فورين بوليسي | تعرف على شبكات اليمين المتطرف الإرهابية في أوروبا


١٨ مارس ٢٠١٩ - ٠٦:٠١ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



على مدار العقود الثلاثة الماضية، كانت الهجمات الإرهابية الكبيرة المدفوعة بمعتقدات يمينية متطرفة تُنفذ بشكل حصري تقريبًا من طرف جناة منفردين أو خلايا صغيرة مستقلة، ولعل السبب في ذلك أن الحفاظ على جماعة يمينية متطرفة ذات طموحات إرهابية هو أمر مستحيل في الديمقراطيات الغربية اليوم؛ وذلك بفضل مراقبة الدولة وغياب الدعم الخارجي وعدم وجود ملاذات آمنة. ومن الأمثلة الأخيرة على محاولة متطرفين – وفشلهم- التحضير لهجوم والاحتفاظ في الوقت ذاته بموقع عام بارز، تبرز جماعة "العمل الوطني" التي يقضي قادتها ونشطاؤها حاليًا عقوبات سجن طويلة. هذا الوضع يترك ثوار اليمين المتطرف أمام خيارين: العمل بشكل علني ولكن الإحجام عن اتباع سلوك غير قانوني، أو العمل بصورة سريّة.

إن مفتاح فهم التهديد الإرهابي الراهن يقبع تحت الأرض، لا سيّما في المواقع الخفيّة على الإنترنت، والتي باتت أرضًا خصبة للمتطرفين المعاصرين من كل نوع، من بينهم مُرتكب جريمة "كرايستشرش". الملفت أن هذا الجاني أعلن عن هجماته مسبقًا على منتدى إليكتروني، حتى أنه قام بعمل بث مباشر لهجماته على موقع الفيسبوك.

لكن السؤال يظل قائمًا بشأن ما إذا كان هناك بالفعل حركة سريّة تحت الأرض عابرة للحدود الوطنية، أي شبكة من النشطاء المخلصين يعملون معًا بمساعدة تطبيقات مشفّرة على الإنترنت بهدف التحضير لهجمات إرهابية مستقبلًا، وليس بوسع أحد أن يعرف بالتأكيد، لكن عند النظر للهجمات السابقة، لم يُعثر إلا على أدلة قليلة تشير إلى وجود مثل هذه الشبكات العابرة للحدود الوطنية داخل اليمين المتطرف، أما على المستوى الوطني، يبدو أن هناك العديد من الدول التي تستضيف شبكات يمينية متطرفة سريّة مهتمة بتسهيل تنفيذ حملات ضد أقليات وأعداء سياسيين أو ضد الحكومة، كما تحتفظ العديد من هذه الشبكات أيضًا بروابط دولية. المثال الأبرز على هذا هو جماعة "الاشتراكيين القوميين" الألمانية السريّة الإرهابية التي قتلت بين عامي 2000 و 2006 تسعة مهاجرين وضابطة شرطة، ونفذت على الأقل ثلاث هجمات تفجيرية منفصلة.

كشف التحقيق أن هذه الجماعة المكوّنة من ثلاثة أشخاص تلقت دعمًا ماليًا وعملياتيًّا من شبكة سريّة أكبر، وبينما اشتبهت الشرطة والجمهور في أن تلك الهجمات كانت بدوافع إجرامية، كان عددٌ كبيرٌ من النشطاء في اليمين المتطرف الألماني فيما يبدو على علم بأن الهجمات كانت من تنفيذ جماعة "الاشتراكيين القوميين"، حتى أنهم ألّفوا أغاني بشأن ذلك قبل انكشاف أمر تلك الجماعة.  

وبعيدًا عن ألمانيا، هناك دول أخرى تستضيف شبكات يمينية متطرفة سريّة ذات طموحات إرهابية، من بينها إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا. في الواقع، بعد عام 1990، كان عدد الهجمات اليمينية المتطرفة المميتة لكل مليون نسمة في روسيا أعلى بعدة مرات من عددها في أي بلد آخر. وفي الغرب، سجلت ألمانيا والسويد أعلى نسبة في عدد الهجمات، تلاهما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسبانيا واليونان، ومع ذلك، لم تُنفذ معظم تلك الهجمات من جانب جماعات منظمة أو حتى من خلايا مستقلة، ولكن من جانب عصابات ذات تنظيم فضفاض، وجماعات صغيرة عشوائية من الأشخاص، أو من جانب جناة منفردين، مثل حادث إطلاق النار الأخير في كنيس "بيتسبرغ"، والآن الهجوم المعادي للإسلام في مدينة "كرايستشرش".

وتواجه الديمقراطيات الغربية اليوم نوعين من التهديدات العنيفة من اليمين المتطرف: فمن جانب، تتسم معظم الهجمات بأنها عفوية من تنفيذ جناة غير منظمين بدوافع متطرفة، وغالبًا تحت تأثير الكحول والمخدرات. والأسلحة المستخدمة الأكثر شيوعًا هي السكاكين وقبضات اليد والعصي والقضبان الحديدية. إن مثل تلك الهجمات لا تنطبق عليها صفة الإرهاب.

من جهة أخرى، تُرتكب معظم الهجمات الكبيرة التي تخلّف العديد من الضحايا من جانب جناة منفردين أو خلايا صغيرة مستقلة، ولا شك أن هذه الهجمات نادرة الحدوث ودائمًا ما تكون مخططة مسبقًا، وتُستخدم فيها عادة أسلحة نارية ومتفجرات. لقد أصبح المسلمون مؤخرًا هدفًا رئيسيًا، ويشمل ذلك هجوم "كرايستشرش". مع ذلك، بالرغم من أنهم يهاجمون أهدافًا مماثلة، إلا أن الجناة يعملون بمعزل عن بعضهم البعض من دون اتصال مباشر أو تعاون رسمي فيما بينهم، بيد أن هذا لا يعني أن هؤلاء الجناة المنفردين وهذه الخلايا المستقلة لا تستمدّ الإلهام من بعضها البعض.

في البيان الذي نشره الإرهابي المسؤول عن هجوم المسجدَين، يُذكر اسم القاتل الجماعي النرويجي "أندريز بيرنغ بريفيك" بوصفه مصدر الإلهام الحقيقي الوحيد لمنفذ هجوم "كرايستشرش". في الثاني والعشرين من يوليو 2011، فجّر "بريفيك" في البداية قنبلة مكوّنة من 2.100 رطل من السماد في مقرّ الحكومة النرويجية في قلب مدينة "أوسلو"؛ ما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص، قبل أن يطلق النار ويقتل 69 شخصًا آخرين في جزيرة "يوتويا" الصغيرة الواقعة على بعد 25 ميلاً من العاصمة. وقد أُصيب 158 شخصًا آخرين بجروح خطيرة من جراء تلك الهجمات. لقد استهدف "بريفيك" ممثلي الحكومة وأعضاء في الجناح الشبابي لحزب العمل الحاكم؛ بسبب اتهامه لهم بأنهم خونة ماركسيون يسهّلون عن عمد "غزو المسلمين" للنرويج.

كانت هجمات "بريفيك" فريدة من جوانب عدة؛ فبجانب حصيلة القتلى المرتفعة، كانت تلك من الحالات القليلة التي تطرّف فيها الجاني ذاتيًّا على شبكة الإنترنت. كما كان ذلك أيضًا هو الهجوم الإرهابي المعقد الوحيد خلال العقود الثلاثة الماضية الذي شنّه متطرف يميني مستخدمًا مزيجًا من المتفجرات والأسلحة النارية. ويبدو أن هاتين السمتين يشاطرهما منفذ هجوم "كرايستشرش"، الذي حمل متفجرات في إحدى سياراته، وبدا أنه تطرف ذاتيًّا على الإنترنت من دون التفاعل مع جماعات يمينية متطرفة منظمة.
 
كما كان "بريفيك" أيضًا أول شخص يصنع قنبلة من سماد مخفف. لقد بدأت أوروبا جهودها لتخفيف تركيز نترات الأمونيوم في الأسمدة بعد تفجير مدينة أوكلاهوما عام 1995، وذلك لمنع تصنيع مثل هذه القنابل. مع ذلك، تمكّن "بريفيك" من الالتفاف على هذا الإجراء، حسب زعمه، عبر مزجه بين المئات من وصفات تصنيع القنابل الموجودة على شبكة الإنترنت. وبالتالي، من وجهة نظر عملياتية، يمكن لـ "إنجازات" بريفيك بالطبع أن تكون مصدر إلهام لهجمات مستقبلية.

غير أن الجانب الأبرز في قصة "بريفيك" هو غياب أي دعم له داخل الحركة اليمينية الأوسع نطاقًا بعد الهجمات. والمُلفت أن قلة قليلة فقط من أعضاء اليمين المتطرف المنظم عبّروا عن دعمهم لـ "بريفيك"، بعكس الدعم الكبير الذي أبداه اليمين المتطرف في روسيا. كما أن الذين دعموه يدعمون فقط آراءه السياسية وليست أفعاله. السبب الأهم في هذا قد يرجع إلى وحشية هجماته، ولحقيقة قتله للعديد من الأطفال البيض (هم بالنسبة له أهداف شرعية لأنهم أعضاء في الجناح الشبابي لحزب العمل النرويجي).  

لقد أُسست شبكة دعم لـ "بريفيك" على الإنترنت عقب الهجمات، مكوّنة من العديد من المدوّنات على موقع "تمبلر" وبتنسيق من شخص غامض يستخدم الاسم المزيّف "أنغوس ثيرموبلي". أصبح "أنغوس" لبعض الوقت المتحدث الرسمي لـ "بريفيك". وقد أدار العديد من مدوّنات الدعم، ونشر خطابات كتبها "بريفيك" في السجن، كما قام بترجمة بيان "بريفيك" للعديد من اللغات. مع ذلك، اتضح بعد وقت قصير أن غالبية اتباع "بريفيك" عبارة عن فتيات صغيرات انجذبن له لأسباب عاطفية وليست سياسية. وبالرغم من أن "أنغوس" كان ماهرًا للغاية فيما يتعلق بالأمن العملياتي للإنترنت، حيث لم يترك خلفه أي أثر تستفيد منه أجهزة الاستخبارات المختلفة التي تسعى للتعرف عليه، لكن المفارقة أن أمره انكشف في نهاية المطاف بفضل إحدى أولئك الفتيات، التي أفصحت عن اسمه لصحفي نرويجي، واتضح أن "أنغوس" هو رجل هولندي يعيش في الولايات المتحدة، وبمجرد أن واجهه الصحفي بالحقيقة، توقفت أنشطة دعمه وانهارت شبكة الدعم بأكملها.  

إن أول حالة لشخص استمد إلهامًا من "بريفيك" ربما تتمثل في الاعتقال الأخير لملازم في خفر السواحل الأمريكي، والذي خطّط لشن هجوم كبير على سياسيين وصحفيين في الولايات المتحدة، وقد جرى اعتقاله قبل تنفيذ مخططه. ويبدو أن هذا الملازم احتفظ بنسخة من بيان "بريفيك" وصاغ نظام تصنيف مماثل للأهداف المشروعة، لكن لم يُكشف سوى القليل من المعلومات حتى الآن تساعد على استخلاص استنتاجات بشأن هذه الحالة.

بالتالي، فإن الإرهابي المشتبه في تنفيذه هجوم "كرايستشرش" هو الحالة الوحيدة لوجود تابع حقيقي لـ "بريفيك". هو لا يدع مجالاً للشك بشأن هذا عندما يذكر في بيانه أن بالرغم من قراءته لأعمال العديد من الأشخاص الآخرين، إلا أنه "استمدّ إلهامه الحقيقي فقط من الفارس بريفيك". وفي البيان ذاته، زعم أيضًا أنه تواصل مع "فرسان المعبد الجدد" للحصول على مباركتهم للهجوم. (فرسان المعبد هي منظمة إرهابية خيالية ابتدعها "بريفيك" عمدًا لإلهام هجمات مستقبلية).

والآن من المبكر للغاية معرفة ما إذا كانت جماعة "فرسان الهيكل" قد وُلدت من جديد حقًّا، أو ما إذا كان هناك أعضاء وخلايا آخرون، كما يشير فيما يبدو إرهابي هجوم "كرايستتشرش". ولو كان هذا صحيحًا، فإنه سيكون تطورًا غير مسبوق في التاريخ المعاصر للإرهاب اليميني المتطرف من ناحية أن هذه الشبكات العابرة للحدود الوطنية لم تكن موجودة منذ السبعينيات والثمانينيات، متمثلة فيما يسمى بشبكة "بلاك أوركيسترا" التي اتخذت من إيطاليا مقرًا لها، لكنها تلقت تدريبًا ودعمًا في البرتغال. وبالرغم من أن إرهابي هجوم "كرايستشرش" استمدّ إلهامًا واضحًا من "بريفيك"، إلا أنه ليس هناك أي أثر لكتابات أو لأيديولوجية "بريفيك" في بيان المسؤول عن الهجوم، وبينما كان بيان "بريفيك" منقولاً بالحرف من مصادر أخرى، ولم يكتب هو إلا نصفه، فإن هذا الإرهابي فيما يبدو هو من كتب معظم البيان بنفسه، وصممه ليتناسب مع مجتمع الإنترنت السرّي مستخدمًا لغة مشفّرة وأسلوبًا ساخرًا، وذاكرًا أسماء بعض الشخصيات المثيرة للجدل لإثارة اضطرابات وحالة استقطاب.

وتمامًا مثل "بريفيك"، أجرى إرهابي "كرايستشرش" مقابلة مزعومة مع نفسه، موضحًا دوافعه وتحضيراته وتفضيلاته الأيديولوجية، كما أن الملفت أنه برّر قتل الأطفال زاعمًا أن "أطفال الغزاة لا يبقون أطفالاً، فهم يكبرون ويتكاثرون، مُنجبين المزيد من الغزاة ليحلوا محلّ شعبكم". ولم يبرر "بريفيك" مطلقًا قتل الأطفال في بيانه، لكن 33 من ضحاياه في جزيرة "يوتويا"، التي نفذ فيها هجومه الثاني، كانوا تحت سن الثامنة عشرة. واثنان منهم كان يبلغ عمرهما 14 عامًا فقط.

وقد تميّزت العديد من النصوص التي ألّفها "بريفيك" بأنها غريبة؛ ما ساهم ربما في جعل الحركة اليمينية المتطرفة الأوسع نطاقًا لا تحتفي به احتفاءً كبيرًا. على سبيل المثال، كتب "بريفيك" أنه ينبغي أن يحتفظ الآباء دائمًا بحق حضانة الأطفال، وأن الزواج ينبغي أن يُبنى على المصلحة المتبادلة وليس المشاعر، كما اقترح إنشاء عيادات حكومية للأمهات البديلات يُولد فيها الأطفال ويترعرعون. ويتكوّن بيان "بريفيك" أيضًا من 1,516 صفحة، مقارنة مع 74 صفحة فقط لبيان "كرايستشرش" الذي كُتب بلغة أكثر وضوحًا، وكان مصممًا لإثارة القرّاء في الفضاء السرّي للإنترنت.

ونظرًا لاستهداف إرهابي هجوم "كريستشرش" للمساجد والمسلمين بدلاً من الأطفال البيض، فإنه ربما سيحظى بمكانة أكبر داخل الحركة اليمينية السريّة من تلك التي حظي بها "بريفيك". وفي الواقع، هناك بالفعل مؤشرات في المنتديات اليمينية المختلفة بأن القرّاء يدعمون مثل تلك الهجمات.

إن هجوم الجمعة الماضية ينبغي أن يُذكّرنا يأنه في معظم الديمقراطيات الغربية، يتفوق كثيرًا عدد الهجمات المميتة المدفوعة بمعتقدات يمينية متطرفة على عدد الهجمات المدفوعة بمعتقدات إسلامية متطرفة، وبناءً على هذا، فإن هذه الحركة اليمينية المتطرفة تمثل أساسًا تهديدًا سريًّا وغير منظم، وينبغي على المسؤولين عن تشكيل الرأي العام أن يحذروا من إلقاء اللوم على الأشخاص العاملين في المجال العام وداخل الحدود القانونية، مثل أحزاب اليمين المتشدد أو الحركات الاحتجاجية المناهضة للاجئين.

وبالرغم من أن هذه الأحزاب والحركات في بعض الحالات قد تمثل تهديدًا على القيم الديمقراطية وحقوق الأقليات، إلا أن خطر حدوث عنف واسع النطاق يأتي من النشاط السرّي على الإنترنت، وبالتالي ينبغي لصنّاع القرار أن يعرفوا المزيد بشأن أسباب انجذاب بعض الناس لهذا العالم المظلم.  




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق