lobelog | لماذا أعلن ترامب نيته الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المُحتل؟


٢٤ مارس ٢٠١٩ - ٠٥:٠٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



ربما لن تتوقع أن يصبح "تويتر" منفذ التصريحات السياسية الرشيدة, لكن دونالد ترامب لا يخيّب الظن. إنه يستخدم منصة التواصل الاجتماعي كبديل لمواجهة الإعلام في المؤتمرات الصحفية, متجنبًا الأسئلة حول قراراته المتهورة وغير المدروسة جيدًا في أكثر الأحيان.

حدث ذلك يوم الخميس, عندما استخدم ترامب "تويتر" للإعلان عن نيته للاعتراف بسيادة إسرائيل على الجزء الغربي من هضبة الجولان, الأراضي التي استولت عليها إسرائيل من سوريا في حرب 1967. لا يتضح من كلمات ترامب ما إذا كان يعترف فعلًا بسيادة إسرائيل أم أنه يعلن فقط عن نيته لفعل ذلك.

في كلتا الحالتين, قراره طائش، إنه غير ضروري للأسباب الأمنية أو الجيواستراتيجية، وهو يقلب مبدأ أساسيًا في القانون الدولي رأسًا على عقب فقط للمساعدة في إعادة انتخاب صديقه, رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

تاريخ احتلال الجولان 
على الرغم من أن المستوطنات الصهيونية المتفرقة كانت موجودة هناك في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين, إلا أن هضبة الجولان لم تكن مزدحمة مطلقًا بالمهاجرين اليهود وأصبحت المنطقة بكاملها جزءًا من الانتداب الفرنسي على سوريا. بعد إقامة دولة إسرائيل في أعقاب حرب 1948, اتفقت الدولتان على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في جزء من الجولان. كانت المنطقة منزوعة السلاح موقعًا لاشتباكات متكررة منخفضة المستوى بين القوات الإسرائيلية والسورية, حيث حاول كل طرف المطالبة بأجزاء من الأراضي عن طريق زراعة أجزاء منها أو عن طريق تحويل مواردها المائية.

حاول الطرفان أيضًا استفزاز الآخر بصورة متكررة, حيث كانت إسرائيل تقود مركبات باتجاه الشرق أو تبدأ في بناء مستوطنات جديدة في المنطقة منزوعة السلاح, مع علمها أن سوريا سترد عبر إطلاق النار, وهو ما ستواجهه إسرائيل بالقوة العسكرية. في مناسبات أخرى – والتي ستصبح متكررة أكثر في الشهور التي سبقت حرب 1967 – ستستفيد سوريا من موقعها المرتفع في الجولان لكي تقصف المدن الواقعة شمال إسرائيل بالمدفعية. وبحلول 1967, باتت المناوشات الجوية أكثر تواترًا.

استولت إسرائيل على هضبة الجولان في حرب 1967, وهرب معظم السكان السوريين أو تعرضوا للطرد، فيما بقى 7 آلاف سوري من الدروز, من أصل 100 ألف سوري كانوا موجودين. لقد جرى محو قصة لاجئي الجولان من التاريخ بشكل كبير, جزئيًا بسبب الجهود الإسرائيلية، وكذلك لأن اللاجئين جرى إعادة توطينهم في سوريا. نتيجة لذلك, لم يكن لاحتلال هضبة الجولان نفس الأصداء العالمية مثل احتلال الأراضي الفلسطينية، لكنه لا يزال احتلالًا.

بعد أيام من الحرب, صوّت مجلس الوزراء الإسرائيلي على مبادلة الأراضي التي استولوا عليها من أجل إقامة معاهدة سلام مع سوريا, وهو عرض ألغته في 1968 بعد قرار الجامعة العربية في الخرطوم, الذي أعلن: "لا سلام مع إسرائيل, لا اعتراف بإسرائيل, ولا مفاوضات مع إسرائيل." مع هذا, ظهرت فكرة مبادلة الجولان من أجل السلام عدة مرات في التسعينيات والألفينات, على الرغم من أن هذه الصفقة أصبحت مُعقدة سياسيًا بصورة متزايدة لكل من إسرائيل وسوريا.

في 1981, مدت إسرائيل قوانينها على كامل المنطقة التي استولت عليها من سوريا في 1967, وهو ما وصل إلى ضم فعلي، ومنذ ذلك الوقت عرضت إسرائيل الجنسية على السكان السوريين في المنطقة. القليلون فقط قبلوا العرض في البداية, لكن في السنوات الأخيرة, قبل الكثيرون هذا العرض, على الرغم من أنهم لا يزالون يمثلون أقلية مميزة،  حوالي 20% من الدروز في الجولان.

لم تعترف دولة أخرى بالسيادة الإسرائيلية على الجولان, ويشمل ذلك الولايات المتحدة. لفترة طويلة, كان الأمل هو أن الاتفاق بين إسرائيل وسوريا قد يتحقق من فكرة الأرض مقابل السلام. لكن في كل مرة تظهر الفكرة, كانت المعارضة تشتد في إسرائيل. خلال السنوات الأولى من هذا القرن, بيد أن نصف السيارات والمنازل في إسرائيل عليها ملصقات تقول, بالعبرية: "الشعب مع الجولان". وفي سوريا والدول المجاورة, لم تحظ الفكرة المقترحة بشعبية أكثر من معاهدات السلام مع إسرائيل التي تفاوضت عليها الأردن ومصر, وخشي الفلسطينيون من أن عدوًّا إقليميًّا آخر لإسرائيل سيعقد معها سلام ويترك الاحتلال كما هو.

عندما اندلعت الثورة والحرب الأهلية اللاحقة في سوريا, أصبحت الجولان نقطة شهيرة معادية للسلام ليس فقط بالنسبة إلى نتنياهو ومعارضي الدولة الفلسطينية الآخرين, بل للإسرائيليين الوسطيين أيضًا. لقد قالوا: تخيلوا كيف سيكون الأمر إذا كنا قد أعدنا الجولان.

 كانت الحُجة محل تساؤل وتخدم المصلحة الذاتية. من الواضح أن إسرائيل لم تحتفظ بسيطرتها على الجولان لأنها تنبأت بتغيير مفاجئ في نطاق الحرب الأهلية السورية. علاوة على هذا, أصبحت إسرائيل متورطة في تلك الحرب, بصورة سرية, لذلك من الواضح أنها لم تكن حذرة بهذا القدر. لقد ردت بطريقة غير مناسبة حتى على الآثار العرضية للأعمال العدائية، فيما فقدت أراضي هضبة الجولان المرتفعة معظم أهميتها العسكرية منذ ذلك الحين في وجه التميز الإسرائيلي الهائل في مجال الأقمار الصناعية والقوة الجوية. ليس من المؤكد أن الموقف كان سيصبح أسوأ لإسرائيل إذا لم تكن تسيطر على الجزء الغربي من الجولان.

لكن الكارثة السورية كان لها أثر عميق على الدبلوماسية. لقد تبخر كل الضغط على إسرائيل لكي تجد طريقة لإعادة الجولان وتسوية نزاعها مع سوريا. لم يكن سيضغط أحد من أجل المفاوضات على الأراضي في الوقت الذي أصبحت فيه شرعية الرئيس بشار الأسد موضع شك.

حتى اليوم, مع انتهاء الحرب, يجب أن تعيد سوريا بنيتها التحتية الحكومية والمادية. إن تواجد إيران المتواصل في سوريا، بالإضافة إلى وحشية الأسد، تجعل من غير المرجح أن تضغط الدول العربية, ناهيك عن الولايات المتحدة أو حتى أوروبا, على إسرائيل لكي تدخل محادثات حول الجولان في المستقبل القريب.

ولا شك أن الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان لا يغير شيئًا على أرض الواقع في المدى القريب، وتمتلك إسرائيل بالفعل السيطرة الكاملة على الإقليم.

لماذا اتخذ ترامب هذه الخطوة الآن؟
بالنسبة إلى ترامب, الأمر لا يتعلق بالمخاوف الأمنية لإسرائيل. إنه يتعلق بمساعدة صديقه وناصحه, نتنياهو, على الفوز بالانتخابات يوم 9 أبريل. من المستبعد أنه يفكر في أي شيء أبعد من ذلك. لكنه رهان عادل أن الآخرين في القدس وواشنطن يرون بعض المنافع في هذا القرار.

يستخدم نتنياهو بالفعل دعم ترامب لتعزيز حملته, ويأمل في استخدامه لدرء التهم الجنائية الخاصة بالرشوة والاحتيال وانتهاك ثقة الشعب. يُعد قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس إنجازًا مهمًا لنتنياهو, وقد ساعده في الاحتفاظ بنفس مستوى الدعم الشعبي الذي حظي به قبل أن يعلن المدعي العام الإسرائيلي عن عزمه باتهام رئيس الوزراء. وإضافة للاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان – الذي من المرجح أن تقلده دول في أمريكا اللاتينية مثلما حدث مع قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل – سيعزّز حُجته أكثر.

لا بُد أن مساعدي ترامب, مثل جون بولتون ومايك بومبيو, مسرورون. لقد استخدم الرئيس لتوه أقوى منصب في العالم لكي يقوّض بشكل مباشر عدم قبول الحصول على الأرض باستخدام القوة, وهي ركيزة أساسية للنظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما أن السابقة التي قد يخلقها مرعبة بحق؛ إنها تعني أن القوى المهيمنة الإقليمية والعالمية لديها حُجة لإعادة رسم الخرائط مرة أخرى.

الآن, من المرجح أن تعارض روسيا قرار ترامب, حيث سيعزز موقف إسرائيل مع سوريا بمجرد أن تقف الدولة على قدمها مرة أخرى. لكن على المدى الأبعد, سيستغل فلاديمير بوتين هذا الموقف بالتأكيد كتبرير إضافي لضم القرم، وسوف يجادل بأن روسيا لها حق قديم في القرم وضمها لم يشمل نقل جماعي للسكان، على عكس الحال مع إسرائيل وهضبة الجولان.

ولسوف يرد المجتمع الدولي, وحتى العالم العربي, بغضب أقل بكثير عما فعله عندما اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل. غير أن النتائج على المدى الطويل لأي نوع من النظام الدولي المنظم خلف "القوة تصنع الحق" أعمق بكثير.  

يدمر قرار ترامب أساس التفاوض على أي سلام مستقبلي بين إسرائيل وسوريا. إنه يمهد الطريق للعودة إلى عالم بلا سلامة أراضي للدول الأصغر والأضعف؛ وتلك مأساة! فإن فعل كل هذا فقط لكي يُعاد انتخاب نتنياهو سيجعل إعلان ترامب غبيًّا بصورة هزلية؛ لكن من الخطر جدًا أن نضحك عليه.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق