معهد هدسن | تحييد واشنطن.. ما هي الاستراتيجيات التي تستخدمها الصين لإضعاف النفوذ الأمريكي؟


١٤ مارس ٢٠١٩ - ٠٤:٢٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



تسعى الصين تحت حكم الرئيس "شي جين بينج" للعودة إلى ما تعتبرها مكانتها الشرعية, بدلًا من الولايات المتحدة كالقوة الاقتصادية والعسكرية المهيمنة في العالم. حيث تراخت الإدارات الأمريكية السابقة في فهم المنافسة الاستراتيجية التي تنمو من هذا الطموح ولم تفعل الكثير، بيد أن الإدارة الأمريكية الحالية تفهم الأمر, مثلما اتضح في تعريف استراتيجية الدفاع القومي للصين على أنها منافس رئيس.

أحد الإثباتات الأخرى هو تقرير وزارة الدفاع, "تقييم الدفاع الأمريكي لتداعيات الوصول العالمي الموسع للصين", إنه يدرس كيف تُحدّث الصين جيشها عن طريق الهندسة العكسية, والتجسس السيبراني والمشروعات المشتركة التي تبتز الشركات الأجنبية لكي تسلم التكنولوجيا الحساسة ذات الاستخدام العسكري. الأمر الملحوظ هو استثمارات الصين العالمية بقيمة 1,024 تريليون دولار في عقود إنشاءات عالمية من 2006 إلى 2017.

الأمر المذكور على نحو بارز في الملخص التنفيذي لتقرير وزارة الدفاع هو جهد الصين لإقامة قواعد عسكرية في كمبوديا وفانواتو. إن القاعدة العسكرية في كمبوديا سوف تسهل العمليات البحرية الصينية بالقرب من القارة, ما يمد نفوذها من بحر الصين الجنوبي عبر جنوب شرق آسيا وعلى طول طرق التجارة التي تربط الشرق الأوسط والصين، لكن كمبوديا رفضت.  

القاعدة الصينية في فانواتو الأرخبيل الذي يقع في جنوب غرب المحيط الهادئ مثيرة للقلق بنفس القدر، حيث تقع مجموعة جزر فانواتو جنوب جزر سليمان, التي تحيط بأستراليا من الشرق وتضم جوادالكانال، موقع حملة الحلفاء في 1942-1943 لطرد القوات اليابانية والحفاظ على خطوط الاتصال بين الولايات المتحدة وأستراليا. إن جهد الصين لبناء قاعدة عسكرية على فانواتو يعلن اهتمام بكين بأوقيانوسيا, الربع الجنوبي الغربي من المحيط الهادئ الذي يشمل أستراليا ونيوزيلندا.

تمتلك أوقيانوسيا وفرة من الجزر, والشعاب والشعاب الحلقية التي أصبحت أسماؤها مشهورة أثناء الحرب العالمية الثانية: (تُسمى الآن تشوك), والماريانا, وجوام, وكواجالين, وأوكيناوا, وآيوو جيما. إن قائمة المعارك البرمائية والبحرية في هذه الأماكن طويلة ودموية، لقد هلك عدد من الأمريكيين (حوالي 3000)  خلال ثلاثة أسابيع من القتال على جوام أكثر من الذين قُتلوا منذ العمليات القتالية الأمريكية ضد حركة طالبان التي بدأت منذ 18 عامًا (2,372 حتى يوليو 2018).

صرّحت حكومة فانواتو أنها ليست مهتمة باستضافة قاعدة عسكرية صينية, لكن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد، فبلوغ مكانة القوة العظمى لم يكن مجرد مسألة تفوق عسكري. إن الهيمنة السيبرانية, و"الحرب القانونية," والحرب الهجينة, والدعاية, والأفضلية التكنولوجية في المجالات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة/الاستشعار الكمي, وكذلك أيضًا القوة الاقتصادية, أدوات أساسية لقوى الهيمنة العالمية الطموحة اليوم. كما أن الصين منسجمة على نحو خاص مع المال كوسيلة نفوذ لتحقيق القوة, في الوقت الذي تبني بكين جيشًا حديثًا ضخمًا.

من 2000 إلى 2014, أقرضت الصناعات المملوكة للدولة الصينية, مثل شنغهاي جروب للإنشاءات, والشركات الخاصة, مثل هواوي, أقرضت فانواتو 183,82 مليون دولار – ما يساوي 21% من الناتج المحلي الإجمالي لفانواتو البالغ 860 مليون دولار في 2017, وهو الأعلى في تسع سنوات، ومن ضمن هذا المبلغ, سامحت الشركات الصينية أو أسقطت 15 مليون دولار.

غير أن التسامح الصيني له حدود، وأوردت الإذاعة الوطنية العامة في أكتوبر عن عجز كينيا عن سداد القرض الصيني بقيمة 3,2 مليار دولار لبناء خط سكة حديد من العاصمة الكينية, نيروبي, إلى ميناء مومباسا. في ديسمبر, كانت السلطات الصينية تستعد للسيطرة على الميناء بسبب فشل كينيا في سداد الفائدة على المديونية الكلية بقيمة 5,3 مليار دولار.  

تنتشر دبلوماسية فخ الديون الصينية في أنحاء أفريقيا, مثلما يغطي الجراد المهاجر القارة جنوب الصحراء الكبرى. واستخدمت بكين القروض مع اليونان الفقيرة كوسيلة ضغط سياسي, حيث أقنعت أثينا بمنع الموقف الأوروبي الموحد ضد العدوان الصيني في بحر الصين الجنوبي ومنعت الاتحاد الأوروبي من حظر سجل حقوق الإنسان الخاص بالصين.

تنتشر استثمارات الصين عبر أوقيانوسيا إلى جانب خطر دبلوماسية فخ الديون – بعبارة بسيطة, ابتزاز.

وعلى بُعد حوالي 2,600 ميلًا جنوبًا عند جنوب غرب أواهو تقع جزيرة ساموا المستقلة . لقد تلقت 175 مليون دولار في صورة قروض صينية من أجل تحديث المطارات, والمراكز الطبية والمباني الحكومية. وكما هو الحال مع فانواتو, تبلغ القروض الصينية لساموا 22% من الناتج المحلي الإجمالي للجزيرة لعام 2017.

تشكل مملكة تونجا وجمهورية فيجي مثلثًا متساوي الضلعين مع ساموا. كانت الصناعات المملوكة للدولة الصينية المُقرض الرئيسي لتونجا منذ 2001, حيث بلغ إجمالي القروض 160 مليون دولار, أو 38% من الناتج المحلي الإجمالي لتونجا لعام 2017. أقرضت الصناعات المملوكة للدولة الصينية فيجي أكثر من 930 مليون دولار, حوالي 18% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2017 بقيمة 5,061 مليار دولار, من أجل الإسكان منخفض التكلفة, والطرق وغيرها من التحسينات.

خلال نفس الفترة – في العقد الماضي تقريبًا – أقرضت الصين بابوا غينيا الجديدة حوالي 4,9 مليار دولار, أو 22% تقريبًا من ناتجها المحلي الإجمالي لعام 2017. بابوا غينيا الجديدة هي النصف الشرقي (النصف الغربي إندونيسي) من جزيرة كبيرة تقع على بُعد 100 ميل شمال شبه جزيرة كيب يورك الأسترالية. بورت مورسبي, عاصمة بابوا غينيا الجديدة, مهمة لخطوط الاتصال الأمريكية - الأسترالية اليوم بقدر ما كانت عليه في الحرب العالمية الثانية. ومن ضمن متلقي القروض الصينية الآخرين، جزر كوك ونيوزيلندا.

إن الموقف الأمريكي كقوة في المحيط الهادئ مرتبط بارتباطها المتواصل بأوقيانوسيا، ويمنح اتفاق الارتباط الحر بين واشنطن وثلاث دول جزرية – المارشال, وولايات ميكرونيسيا المتحدة وبالاو – يمنحهم حق الدخول في برامج الحكومة الأمريكية مثل الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ, والخدمة البريدية, وإدارة الطيران الفيدرالية, وهيئة الاتصالات الفيدرالية, وخدمة الأرصاد الجوية الوطنية, والمساعدة المالية.
ويشمل التواجد العسكري الأمريكي في جزر مارشال حامية عسكرية ومركز على جزيرة كواجالين يُستخدم لتعقب اختبارات الصواريخ الأمريكية، وتستضيف جوام, وهي أرض أمريكية, ميناءً عسكريًّا أمريكيًّا رئيسيًّا, ومهبطًا جويًّا ومركزًا لوجيستيًّا، اللازمين لإجراء عمليات قتالية مستمرة في غرب المحيط الهادئ. ساموا الأمريكية وكومنولث جزر ماريانا الشمالية هي أيضًا أراض أمريكية؛ استخدم المارينز مهبطًا جويًّا تم تجديده على جزيرة تينيان التابعة لماريانا في تدريب عام 2013.

وتُعد الأراضي الأمريكية والثلاث دول الجزرية حلقات في ما يُسمى سلسلة الجزر الثانية التي تطوق البر الرئيسي الآسيوي. إن الخط التخيلي الذي يمر عبر هذه الجزر, والذي يمتد 1700 ميل غربًا, ينتهي في تايوان؛ يُعد التواجد الأمريكي حصنًا للدفاع عن اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية والفلبين وأستراليا ونيوزيلندا.  

إن السبب الاستراتيجي للمشاركة الأمريكية المستمرة صريح: استيلاء الصين على الجزر أو قدرتها على حرمانها من استخدام الجيش الأمريكي, سيجبر الولايات المتحدة على الاختيار بين قبول وضع عسكري يهدد الاتصالات مع أستراليا/نيوزيلندا وخلف حلفائها الآسيويين الرئيسيين, أو الانقسام غير المستساغ لقواتها للدفاع عن الحلفاء الإقليميين الكبار أثناء تحييد التهديد الصادر من أوقيانوسيا ذات الطابع الصيني على الشرق.

تقدّم أوقيانوسيا مثالًا حول: كيف أن استثمارًا صغيرًا في الوقت والمال يمكن أن يكون له تأثير استراتيجي هائل.

إن إجراء الكونجرس لحفظ وتمديد اتفاقيات الارتباط الحر في أوقيانوسيا منطقي وضروري؛ وكذلك أيضًا زيارات البحرية الأمريكية وحرس السواحل المتزايدة. إن المساعدة والتواجد الأمريكي يواجه "دبلوماسية الديون" الصينية, ويؤمن الساحات الخلفية لحلفائنا الرئيسيين, ويمنع استخدام المنطقة كمنصة إطلاق للعمليات الصينية في وسط المحيط الهادئ, ويبني على العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة والجزر. مع هذا, السياسة الأمريكية تجاه أوقيانوسيا تثير سؤالاً أكبر بكثير.

إن المنطقة, مثلما يشير اسمها, تُعرف بالمحيط, حيث تبلغ حوالي 3,3 مليون ميل مربع منه، وتعبّر مشاركة الصين هناك عن تثمينها للقيمة الاستراتيجية للمنطقة وكذلك أيضًا ارتباطها السلس بالمسرح البحري الأكثر قربًا من البر الرئيسي الآسيوي, وبحري الصين الجنوبي والشرقي, وبحر الفلبين.

تواصل الصين إنفاق المزيد على حاملات الطائرات, والغواصات, وسفن السطح والسفن البرمائية, وأنظمة الجيل القادم الذاتية والحرب السيبرانية. وتوضح الاستثمارات البصيرة الصائبة للقادة الصينيين بأن مركز صراع القوى العظمى المستقبلي هو البحار التي تصل إليهم من خلالها المواد الخام وتبحر بضائعهم الجاهزة إلى الأسواق, والتي يعتمد عليها الاقتصاد المتنامي الذي يُعد مصدر الدعم لحكم الحزب الشيوعي.

وتُعد استثمارات الصين في أوقيانوسيا مؤشرًا صغيرًا على تفكيرها الاستراتيجي – ورسالة تذكير كبرى للأمريكيين بأنه, مثلما حدث في آخر صراع كبير مع قوة آسيوية, الصراع المستقبلي سيُحسم في البحر. إن استثماراتنا الدفاعية الحالية لا تعكس هذا, ولكن ينبغي أن تفعل.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق