الصحافة الفرنسية| ما مصير أطفال الدواعش العائدين؟ وشبح الربيع العربي يخيم على الجزائر


١٨ مارس ٢٠١٩ - ٠٦:٥٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما

هل تعد النيوليبرالية ألد أعداء "السترات الصفراء"؟

حول الشأن الداخلي الفرنسي وفيما يخص أزمة "السترات الصفراء"، نشر موقع "لوفيجارو" تقريرًا أكد خلاله الخبير الاقتصادي "أندريه جريبين" أنه من الضروري الآن العودة إلى أسباب ظهور "السترات الصفراء"، فهذه الحركة هي نتاج لعقود من السياسات النيوليبرالية التي يُعدّ "إيمانويل ماكرون" وريثًا شرعيًا ومواصلًا لها.

وأكدت الصحيفة أنه في سياق السياسات المتواضعة التي تقود الدولة الفرنسية وحالة الركود وضعف القوة الشرائية التي ضربت البلاد في الفترة من 2007 وحتى 2017، وفي غياب بديل سياسي موثوق، كان الشارع مسرحًا للتعبير عن السخط الشعبي، وبالتالي خرجت "السترات الصفراء" من رحم المعاناة واكتسبت الزخم الشعبي، وإلى جانب مبرراتها الواقعية، ترجمت تلك الحركة على الأرض ثورة "عديمي الأصوات"، الذين يشعرون بأن آراءهم لا تستحوذ على أي انتباه أو اهتمام، بالإضافة إلى تلاعب القادة السياسيين والنقابيين بهم. إنهم أشخاص لا يمتكلون أي نوع من السلطة ولا يمكنهم الحصول على حريتهم في العمل إلا بالرد على التدابير المتخذة، وعلى كل من يملك السلطة بشكل أعم.

ولفتت الصحيفة إلى أن "السترات الصفراء" لا تنطلق من مشروع بقدر ما تنطلق من الرغبة في معارضة "نظام" غير محدد التعريف، يُنظر إليه باعتبار أن النخب التي تسيطر على السلطة في جميع مستوياتها هي التي تنظمه لخدمة مصالحها فقط؛ فقطع الطرق، وتدمير الرادارات وغيرها من الأملاك العامة، والهجمات ضد الشرطة تقطع يقينًا أنها لم تجتاح المظاهرات السلمية من قبيل المصادفة، بل على العكس فهي مظاهرات متطرفة نابعة من الشعور بأن صوتها ليس مسموعًا، ومن الاستياء من النخب ومن رئيس الجمهورية في المقام الأول.

وأكدت الصحيفة أن هذه الحركة تعدُّ جزءًا من أزمة الديمقراطية التمثيلية؛ حيث يذهب رفض أي شكل من أشكال هذا التمثيل إلى حد الاعتراض على انتخاب المتحدثين الرسميين كذلك، ناهيك عن القادة أنفسهم، ويبدو أن أعضاء الحركة يسعون إلى قيام مجتمع أكثر عدلاً ومساواة، بما في ذلك مستوى التمثيل وصنع القرار؛ وبالتالي فإن الإغراء الذي تمثله الديمقراطية المباشرة لهم، بغض النظر عن المخاطر التي ينطوي عليها، ولا سيما داخل تجمعاتهم، هو الذي يملي عليهم أقوى الاقتراحات، ويدفعهم في أغلب الأحيان إلى التمسك بفرض آرائهم، كمطالبتهم بالاستفتاء الشعبي، وهو نفسه الاستفاء الذي دعا إليه اليمين المتطرف في ثمانينيات القرن الماضي.

وخلص التقرير إلى أنه من المؤكد أن أمثلة الحركات الشعبية التي وصلت إلى السلطة في الآونة الآخيرة باتت عديدة نسبيًا، وتنتج في كل مرة مزيجًا من تحالف الساخطين والزعيم الكاريزماتي، وفي الوقت الحالي تفعل "السترات الصفراء" كل شيء لتجنب ظهور مثل هذا الزعيم؛ شريطة ألا يتم اختراقها واستخدامها من قِبل تحالف متطرفي اليمين واليسار الذين يشكّلون عمودها الفقري حتى الآن.

واختتمت الصحيفة بالقول إنه بعيدًا عن الفائدة من النقاش الوطني الكبير والمكاسب التي سيجنيها الرئيس ماكرون من خلاله، فليس ثمة شك في أن الحديث عن مزايا النيوليبرالية التي تسود سياسته والتشكيك فيها، ليس بإمكانه وحده أن يثني عن هذا التطور.. وتساءلت: هل يمكننا أن نأمل أن تتسلل هذه القناعة إلى رئيس الجمهورية قبل فوات الأوان؟

أطفال الجهاديين الفرنسيين والمعادلة الصعبة

وفي سياق آخر، استعرضت صحيفة "لوموند" ما وصفته بالمأزق الفرنسي تجاه قضية المقاتلين الفرنسيين في صفوف "داعش"، حيث بات مصير المعتقلين الفرنسيين في سوريا يشكّل صداعًا في رأس الحكومة الفرنسية، الممزقة بين الأخذ بالمبادئ الإنسانية والممانعة السياسية.. وتساءلت الصحيفة: ما الذي يجب القيام به مع الفرنسيين الذين انضموا لداعش؟ وأشارت إلى أن هناك عددًا غير مؤكد من الفرنسين بين المقاتلين والنساء والأطفال الناجين من آخر المعارك مع التنظيم، حيث  قدّرت الحكومة الفرنسية قبل شهر أن عددهم يتراوح بين 130 و150 شخصًا، أكثرهم من الأطفال، ومن المؤكد بعد سقوط مدينة "الباغوز" السورية أن يرتفع عددهم أكثر.

وبالنسبة للبالغين، يتمثل هذا الصداع في التحدي الأمني والقانوني والسياسي. ففرنسا ترى ضرورة أن يمثّل أولئك الذين حاربوا في العراق أمام العدالة الفرنسية، أما الذين تحتجزهم القوات الكردية في سوريا، فهناك حالة من الارتباك الشديد تسود الموقف الحكومي الفرنسي حيالهم، لا سيّما بعد أن أعلنت القوات الكردية أنها لن تتمكن من احتجاز الجهاديين المسجونين بأمان، وذلك عقب الانسحاب الأمريكي.

واختتمت الصحيفة بالقول: "يبدو أن الحكومة استقرت على إعادة الفرنسيين إلى أوطانهم للحكم عليهم في فرنسا والحيلولة دون تشتتهم في البرية، بيدَ أن المماطلة في جدول انسحاب القوات الأمريكية يجبر الحكومة حتى وقتنا الحالي على رفض أو تأجيل إعادتهم إلى الوطن".

ليس على فرنسا أن تتوافق مع الثقافات الأخرى

في إطار الجدل حول مشروع التعديل الذي اقترحه الرئيس "إيمانويل ماكرون" لقانون 1905، استعرضت صحيفة "لوفيجارو" معارضة عضو مجلس الشيوخ عن الجمهوريين "جيروم باشير" لهذا التعديل، حيث يرى أنه لا يجب على العلمانية أن تتوافق مع الأديان، بل على تلك الأديان أن تتوافق مع العلمانية.

وأضافت الصحيفة أن تطور معاداة السامية والأعمال المعادية للمسيحيين يسير جنبًا إلى جنب مع ظاهرة ما وصفها بـ "التصاعد الخبيث للإسلاموية"، قائلاً: "إذا أردنا أن نكافح هذه الظواهر فلن نجد أمامنا خيارًا آخر سوى مجابهة التيارات الأصولية، فضلًا عن التصدي لجميع انتهاكات الحقوق الأساسية والتصدي لكل ذلك عبر العمل الشامل والطويل الأجل". وتابعت الصحيفة: "لذلك يُعدّ مشروع الرئيس ماكرون بتعديل قانون 9 ديسمبر لعام 1905 والمتعلق بفصل الكنائس عن الدولة فاقدًا لهدفه". 

وأشارت الصحيفة إلى أنه بموجب التعديل المقترح، يود رئيس الجمهورية أن يضع إطارًا أكثر صرامة لممارسة الشعائر الدينية بهدف مكافحة تيارات الإسلام المتشددة، وفرض رقابة أشد على التمويل الأجنبي للطوائف الدينية، وكذلك التأكيد على احترام النظام العام، وهذا أمر يبدو منطقيًّا من حيث المبدأ.

ليس تعديلاً بل انتهاك لقانون 1905 وللمبدأ التأسيسي للعلمانية

وقال التحقيق الصحفي إن المشكلة تكمن في أن هذا المشروع سيتطلب من قادة الطوائف الدينية أن يُنشئوا جمعية دينية ملحقة بكل دار عبادة، وفقًا للقانون 1905، وسيكون من سلطة المحافظين نزع الصفة الدينية عن هذه الجمعيات إذا لم تستوفِ الشروط المتفق عليها مسبقًا، وسيكون هذا بمثابة تخويل الدولة سلطة توصيف ما هو ديني وما هو ليس دينيًّا؛ وهذا الأمر لا يعد تعديلًا للقانون، بل انتهاك له وللمبدأ التأسيسي للعلمانية وهو: "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"؛ وبهذا التعديل لن يمكننا أن نطلب من الدولة أن تكون علمانية!

ولفتت الصحيفة إلى أنه تبعًا لذلك بدلًا من أن تعظ الدولة باسم الدين، عليها بموجب ما تتمتع به من سلطة أدبية لدى معتنقي الديانات، أن تحترم القيم التأسيسية للجمهورية الفرنسية، وسيكون من الأنجع آنذاك أن تمنحهم حق التوصيف بدلًا من تحميل أديانهم مسؤولية التنظيم في ضوء احترام العلمانية وإلزامهم بالتوقيع على ميثاق يلتزمون فيه بالتوقف عن التحريض ضد القيم الدستورية لفرنسا.

من جانبه قال عضو بمجلس الشيوخ الفرنسي، إنه إذا لم يجر تعديل مشروع القانون فسندافع في المقابل عن تعديل المادة 31 من القانون ذاته، وذلك من أجل معاقبة كل من يستخدم العنف أو الاعتداء أو التهديد أو يمارس الضغوط الشديدة والمتكررة لإعاقة أو منع ممارسة شعائر الديانات، أو للإجبار على الاشتراك أو التوقف عن الاشتراك في إنشاء جمعية دينية أو حتى الإجبار على المساهمة أو الامتناع عن المساهمة في النفقات الدينية أو اتباع التعاليم الدينية.

وباتباع هذا الإجراء نكون قد تمكنّا أخيرًا من إيجاد حل للسلوكيات الطائفية التي تقوّض حرية الاعتقاد والتي يجب على الدولة بدورها أن تضمنها، فليس على فرنسا أن تتوافق مع الثقافات الأخرى، بل على الأخيرة أن تتوافق معها، وليس على العلمانية أن تتكيف مع الديانات، بل يجب على الديانات أن تتكيف مع العلمانية.

تظاهرات الجزائر.. بين الإسلام والاحتجاج السلمي

وعلى صعيد الاحتجاجات الجزائرية، سلطت صحيفة "لا كروا"، المتخصصة في الأديان، الضوء على أبرز المخاوف من تطورات الاحتجاجات هناك، حيث يسود المجتمع الجزائري منذ عدة سنوات توجهًا للعودة إلى قيم الإسلام الأصولي، مشيرة إلى أنه الإسلام يعدّ ضاربًا بجذوره بين أوساط الجزائريين، ولوحظ ذلك عندما سجلت التظاهرات الضخمة التي اجتاحت العديد من المدن في البلاد تنديدًا بترشح الرئيس بوتفليقه لولاية خامسة، ظهورًا كبيرًا للمرأة المحجبة، وكذلك توقف المدارس عن الدراسة في أوقات الصلاة، لافتةً إلى أن شبح الربيع العربي، الذي استولى عليه الإسلاميون بعد عام 2011، بات يخيم على الوضع كاملاً هناك.

رفض تام لكافة أشكال التطرف

يقول "عبدالرحيم موساوير"، الناشط الجزائري المقيم في فرنسا، إنه رغم أن الدين قد يكون تمكن من استعادة مكانتة البارزة لدى الجزائريين، غير أن الجيل الحالي يرفض فكرة الأسلمة، والدليل على ذلك أن الجزائر تُعدّ إحدى أقل الدول التي صدّرت جهاديين إلى داعش، حيث لم يتم تسجيل سوى 150 مقاتلًا جزائريًّا في 2014، مقارنةً بخمسة آلآف مغربي وألفي تونسي، وفقًا لتقديرات مجموعة صوفان.
من جانبه قال الباحث والمتخصص في شئون المغرب العربي "راسموس ألينيوس بوسيروب": "لقد مرت الجزائر في الفترة من 1992 و2002 بعقد أسود من الحرب الأهلية التي كانت شاهدًا على تعاظم قوة الإسلاميين الراديكاليين قبل أن يتم الإطاحة بهم من الساحة السياسية، وأضاف أن "هناك العديد من الخلايا الجهادية الخاملة داخل الجزائر وذلك يرجع لوجود آلاف الأشخاص ممن جرى العفو عنهم بعد ذلك العِقد الأسود وكانوا بانتظار أن يحين وقتهم؛ لكنهم صاروا كبار السن الآن!".

الملجأ الديني

وإذا كان الباحث عبدالرحيم موساوير، الذي عاد إلى وطنه مؤخرًا، يعترف بوجود أسلمة للمجتمع في قلب الجزائر ومدنها، مع العودة إلى القيم الأصولية للقرآن، غير أنه يلاحظ كذلك غياب الحركات الإسلامية عن المظاهرات، وهناك حالة سائدة من القبول بين المسلمين والعلمانيين. أما بالنسبة للكثير من الجزائريين، فالدين يشكّل "ملجأ" في مواجهة الركود الاقتصادي والاجتماعي الذي يصيب البلادـ، أما شباب المدن "فلا يوجد طريق آخر مفتوح، سواء في مجال التعليم أو الثقافة أو إمكانية السفر أو حتى بناء المستقبل".

"أسلمة متسارعة"

كان معهد هدسون الأمريكي المتخصص في أبحاث السياسات العامة والقضايا الدولية والاستراتيجية، قد نشر في عام 2017 تقريرًا حول ما وصفه بـ "أسلمة الجزائر" أشار فيه إلى عودة الإسلاميين إلى نشاط الوعظ بالتعاون مع المنظمات والجمعيات. وخلص التقرير إلى رصد حالة من "الأسلمة المتسارعة" على الرغم من عدم وضوحها في البيئة الاجتماعية أو في الممارسات اليومية، بيد أنها تهيمن على كافة المناقشات". ووفقًا للتقرير أيضًا فإن عودة الإسلاميين الجزائريين إلى نشاط الوعظ تعود إلى "الفشل السياسي للأحزاب الإسلامية نفسها".

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق