا العام ستكون القضية الحاسمة هي مدى التزام المرشحين بتعاليم الإسلام.

ومن المقرر أن يخوض "جوكو" و"برابوو" مناظرتهما الثانية في السابع عشر من فبراير، وسيركز جدول أعمال المناظرة على قضايا الموارد الطبيعية والبنية التحتية والبيئة، وقريبًا ستعود القضية الرئيسية لهذه الانتخابات (الإسلام) إلى الواجهة.

في السنوات الأربع الماضية، لم يقدم السيد "جوكو" إلا القليل من الأمل للجماعات التقدميّة والمناصرة للديمقراطية؛ فهو ليس شخصية مثالية وكان بطيئًا في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، مثل العنف العسكري الذي يتعرض له المدنيون، لكن ما من خيار آخر. ونظرًا لأن أحزاب المعارضة - مثل حزب "حركة إندونيسيا العظمى" وحزب "التفويض الوطني" وحزب "العدالة والرفاهية"- باتت تتلقى دعمًا متزايدًا من المحافظين والمتطرفين، من بينهم أطراف ترغب في عودة أسرة "سوهارتو" للحكم، فإن كل الآمال المتعلقة بتأسيس مجتمع أكثر ديمقراطية في إندونيسيا باتت معلّقة على السيد "جوكو".

لقد تعمّق الاستقطاب في إندونيسيا منذ انتخابات حاكم جاكرتا منذ عامين؛ إذ دعم السيد "جوكو" حينها حاكم جاكرتا "باسوكي تجاهاجا بورناما" في مواجهة "أنيس باسويدان"، وزير التعليم السابق المنحدر من أصول عربية، وقد أصبح السيد "باسوكي"، وهو مسيحي من أصول صينية، هدفًا سهلاً لحملة مبنية على الفروق العرقية والدينية. إن السيد "باسكوي" لم يُهزم في الانتخابات فحسب، إذ نجح مؤيدو السيد "أنيس" في إرساله للسجن بتهمة ازدراء الدين الإسلامي. (وقد أُطلق سراحه فقط الشهر الماضي).

غير أنه من الواضح أن السيد "برابوو" وبقية المعارضة تعلموا الكثير من سقوط السيد "باسوكي"؛ ففي عام 2014 نظموا حملة انتخابية عتيقة وبالية تستهدف التصاعد المفترض لنفوذ الشيوعية والحزب الشيوعي الإندونيسي، لكن تلك الحملة باءت بالفشل، فيما علّمتهم انتخابات جاكرتا أن استغلال القيم الإسلامية هو أداة فعّالة لحشد الدعم الشعبي.

وقد نظمت حركة "رالي ألومني 2012"، وهي إحدى الحركات التي وقفت خلف الحملة التي وضعت السيد"باسوكي" في السجن، وجبهة "المدافعين الإسلاميين"، وهي جماعة ضغط إسلامية تتصرف أحيانًا بوصفها شرطة أخلاق إسلامية، منتدى العلماء المسلمين الذي أوصى بترشيح السيد "برابوو" لمنصب الرئاسة، لكن هؤلاء المحافظين المتدينين لا يهتمون كثيرًا لحقيقة أن السيد "برابوو" ليست لديه خلفية إسلامية قوية، حيث قال السيد "برابوو" ذات مرة: "نحن لا نبالي كثيرًا بشأن الدين"، مشيرًا لعائلته المتعددة الأديان، هم فقط يهتمون بكونه الشخص الوحيد القادر على منافسه السيد "جوكو" وأنه يرحّب بدعمهم.

إن استراتيجية مهاجمة السيد "جوكو" عبر التلاعب بالمشاعر الدينية بدأت بصورة جديّة، وخلافًا للسيد "باسوكي" فإن "جوكو" مسلم، لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن استعمال الدين ضده أيضًا، وأقسى اتهام واجهه "جوكو" حتى الآن يتمثل في أن سياساته معادية للإسلام أو ضد العلماء المسلمين.

إليكم مثال على هذه الاتهامات: قرار حكومة "جوكو" بحلّ "حزب التحرير في إندونيسيا"، وهو منظمة سياسية إسلامية تدعو لإنشاء خلافة إسلامية عالمية، هناك أيضًا إشارة أخرى مفترضة على نهج الحكومة المعادي للإسلام، وهو أمر استدعاء صدر منذ عامين ضد "رزق شهاب" (إمام في "جبهة المدافعين الإسلاميين) والذي تشتبه الشرطة في إرساله رسائل نصيّة جنسية، وبانتهاك قوانين مكافحة الإباحية.

ويبدو أن أصوات الجماعات الإسلامية تصاعدت مؤخرًا، ولكن هذه الأصوات تصدح منذ زمن طويل في السياسة وعبر المجتمع. إن حركة الإصلاح في إندونيسيا عام 1998، والتي أنهت ديكتاتورية سوهارتوا التي دامت 32 عامًا وجلبت الديمقراطية للبلاد، لم تسمح فقط بالتحرر السياسي، لكنها أفسحت المجال أيضًا للأفكار السياسية الإسلامية.

لقد وُلد حزب "العدالة والرفاهية" - المعروف سابقًا باسم حزب العدالة - من رحم الجماعات الدينية في الجامعات، لكنه يدعو اليوم بشكل صريح لتطبيق الشريعة الإسلامية، كما كان الحزب في بدايته حزبًا قوميًّا، لكنه اقترب من الجماعات الإسلامية المحافظة، ولا يتردد "أمين رئيس"، مؤسس الحزب في وصفه بأنه "حزب الله"، كما وصف حزب الرئيس "جوكو" (حزب الكفاح الديمقراطي الإندونيسي) بأنه "حزب الشيطان".

في أواخر التسعينيات، عندما كنت تذهب إلى مدرسة حكومية، فنادرًا ما كنت تصادف طالبة أو مدرسة ترتدي حجابًا، أما اليوم، فالوضع على النقيض تمامًا، الأمر ذاته ينطبق على الموظفين في المكاتب الحكومية، وبالطبع، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن هؤلاء السيدات تدعمن المعارضة، ولا يمكن الافتراض أيضًا بأنهن محافظات، ناهيك عن كونهن متطرفات، فقد يكون الحجاب تعبيرًا بسيطًا على إيمان المرأة الشخصي، ومع ذلك، فإن هذا الاتجاه لا يمكن تجاهله.

لقد تضاعفت القوانين التي تستوعب الشريعة الإسلامية في بعض الأقاليم الإندونيسية، وذلك نتيجة للحكم الذاتي النسبي الذي تتمتع به بعض المناطق هناك، فيما تتفاوت هذه القوانين بين مطالبة موظفي المدينة بارتداء الزي الإسلامي، وصولاً إلى فرض حظر على بيع وتوزيع الكحول، والأسخف من ذلك - والأكثر رعبًا - هو انتشار حركات داعمة لزواج القاصرين ومناهضة اللقاحات، وتتميز هذه الحركات بالفجاجة والحدّة، وهي تستخدم تفسيرات دينية لتبرير مواقفها: يقول رجل الدين الشعبي "أستاذ عارفين إلهام": إن الزواج المبكّر يمنع الزنا، ووفقًا لإحدى الفتاوى، فإن اللقاحات ليس حلالاً.

وفي ضوء حشد مشاعر الشعب الإندونيسي الإسلامية بوضوح من أجل تحقيقات غايات إسلامية، فإنه يجب على السيد "جوكو" أن يتوخى الحذر في تحركاته السياسية، ومع ذلك ربما بالغ السيد "جوكو" كثيرًا في حذره.  فمن أجل إعطاء انطباع جيّد للناخبين المسلمين، عمل السيد "جوكو" على تقديم نفسه بوصفه زعيمًا تقيًّا ملتزمًا بالصلاة، حتى أنه أصبح إمامًا يؤمّ المسلمين في الصلاة، وبات يقوم بزيارات متكررة للمدارس الداخلية الإسلامية، كما أغلق عينيه وصمّ أذنيه عن حالات محددة ذات خلفيات دينية؛ لأنه يدرك أن أي تصريح منه قد يؤجّج مشاعر الشريحة المجتمعية المسلمة.

ولم يدعم السيد "جوكو" السيد "باسوكي" عندما حوكم وسُجن، واختار أن يبقى صامتًا عندما جرى اتهام سيدة في منطقة "ميدان"، شمال سومطرة، بازدراء الدين بسبب شكوتها من ارتفاع صوت أذان الصلاة. كما أنه لم يُدلِ بأي تصريح عندما جرت إزالة شاهد قبر على شكل صليب في مقبرة  بمنطقة "يوجيكارتا" في جاوا الشرقية، وفي الشهر الماضي فكّر السيد "جوكو" حتى في منح إفراج مبكّر من السجن لرجل الدين المتشدد "أبو بكر باعشير"، المتهم بالإرهاب. (لم يُفرج عن السيد "باعشير" في النهاية لرفضه التعهُّد بالولاء للدولة).

والآن، ينبغي على السيد "جوكو" أن يتبع سياسة معتدلة عبر الوقوف في وجه المعارضة المحافظة والمتطرفة التي تسعى للتلاعب بالمشاعر الدينية، لأن هذا ما يأمله مؤيدوه منه. وبدلاً من ذلك، وافق "جوكو" على السير على حبل رفيع يمسك به خصومه السياسيون. وقد أسفر هذا عن اختيار "جوكو" للسيد "معروف" نائبًا له في الانتخابات، والأخير كان يمكن بسهولة أن يخوض الانتخابات في صفوف المعارضة.

يرأس السيد معروف "مجلس علماء إندونيسيا"، وهو المجلس الديني ذاته الذي أصدر فتوى تتهم السيد "باوزكي" بازدراء الدين، كما أدلى "معروف" بشهادة تجرّم "باسوكي" في المحكمة؛ فهو ليس مجرد شخص محافظ، لكنه شخص متعصّب، كما أنه حرّم تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد، ويرفض طائفة "الأحمدية"، وهي إحدى الطوائف الإسلامية، وأدان أنشطة مجتمع "المثليين جنسيًّا ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية"، كما أنه يرغب في الحد من دور العبادة المخصصة لغير المسلمين.

ربما يبقى السيد "جوكو" في منصبه، لكننا لسنا بحاجة للانتظار حتى شهر إبريل لمعرفة النتيجة الحقيقية للسباق الانتخابي، وبصرف النظر عمن سيفوز بمنصب الرئيس، فإن الجماعات الإسلامية المحافظة المدعومة من الجماعات المتطرفة، هي مَن ستفوز- أو فازت بالفعل- بالانتخابات.  




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق