فورين بوليسي | تخلى عن الرئاسة لا عن السُلطة.. كيف يمكن فهم تنحي رئيس كازاخستان؟


٢١ مارس ٢٠١٩ - ٠٥:٠٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



استقال "نور سلطان نزارباييف" الرئيس الأول والأوحد لكازاخستان، يوم الثلاثاء الماضي لينهي فترة حكمه التي استمرت نحو 30 عامًا، ويمهّد الطريق لعملية خلافة مبهمة في الدولة الغنية بالنفط الواقعة في قلب آسيا الوسطى، والتي يبلغ عدد سكانها 18 مليون نسمة.

في خطاب مطول ألقاه "نزارباييف" مسجَّلاً عبر التلفاز إلى مواطنيه، والذي انعكس على مدة حكمه الطويلة، قال الرئيس البالغ من العمر 78 عامًا: إن قرار التنحي "لم يكن بسيطًا".

وقال نزارباييف في خطابه: "لقد وضعنا كازاخستان على الخريطة، حيث لم يكن هناك مثل هذا البلد"، وتابع: "أرى أن مهمتي المستقبلية هي دعم وصول جيل جديد من القادة إلى السلطة سيواصلون التحولات الجارية في البلاد". وكما ألمح خطابه، فإن رحيل نزارباييف من منصبه لن يعني تخليه عن زمام السلطة.

وقال الزعيم المسن، الذي قاد كازاخستان منذ عام 1989، عندما كانت لا تزال جزءًا من الاتحاد السوفيتي: إن "قاسم-جومارت توكاييف"، رئيس مجلس الشيوخ والحليف السياسي الموثوق به لنزارباييف، سيتولى منصب القائم بأعمال الرئيس حتى الانتخابات الجديدة التي ستُعقد في عام 2020. فكر نزارباييف، الذي يحمل لقب "زعيم الأمة" والذي رسَّم نفسه الأب المؤسّس للبلاد، في إنجازاته التي حققها في سني حكمه، ولا سيما الخروج من الفوضى الاقتصادية والجيوسياسية إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، وتكريس كازاخستان كعضو في المجتمع الدولي.

وقال "رومان فاسيلينكو" نائب وزير الخارجية الكازاخستاني في تصريحات لـ "فورين بوليسي": "أعتقد أن الرسالة الرئيسية لمن هم في الخارج هي أن كازاخستان لا تزال تعمل كالمعتاد وفق أولويات سياستها الخارجية، وأولويات السياسة الداخلية".

وبينما يترك "نزارباييف" وراءه إرثًا كرجل دولة بارع وَازَن العلاقات مع القوى العظمى، مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة، وشهد عهده ارتفاعًا في مستوى معيشة المواطن، تأتي استقالته على خلفية الركود الاقتصادي وتزايد الاستياء الداخلي من حكومته الاستبدادية.

وأصبحت احتجاجات فبراير بسبب وفاة العديد من الأطفال في حريق في شقة أثناء عمل ذويهم نوبات ليلية، بمثابة أداة مانعة للتعبير عن المظالم العامة الغامضة بشأن الفساد المستشري، وتعطيل الفرص الاقتصادية في البلاد، كما أدى الضغط المتزايد إلى أن يوبخ "نزارباييف" حكومته علانية، قبل إعلان حلها في أواخر فبراير، في خطوة تهدف إلى تهدئة الاستياء الشعبي المتزايد تجاه الحكومة.

وفي إعلانه عن استقالته، يبدو أن "نزارباييف" يخرج مجددًا أمام الغضب الشعبي حول مستقبل كازاخستان المحلي المظلم.
ومن جانبه، قال "لوكا أنشيشي"، الخبير في شئون آسيا الوسطى بجامعة جلاسكو: "لقد انتهت اليوم حقبة حكمه في كازاخستان.. كان من الواضح أن كازاخستان دخلت زمنًا لا رجعة فيه من الركود السياسي، لقد تم تأجيل كل قرار مهم حتى نهاية سنوات حكم نزارباييف".

إن "نزارباييف"، عبر خروجه من منصبه عن طيب خاطر، يستطيع أن يلعب دورًا مركزيًا في إدارة عملية تحديد خليفته من وراء الكواليس، لا سيما بالنظر إلى مجموعة الصلاحيات التي سيواصل قيادته. وهذا يعني أنه لا يزال بإمكان نزارباييف أن يلعب دورًا كبيرًا في توجيه مستقبل كازاخستان، خاصة في الشئون الخارجية، حيث يحافظ على علاقات عمل استراتيجية مع قادة الدول القوية المجاورة، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج، كما تربط "نزارباييف" علاقات جيدة مع واشنطن، وقد دعاه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" إلى البيت الأبيض في يناير 2018.

وقال أنشيشي: "لا أعتقد أن النظام يمكن أن يعيد اختراع نفسه". وتمر كازاخستان بفترة حتمية من تدهور الاستبداد، وسيكون تركيز النخبة على تعزيز السلطة، وليس تحرير البلد أو إصلاحه".

نزارباييف، وهو ابن راعٍ، شق طريقه عبر الحزب الشيوعي وأصبح نجمًا ناشئًا في السياسة في الثمانينيات، عندما كانت البلاد، التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي، يحكمها حكم ديموقراطي. وكزعيم لكازاخستان المستقلة حديثًا في عام 1991، نجح في اجتياز سلسلة من الأزمات التي هددت دولته الوليدة بنجاح. كانت الدولة الجديدة تاسع أكبر دولة في العالم في احتياطيات النفط، ولكنها ورثت أيضًا مخزونًا كبيرًا من الأسلحة النووية من الاتحاد السوفيتي. وساعد نزارباييف في ترسيخ استقلال كازاخستان عبر نقل مخزون الأسلحة النووية إلى روسيا، بدعم من الولايات المتحدة، وبعد ذلك تفاوض على سلسلة من صفقات حيوية للطاقة مع شيفرون وموبيل، وغيرها من الشركات التي ساعدت في بناء خطوط الأنابيب إلى الغرب.

وقال "وليام كورتني"، الذي عمل في الفترة من 1992 إلى 1995 كأول سفير للولايات المتحدة في كازاخستان: "بالعودة إلى الماضي، كان من الواضح أنه أمهر القادة الذين تولوا السلطة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.. لقد اكتسب مزيدًا من الشرعية بنزع السلاح النووي وكانت طريقة ذكية لجعل الدول الأخرى تحترم استقلال كازاخستان".

وسيكون الإبحار في المشهد الدولي العصيب أولوية قصوى للرئيس الجديد، والذي سيحتاج إلى الاعتماد على "نزارباييف" في دوره الجديد للتعامل مع دول الجوار. وقال كورتني: "لا يوجد رقم 2 واضح في الصف التالي، لذا فإن من سيتم اختياره سيحتاج إلى خبرة في الشئون الدولية.. ويجب أن يكون الشخص الذي يتمتع بالمكانة والمهارة للجلوس مع بوتين وشي".

وقد وضعت أستانا نفسها أيضًا كجزء لا يتجزأ من مبادرة الحزام والطريق التي تحمل توقيع "شي". فيما تحافظ على علاقات قوية مع كل من موسكو وبكين رغم السياسات الخارجية الانتقامية والقومية التي ينتهجها كلا البلدين في السنوات الأخيرة. ويقول محللون: إن البلدين سيراقبان عن كثب لضمان استمرار التزام كازاخستان بهذه العلاقات.

وقال "بول سترونسكي"، المدير السابق لشئون روسيا وآسيا الوسطى بمجلس الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس باراك أوباما: "لقد أظهرت روسيا للعالم أنها ستكون عدوانية عندما تكون تحتاج إلى ذلك، خاصة فيما يتعلق بدول الاتحاد السوفيتي السابق.. لا تتمتع كازاخستان بالحماية من أي شخص، وستكون عواقب التهرب من روسيا أقل مما ستواجهه في أي مكان آخر".

ورغم التعاون الوثيق مع موسكو، فقد أظهر نزارباييف خطًا مستقلًا في بعض الأحيان في مواجهة الضغوط الروسية، فقد امتنعت أستانا عن الاعتراف بشبه جزيرة القرم كجزء من روسيا أثناء التصويت في الأمم المتحدة، وقاومت محاولات موسكو لتوسيع الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي وتكوين كتلة سياسية. ومضت كازاخستان أيضًا في علاقاتها مع بكين بكل حذر، وذلك إثر المشاعر المعادية لبكين المنتشرة في البلاد بسبب عشرات الآلاف من الكازاخستانيين العالقين في معسكر الاعتقال الكبير في مقاطعة شينجيانج الصينية. كما سعى المسئولون الكازاخ إلى إطلاق سراح بعض المحتجزين، بينما يستهدفون ويقبضون على الناشطين البارزين الذين وثقوا نطاق الانتهاكات في معسكر الاعتقال الصيني.

وبينما يأتي انتقال السلطة الأول في كازاخستان مصحوبًا بأسئلة رئيسية للفاعلين الدوليين، فقد ابتعد المسئولون الكازاخ عن الإشارة إلى أنه على الرغم من الاستقالة، فإن أستانا ليس لديها خطط لتغييرات جذرية في السياسة، وأن نزارباييف سيلعب دورًا رئيسيًّا في المستقبل. وكانت أول مكالمة هاتفية رسمية أجراها "نزارباييف" بعد إعلانه يوم الثلاثاء مع بوتين، ومن المتوقع أن يتولى توكاييف، الذي سيتولى منصب الرئيس بالنيابة، الاهتمام بالسياسة الخارجية لكازاخستان عندما يؤدي اليمين الدستورية يوم الأربعاء.

وقال سترونسكي، الذي يعمل حاليًا كخبير في شئون آسيا الوسطى بمؤسسة كارنيجي للسلام: "لدى نزارباييف مصداقية ومكانة مع دول الجوار القاسية.. المشكلة هي ما سيحدث عندما يرحل".



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق