مودرن دبلوماسي | نظام عالمي جديد.. ما هي خطورة تآكل فكرة الدولة الوطنية؟


٢١ مارس ٢٠١٩ - ٠٤:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



يعكس هجوم هذا الأسبوع الذي استهدف مسجدين في نيوزيلندا تحولاً فكريًّا: تآكل القيم الليبرالية وتصاعد النعرة الحضارية على حساب الدولة الوطنية.

الأمر ذاته ينطبق على ظواهر أوسع نطاقًا مثل الانتشار الواسع للإسلاموفوبيا والذي يتجسّد بأكثر أشكاله تطرفًا في القمع المُمارس ضد المسلمين التركستان في إقليم "شينغ جيانغ" الصيني، بالإضافة إلى ظاهرة معاداة السامية. إن هذه الظواهر يغذيها تصاعد التعصب والعنصرية بمساعدة من اليمين المتطرف وقادة عالميين، فضلاً عن المتشددين والجهاديين.

يصيغ هؤلاء القادة العالميون والمفكرون الأيديولوجيون في اليمين المتطرف سياساتهم وآراءهم على أساس فكرة الدفاع عن الحضارة بدلاً من الدفاع حصريًا عن الدولة الوطنية المكوّنة من حدود ومواطنين.

نتيجة لذلك، يخلق أشخاص، مثل الرئيس الصيني "شي جين بينغ" ورئيس وزراء الهند "نريندرا مودي" ورئيس وزراء المجر "فيكتور أوربان" والرئيس الأمريكي "ترامب"، فضلاً عن المفكر الأيديولوجي "ستيف بانون" كبير مستشاري ترامب السابق، يخلقون بيئة تُشرعِن العنف ضد الآخر. وعبر مساعدتهم للممارسات المُنتهكة لحقوق الإنسان والأقليات واللاجئين، يسهّل هؤلاء الأشخاص من تآكل قواعد النقاش، وانتشار خطاب الكراهية. إن استخدام لغة فجّة وقاسية من جانب زعماء وسياسيين وبعض وسائل الإعلام، يساعد في خلق بيئة تضيع فيها مفاهيم مثل التحضر والاحترام المتبادل.

بالتالي، فإن أشخاصًا مثل "برينتون تارنت"، منفذ هجوم مسجد "كرايستشيرش" الذي أسفر عن مقتل 49 شخصًا، و"أندريز بريفيك"، المسلح النرويجي اليميني المتطرف الذي قتل عام 2011 نحو 78 شخصًا في هجمات ضد مبانٍ حكومية ومعسكر صيفي شبابي، ليسوا مجرد نتاج للتحيّز.

إن التحيّز، الذي يكون غالبا خفيًّا، هو حقيقة من حقائق الحياة، وهو متجذر في أي ثقافة وفي التعليم بالمدارس، وفي المنازل بغض النظر عن البيئة المجتمعية والسياسية والدينية والليبرالية والمحافظة.

إن الرجال من أمثال "تارنت" و"بريفيك" يظهرون عندما يُستخدم التحيّز كسلاح من طرف بيئة سياسية أو اجتماعية تُشرعنه. هم يزدادون جرأة عند انصهار التحيّز مع الخوف المصطنع سياسيًّا أو دينيًّا، وتراجع مبادئ النسبية وتزايد قيمة الأحكام المطلقة، واضمحلال التعددية.
ويغذي عالم هؤلاء الأشخاص التخلّي عن الفكرة التقدميّة التي تفيد بأن عالمنا يسكنه طيف واسع من المعتقدات والآراء والنظم العقائدية المتساوية من حيث صلاحيتها.

إن تصاعد النعرة الحضارية (civilisationalism) يسمح لرجال مثل "تارنت" و"بريفيك" والعنصريين البيض، بتبرير أفعالهم العنيفة استنادًا لأسس حضارية. هم يعتقدون أن حضارتهم تتعرض لهجوم نتيجة للتعددية والتنوع والهجرة. الشيء ذاته ينطبق على الجهاديين الذين يهدفون لتأسيس حكم إسلامي بطريقة وحشية، ليس على حساب غير المسلمين فقط، ولكن أيضًا على حساب المسلمين الذين يعتبرون أنهم لا يختلفون كثيرًا عن الكفار.

إن النعرة الحضارية توفّر التبرير لرجال مثل رئيس وزراء المجر "فيكتور أوربان" لتبنّي سياسات متطرفة معادية للهجرة، وشنّ هجمات كلامية ممزوجة بمعاداة السامية ضد شخصيات ليبرالية مثل رجال الأعمال والناشط في مجال العمل الخيري "جورج سورس".

كما تحرّك هذه النعرة الحضارية قمع الصين للمسلمين التركستان في إقليم "شينغ جيانغ" الواقع شمال غرب الصين، بهدف فرض الثقافة الصينية على الإسلام، ما يمثل أشرس هجوم على العقيدة الإسلامية في التاريخ الحديث.

بالمثل، تعزز النعرة الحضارية من أفكار السيد "مودي" رئيس وزراء الهند عن بلاده بوصفها دولة حضارية هندوسية، وتعزز أيضًا من سياسات السيد ترامب المعادية للمسلمين والمهاجرين، وتذبذبه بين إضفاء شرعية على العنصرية والعنصرية البيضاء، وبين إدانة النزعة الإقصائية لليمين المتطرف.

وتمثل النعرة الحضارية تهديدًا، ليس فقط على العالم الذي نعيش فيه اليوم، ولكن أيضًا على نتيجة الصراع الجيوسياسي الذي سيحدد شكل النظام العالمي الجديد. إن هذا التهديد يتجاوز المعركة على مناطق النفوذ أو المنافسة بين الأنظمة السياسية.  

إن النعرة الحضارية هي بمثابة الغراء الذي يربط بين الرجال ذوي الفكر المشابه من أمثال السيد "شي" و"أوربان" و"مودي" و"ترامب" الذين يتفقون فيما بينهم بشأن نوع القيم التي ينبغي أن تكون أساسًا للنظام العالمي الجديد. ويصيغ هؤلاء أيضًا سياساتهم، ليس فقط على أساس الحضارة المنتمين إليها، ولكن أيضًا على أساس الدفاع عن المصلحة والأمن الوطنيين.

إن تبنّي هؤلاء الرجال للنعرة الحضارية يستفيد من حقيقة أن الاستبداد في القرن الحادي والعشرين يقتات ليس فقط على قمع المعارضين وتقييد حرية التعبير، لكن أيضًا على الحفاظ على بعض المزايا التي تقدمها التعددية.

هذه المزايا قد تتمثل في كيانات تمثيلية معدومة السلطات أو تملك سلطات محدودة للغاية، ومعارضة ضعيفة، ومنظمات غير حكومية مُسيطر عليها من الدولة، ودرجة معينة من المحاسبة. إن تصاعد النعرة الحضارية يتعزز أكثر بفضل الفشل في إدراك أن أزمة الديمقراطية وعودة الاستبداد لم يظهرا مؤخرًا، لكن تاريخهما يعود إلى النصف الأول من عقد التسعينيات.

وقد خلص العالمان السياسيين "آنا لورمان" و"شتافان ليندبرغ" في دراسة منشورة مؤخرًا، إلى أن هناك نحو 75 دولة تبنّت بعض عناصر الاستبداد منذ منتصف التسعينيات، وقد تبنّت بعض هذه الدول جوانب النعرة الحضارية، غير أن هذين العالمين قدّما تحليلاً متفائلاً، حيث يقولان: "بالرغم من أن هذا الأمر يبعث على القلق، إلا أن المنظور التاريخي يبيّن أنه ما من داعٍ للفزع: فالتراجعات الراهنة في مستوى الديمقراطية معتدلة نسبيًا، كما أن نسبة الدول الديمقراطية حول العالم تظل قريبة من أعلى مستوى لها على الأطلاق".
إن هجوم "كرايستشرش" هذا الأسبوع كان بمثابة جرس إنذار حول مخاطر النعرة الحضارية.

كذلك الأمر بالنسبة لعمليات القتل التي ارتكبها "بريفيك"، وهجمات الجهاديين واكتساب الصراع السياسي في سوريا بُعدًا طائفيًا، وتزايد هشاشة أوضاع الأقليات، سواء كانت مسلمة أو مسيحية أو يهودية، وتصاعد القومية البوذية، وغياب النزعة الإنسانية، والتعاطف تجاه اللاجئين الهاربين من الحرب والاضطهاد.  ولا شك أن نواقيس الإنذار هذه، بالإضافة إلى التفاهم الضمني القائم على النعرة الحضارية بين بعض من أقوى رجال العالم، تتجاهل دروس الإبادة الجماعية التي حدثت في العقود الأخيرة. إن تجاهل دروس ألمانيا النازية، وجرائم قبائل الهوتو في رواندا، والحصار الصربي لمدينة "سربرنيتشا"، أو جرائم داعش بحق اليزيديين، تمثّل الخطر الأكبر على العالم القائم على مبادئ الإنسانية والتعاطف والتسامح مع الآخر وحقوق الإنسان والأقليات.

يضع "جيدعون رامان"، الكاتب بصحيفة "فاينانشال تايمز"، إطارًا لهذا التحدي، لافتًا إلى أن "أسلاف ترامب أعلنوا بثقة أن القيم الأمريكية ’عالمية ‘ ومُقدّر لها الانتصار حول العالم، وأن القوة العالمية للأفكار الغربية هي التي جعلت فكرة الدولة الوطنية بمثابة عُرف دولي، وقد يؤدي صعود قوى آسيوية مثل الصين والهند لخلق نماذج جديدة مثل ظهور الدولة الحضارية".

ويجادل السيد "رامان" بأن الدول الحضارية ترفض حقوق الإنسان وتدعم النزعة الإقصائية والمؤسسات القائمة على الثقافة الفريدة بدلاً من مبادئ المساواة والنزعة العالمية، ولا تثق في الأقليات والمهاجرين لأنهم ليسوا جزءًا من ثقافتها الأساسية.

باختصار، تعدّ هذه الأفكار أرضًا خصبة للنزاع والصراع، ما سيدفع هذه الدول المستبدة لزيادة قمعها ومحاولاتها لإعادة تثقيف الطرف الآخر وطمس هويته، وهذا سيكون في نهاية المطاف وصفة لعدم الاستقرار ولن يحقق تقدمًا منصفًا.  




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق