The conversation | تحول جديد.. كيف تغيرت أخلاقيات البشر خلال السنوات المائة الماضية؟


١٩ مارس ٢٠١٩ - ٠٤:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



أصبحت قيم مثل الرعاية والتعاطف والسلامة أكثر أهمية بالنسبة لنا عما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي، كما تراجعت أهمية احترام السلطة منذ بداية القرن العشرين، بينما شهدت مسألة تمييز الصواب من الخطأ بناءً على الولاء للوطن والأسرة زيادة مطردة.

أظهر تحليلنا، الذي استخدمنا فيه قاعدة بيانات كتب غوغل ( Google Books Database) والمنشور في مجلة Plos One العلمية، وجود اتجاهات مميزة في أولوياتنا الأخلاقية في الفترة بين 1900 و2007.

إن الطريقة التي ينبغي لنا من خلالها فهم هذه التغييرات في الحسّ الأخلاقي هي مسألة مذهلة، ولا شك أن الأخلاق ليست شيئا صلبًا أو موحّدًا. تطرح نظرية "الأسس الأخلاقية"، على سبيل المثال، خمس قواعد أخلاقية، كل واحدة منها لديها فضائل ورذائل مرتبطة بها.
وهذه القواعد هي كما يلي:
 - الأخلاق المستندة للنقاء، والمتجذرة في أفكار القداسة والورع. عندما تُنتهك معايير النقاء، يكون رد الفعل هو الشعور بالاشمئزاز، ويُنظر إلى هؤلاء المنتهكين بأنهم قذرون ومشوّهون.

- الأخلاق القائمة على السلطة، وهي التي تثمّن قيم الواجب والاحترام والنظام الاجتماعي. وهي تحتقر الذين يُظهرون قلة الاحترام والتمرد.

- الأخلاق القائمة على العدل، والتي تتناقض مع الأخلاق القائمة على السلطة، وهي تميّز بين الصواب والخطأ عبر قيم المساواة والحياد والتسامح، كما أنها تكره الانحياز والإجحاف.

- الأخلاق القائمة على الولاء للمجموعة، والتي تقدِّر الولاء للأسرة والمجتمع والأمة، وهي تحكم على الذين يهددون أو يقوّضون هذه القيم بأنهم غير أخلاقيين.

 -الأخلاق القائمة على مواجهة الضرر، والتي تثمّن قيم الاهتمام والعطف والسلامة، وترى أن الخطيئة تتمثل في المعاناة وسوء المعاملة والوحشية.

يستخدم الناس من مختلف الأعمار والهويات والأجناس والشخصيات والمعتقدات السياسية، هذه الأخلاقيات بدرجات مختلفة؛ فالناس المنتمون لليمين السياسي، على سبيل المثال، من المرجّح أن يدعموا أخلاقيات النقاء والسلطة والولاء للمجموعة. أما المنتمون لليسار فيعتمدون أكثر على أخلاقيات مواجهة الضرر والعدل، في حين تميل النساء لدعم أخلاق مواجهة الضرر أكثر من الرجال.

نحن نستخدم هذه الأسس الأخلاقية الخمسة في تحليلنا، وبعبارة أبسط، فإن ثقافتنا ـ على الأقل كما اتضح من اللغة الأخلاقية في الكتب التي نقرأها ونكتبها ـ تزيد من تركيزها على بعض الأسس الأخلاقية، وتقلل من تركيزها على أسس أخرى.

التغيّر التاريخي في المفاهيم الأخلاقية
يعرف علماء نفس الأخلاق الكثير بشأن كيف يتباين الناس اليوم من حيث تفكيرهم الأخلاقي، لكنهم تجاهلوا لحد كبير كيف تغيّر التفكير الأخلاقي تاريخيًّا. ومع تطوُّر الثقافات والمجتمعات، تتحوّل أيضًا طرق تفكير الناس بشأن الخير والشرّ. إن طبيعة هذا التحوّل هي مسألة خاضعة للتكهنات.

وتشير إحدى الروايات إلى أن تاريخنا الحديث يتميّز بتراجع دور الأخلاق، ووفقًا لهذا الرأي، أصبحت مجتمعاتنا بشكل تدريجي أقل تشددًا وأقل ميلاً لإصدار الأحكام الأخلاقية. لقد بتنا أكثر تقبلاً للآخرين وصرنا عقلانيين وغير متدينين وعلميين في طريقة تناولنا لشؤون الصواب والخطأ.

وعلى النقيض، تشير رواية معاكسة إلى عودة الأخلاق من جديد، ووفقًا لهذا الرأي، فقد صارت ثقافتنا تميل أكثر فأكثر نحو النقد، كما باتت المزيد من الأشياء تثير استياءنا وغضبنا، فضلا عن أن الاستقطاب المتزايد في النقاش السياسي يكشف تجاوزات الطهارة الأخلاقية والاستقامة الذاتية.

لقد أردنا أن نعرف أيًّا من هاتين الروايتين نجحت على أفضل في وجه في تفسير طريقة تغيّر الأخلاق عبر الزمن، وقد استخدمنا ميدانًا صاعدًا للبحث للقيام بذلك، ويُعرف هذا الميدان باسم: " "Culturomics والذي يعني استخدام كميات هائلة من البيانات لرصد التغييرات في القيم والمعتقدات الثقافية للبشر.

إن الأنماط المتغيرة لاستخدام اللغة عبر الزمن ربما تكشف حدوث تغييرات في طريقة فهم الناس لعالمهم ولأنفسهم، كما أن المنصّة الأكثر شيوعًا لاختبار هذه التحولات الثقافية هي قاعدة بيانات كتب غوغل (Google Books Database)، وتُعد قاعدة البيانات المذكورة (والتي تضم 500 مليار كلمة من 5 ملايين كتاب ممسوح ضوئيًّا ومُرقْمَن) مصدرًا غنيًا للمعلومات بشأن صعود وهبوط شعبية الكلمات.

فعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات باستخدام اللغة الإنجليزية، على سبيل المثال، حدوث زيادة في القيم الفردية، وهو الأمر الذي اتضح من انخفاض استخدام الضمير "نحن" وزيادة استخدام الضمير "أنا"، فيما أظهرت الدراسات باستخدام اللغة الصينية انخفاضًا مماثلًا في كلمات مرتبطة بقيم جماعية في العقود الأخيرة.

وحتى الآن، تم إجراء دراسة واحدة للغة الأخلاقية باستخدام الـ Culturomics. وقد درس الباحثون التغييرات في وتيرة استخدام مجموعة من كلمات الفضيلة مثل: "الضمير" و"الأمانة" و"العطف" خلال القرن العشرين. وكما تتنبأ الرواية التي تروّج لفكرة تراجع دور الأخلاق، لوحظ أن معظم هذه الكلمات شهدت تراجعًا كبيرًا في شعبيتها، ما يوحي بأن أفكار الفضيلة الأخلاقية صارت أقل أهمية من الناحية الثقافية.

وقد استكشفنا في دراستنا مزيدًا من التعمّق والتغييرات التي حدثت في أخلاقيات القرن العشرين، فكانت كل واحدة من الأسس الخمسة مُمثلة بمجموعة كبيرة ومُعتمدة من كلمات الفضيلة والرذيلة، كما اختبرنا أيضًا التغييرات في مجموعة من المصطلحات الأخلاقية الأساسية مثل: "جيد" و"أخلاقي" و"مستقيم" "وطيب" و"شرير" و"خاطئ".

وتبعًا لما سبق، استخرجنا التواتر النسبي لكل كلمة في مجموعة لكل عام، وقمنا بمعايرة وحدة القياس، بحيث إن العام الذي بلغ فيه التواتر للذروة يسجل 100 نقطة، ثم قمنا بحساب متوسط الكلمات في المجموعة. وخلصت الدراسة إلى أن المسار الذي تتخذه هذه القيم المتوسطة بمرور الوقت، يعكس تغييرات كبيرة في مكانة وأهمية كل شكل من أشكال الأخلاق.

صعود وهبوط في القيم الاخلاقية
وجدنا أن المصطلحات الأخلاقية الأساسية باتت أكثر ندرة في كتب اللغة الإنجليزية أثناء القرن العشرين، وهو ما يتلاءم مع الرواية التي تروّج لتراجع دور الأخلاق. غير أن هناك ارتدادًا كبيرًا بالقدر ذاته بدأ في الحدوث عام 1980 تقريبًا؛ ما يشير لحدوث تعاظم مذهل لدور الأخلاق.

من ناحية أخرى، شهد مسار الأسس الأخلاقية الخمسة تغييرات هائلة؛ إذ شهد أساس الأخلاق القائمة على النقاء المستوى ذاته من الهبوط والارتداد تمامًا مثل المصطلحات الأخلاقية الأساسية، وقد شهدت أفكار مثل القداسة والورع والنقاء والخطيئة والتدنيس والبذاءة تراجعًا حتى عام 1980، ثم ارتفعت بعدها.

وتُظهر الأخلاقيات الأخرى مسارات مختلفة للغاية، ولعل من المدهش أن الأخلاق القائمة على العدل والمساواة لم تشهد ارتفاعًا أو هبوطًا ثابتًا.

على النقيض من ذلك، شهدت الأخلاق القائمة على السلطة والتراتبية تراجعًا معتدلاً في النصف الأول من القرن العشرين، ثم تصاعدت بحدة في ضوء أزمة السلطة التي عصفت بالعالم الغربي في نهاية الستينيات، وتراجعت الأخلاق القائمة على الطاعة والامتثال والعصيان والتمرد تراجعًا حادًا بالقدر ذاته أثناء عقد السبعينيات.

وقد سلكت الأخلاق القائمة على الانتماء للجماعة - كما يظهر في اللغة المجتمعية الخاصة بالولاء والوحدة وفي المنتمين للجماعة وغير المنتمين لها - اتجاهًا تصاعديًّا واضحًا للغاية خلال القرن العشرين، وتشير الصدمات القوية التي تعرّض لها العالم أثناء الحربين العالميتين لحدوث ارتفاعات عابرة في أخلاق "نحن وهم" لدى المجتمعات المعرّضة للخطر.

أخيرًا، شهدت الأخلاق القائمة على مواجهة الضرر اتجاهًا معقدًا ومثيرًا، حيث تراجعت أهميتها في الفترة بين عام 1900 وعقد السبعينيات، لكن هذا التراجع توقف مؤقتًا بفضل صدمات الحروب بعد أن أصبحت مواضيع المعاناة والخراب بشكل مفهوم أمرًا ملحًّا، بيد أن أخلاق مواجهة الضرر تصاعدت بشكل كبير في عام 1980 تقريبًا في ضوء غياب صراع عالمي مهيمن آنذاك.

ماذا يمكننا أن نقول بشأن ذلك؟  
يمكننا القول إن العقود التي أعقبت عام 1980 هي فترة شهدت فيها الشواغل الأخلاقية حالة إحياء، ولعل السبب وراء حالة الإحياء تلك هو أمر مفتوح للتكهنات؛ فربما يرى البعض أن انتخابات حكومات محافظة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا في بداية هذه الفترة بأنه تغيّر محوري.

ربما هذا يفسّر تصاعد الأخلاق القائمة على النقاء التي يتبناها عادة المحافظون، لكنه لا يفسّر التصاعد الأكبر في الأخلاق القائمة على مواجهة الضرر التي عادة ما يتبناها الليبراليون.

وقد يشير آخرون إلى تصاعد شواغل العدالة الاجتماعية - أو"الصوابية السياسية" للمنتقدين - باعتبارها السبب الرئيسي لتصاعد الأخلاق القائمة على مواجهة الضرر، ولا ريب أن تصاعد لغة مواجهة الضرر في فترة الحرب في بداية ومنتصف القرن العشرين، ربما تشير إلى أن تصاعد هذه اللغة في أواخر القرن العشرين كان مرتبطًا بما يسمى بـ "الحروب الثقافية"، ومن المؤكد أن هذا التصاعد المتزامن في أخلاق (النقاء) المحافظة، وفي أخلاق (مواجهة الضرر) الليبرالية - اليسارية منذ ذلك الوقت هو بمثابة وصفة لنشوب صراع أخلاقي واستقطاب.

إن بحثنا هذا له حدوده، حيث إن الكتب ما هي إلا نافذة على بعض أوجه الثقافة، في حين تهيمن المجلدات الأمريكية، وبدرجة أقل البريطانية، على الكتب المؤلفة باللغة الإنجليزية، ولا يمكننا عزل الأنماط التي تخص الأمم الأخرى المتحدثة باللغة الإنجليزية، كما أنه لا تتيح "قاعدة بيانات كتب غوغل" لنا دراسة التغييرات في الأخلاق على مدار العقد الماضي.

ورغم كل ما سبق، يشير هذا البحث إلى بعض التحولات الثقافية المهمة، فطريقة تفكيرنا بشأن الصواب والخطأ باتت اليوم تختلف عن الطريقة التي اعتدنا عليها في الماضي، ولو صحّت هذه الاتجاهات؛ ستختلف عن الطريقة التي سنتبعها في المستقبل.  




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق