الصحافة الفرنسية| إجحافات تتجاهلها السترات الصفراء.. وتعديل قانون العلمانية يثير قلق اتجاهين متناقضين


٢٥ مارس ٢٠١٩ - ٠٧:٠٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما

هجوم نيوزيلندا.. ردود أفعال مسلمي فرنسا

استعرضت صحيفة "لاكروا" المتخصصة في الأديان ردود أفعال مسلمي فرنسا بعد حادث إطلاق النار الذي أودى بحياة نحو 50 شخصًا في مسجدين بنيوزيلندا، حيث أعرب مسلمو فرنسا عن سخطهم، فيما أعلنت السلطات الفرنسية تعزيز المراقبة على دور العبادة.

وأثار الهجوم سخط وقلق "أحمد أوجراس"، رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، والذي قال: "تثبت هذه المأساة الدنيئة ثانيةً أن الإسلاموفوبيا شر يجب محاربته بلا هوادة (...) ولا توجد عنصرية أخف حدّة من عنصرية أخرى. فالأعمال المعادية للمسلمين ليست أكثر تسامحًا من الأشكال الأخرى من العنصرية"، مشيرًا إلى "العبارات الإعلامية التي تلفّظ بها دعاة الكراهية على شاشات التلفاز".

من جانبه، قال رئيس المسجد الكبير في ستراسبورج: "نشعر بالأسف تجاه المناخ الذي يشهد خطابًا يمتلئ بالكراهية تجاه المسلمين في الآونة الأخيرة، والخطاب الإسلاموفوبي الذي ألقاه بعض المثقفين والسياسيين يحرّض على الإقدام على شن الهجمات"، داعيًا المسلمين إلى عدم "الاستسلام للاستفزازات".

كما دعا المسجد الكبير في باريس، الذي شجب هذا "الهجوم الإجرامي المروّع"، في بيان له "جميع المسلمين، أينما كانوا، إلى توخي الحذر عند أداء الفرائض الدينية". وقال إمام المسجد في البيان: إن "المسلمين الفرنسيين مصدومون من هذا العنف القاتل الذي شهده الجانب الآخر من العالم، داعيًا الله أن يديم السلام في فرنسا".

في حين علّق "عبد الله زكري"، رئيس المرصد الوطني لمكافحة الإسلاموفوبيا والمفوض لدى مجلس الديانة الإسلامية، قائلًا: "بارتكابه مثل هذا الهجوم المخطط والمتعمد فإن هذا النوع من الإرهابيين لا يحترم الأرواح البشرية ولا الأماكن المقدسة. هذه الجريمة الجديدة من نوعها والتي استهدفت المسلمين الذاهبين لأداء صلاه الجمعة تسبب لنا الإزعاج".

إجحافات تتجاهلها "السترات الصفراء"

وفي جريدة "ليكسبريس" أعرب أستاذ اللغويات "آلآن بنتوليلا"، كاتب العديد من المقالات الناجحة، عن قلقه من إغفال "السترات الصفراء" عن الإجحافات الحقيقية. وقال إن هناك عدة هواجس تجمع بين متظاهري "السترات الصفراء" وتطارد المدن أسبوعًا تلو الآخر وهي: المتعة الفورية وشرعية كافة المزايا المادية والإلغاء الفوري لجميع القيود الاجتماعية والإدارية التي تعيق حياتهم الشخصية، وأخيرًا عدم الثقة المنهجية من أي شيء قريبًا كان أو بعيدًا.

وأضافت الصحيفة أن رغبات هؤلاء المتأججة والمحظورة على حدٍّ سواء اقتادتهم إلى الخلط بين المتعة والإحباط، ورفضهم المطلق لأية عقوبة، يؤدي بهم إلى الخلط بين القاعدة وإساءة استخدام السلطة. إن عدم ثقتهم بالتاريخ والعلم والثقافة يجعل من الماضي صفحة نظيفة ومن المستقبل عقيدة، وقد كشفت الحركة انتصار الانضباط على العمق، والتكرار على الأصالة، والتبسيط على التعقيد.. إنها بكل تأكيد خسارة للتفكير!

المصير المدرسي.. قلق إلى أقصى حد

لقد نسى هؤلاء الذين يقودون هذه الانتفاضة أن الشيء الأساس لن يكون ما سيحصلونه في نهاية الحكاية؛ بل إن الشيء الرئيسي هو ما سيكون مصير أولئك الذين سينجون منهم. وبدلاً من رفع قائمة متنافرة من التغييرات التي يطالبون بها كل سبت، يجب أن يحاولوا تحديد التغييرات التعليمية والاجتماعية والثقافية التي من شأنها أن تسمح لجميع الأطفال في هذا البلد بالتمتع بالفكر الحر والكلام الذي يمكن فهمه بقدر ما يمكن عرضه.

غير أننا لا نجد في مظاهراتهم التي تتكرر دون فائدة، ولو كلمة واحدة عن التعليم والثقافة! ولا كلمة واحدة عن المقاومة الفكرية للشباب أمام التلاعب والأكاذيب! وانطلاقًا من الاعتقاد بأن أسوأ ظلم هو عدم امتلاك ما يملكه الآخر، نجدهم ينسون أن القلق الأعظم اليوم بات يتمثل في المدرسة والمصير الثقافي والاجتماعي لعدد كبير جدًا من الأطفال الذين لا يحصلون على الأوراق إلا في سن السادسة، بسبب أنهم وُلِدوا في الجانب المظلم من المنظومة، أو أسوأ من ذلك، لأنهم ولدوا في مجتمعات ريفية.

هؤلاء الأطفال لا يرتدون السترات الصفراء؛ إنهم غير مرئيين، ومحكوم عليهم بالتيه لأكثر من خمسة عشر عامًا في ممر الفشل الطويل، وعندما يخرجون من هذا الممر الذي لم يتعلموا فيه سوى الإحباط والاستياء والانغلاق يعيشون في معسكرات العزل والضعف الذهني، وكلما تقدموا في هذا الممر، كلما قلت أبواب الخروج وزاد الوعي بالفشل وثقل الإحباط الذي سيؤدي إلى التمرد والعنف. إنهم المنسيون من "ثورة " حزينة تئنّ بسبب أنانية الكبار. سوف يقول البعض إن "السترات الصفراء" تناضل من أجل مستقبل أفضل لأطفالنا... هذا وهم! وهذا الذي يدعو إليه قادتهم ليس نضالاً اجتماعيًّا؛ بل "فوران" و"سخط" يثيرونه ويغذّونه.

حركة يائسة

لهذا السبب هذه الحركة يائسة، لهذا فهي تجتذب عددًا قليلاً جدًا من الشباب باستثناء أولئك الذين يتمنون دون أمل ترك أثر "سيئ" على العالم، ولو عن طريق العنف، ولذلك فهي تجتذب إليها الأسوأ من بين كارهي الأجانب والعنصريين والمتحيّزين جنسيًّا. ولهذا السبب أيضًا سيذهب أعضاؤها من "المهانين" الذين لايفكرون سوى في أنفسهم، إلى مزيد من الإحباط وخيبات الأمل والاستياء، وعندما يتوقفون فسيشعرون بالمرارة والاستياء، وسينكشف خواؤهم الروحي، وفراغهم الثقافي وعجزهم عن التفكير في مصائر من سيتبعونهم في المقام الأول.

السترات الصفراء.. انزعاج العسكريين بعد إعلان ماكرون تحريك عملية سينتينيل

وفي سياق متصل، سلطت صحيفة "لوبوان" الضوء على انزعاج العسكريين من إقحامهم في المشهد، فبعد العنف الذي تخلل تظاهرات السترات الصفراء، كان إيمانويل ماكرون والحكومة بحاجة إلى الإعلان عن شيء ما، وبالفعل قاموا بذلك، حيث جرى حشد عدد من العسكريين لتأمين بعض الأماكن المهمة ولحيوية، عوضًا عن قيام قوات الأمن الداخلي (الشرطة) بذلك، وبالتالي ضمان قيام الأخيرة بمهامها في مواجهة المتظاهرين، رغم أن الجيش نفسه ليس من مهامه حفظ النظام العام وجرى نشره بشكل استثنائي في إطار عملية "سينتينيل" لمكافحة الإرهاب.

جهاز سبق استخدامه في الماضي

في وزارة الجيوش، بات الانزعاج واضحًا؛ وحتى لو كان إعلان الحكومة لا يكاد يغيّر شيئًا بالنسبة لمضمون الجيش، إلا أن الصورة سيئة بشكل كبير. فالأمر لم يقتصر على الإيحاء بأن هؤلاء الجنود المسلّحين يمكن أن يؤدوا دور القوات العسكرية الخاصة، وهو أمر غير صحيح، بل إنه يؤشِّر على الصلة بين المواطنين والجيش؛ الأمر الذي يُعدّ حرجًا بالنسبة لعملية التجنيد.

وفي المؤتمر الصحفي الأسبوعي لوزارة الجيوش، حاولت الوزارة تحسين الصورة، حيث أكد الكولونيل "جيوم توماس" نائب المتحدث باسم الجيش "عدم وجود شيء جديد مقارنة بعطلات نهاية الأسبوع السابقة" لأننا نقوم بمهمتنا لمكافحة الإرهاب، وليس هناك نية لإرسال الجيش للمحافظة على النظام العام؛ لأنهم غير مؤهلين أو مجهزين أو مدربين للقيام بهذه المهام. ويضيف المتحدث الرسمي: "ببساطة، سنقوم ينكييف نظامنا بناءً على طلب وزارة الداخلية، وهذا التكيف قد سبق استخدمه بالفعل في الماضي".

هل يتم فتح النار على المتظاهرين؟

وعندما سُئل عن احتمالية حدوث سيناريوهات خطيرة، كأن يحيط المتظاهرون العنيفون بالعسكريين بحيث لا يكون خيار أمامهم سوى فتح النار لإنقاذ أنفسهم، قال الضابط: "لا يوجد سبب للقلق، وذلك يرجع لعدم وجود سبب لرؤية جنود عملية سينتينيل في احتكاك مع المتظاهرين".

ونظرًا لقدرة الجماعات العنيفة على التنقل السريع، وبخاصة جماعة الكتل السوداء، وللمسالك غير المؤكدة، فإن هناك احتمالية حقيقية لانزلاق جنود عملية سينتينيل إلى داخل في اللعبة. وعندما يجد الجنود أنفسهم محاصرين، فسيكون من المستحيل عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم، وبالتالي احتمالية سرقة أسلحتهم. وبما أنه من المعلوم جيدًا أن الجندي لا يتخلى أبدًا عن سلاحه: فهل سيفتحون النار (آنذاك) إذا كانت حياتهم مهددة؟

أخيرًا.. ماكرون لن يقترب من قانون 1905

أشارت صحيفة "ماريان" إلى إعلان الرئيس "إيمانويل ماكرون" أنه لم يكن يرغب في إصلاح قانون العلمانية الفرنسية، وذلك على الرغم من عزمه مواصلة التصدي للإسلام السياسي. وفي نهاية المطاف، وبعد النظر في إصلاح قانون 1905 الذي ينص على الفصل بين الكنيسة والدولة وعلى حياد السلطة العامة كذلك، قال "ماكرون" إنه لن يمس النص المؤسّس للعلمانية في فرنسا.

إنهاء مشروع الإصلاح

فبعد أن أثار رئيس الدولة الشكوك حول تعديل قانون 1905، عاد ليوضح موقفه من العلمانية، ويبدو أنه أغلق الباب أمام مشروع إصلاح القانون الذي كان يهدف إلى تكييفه ليشمل الأصولية الإسلامية. فقد كان هناك مشروع تعمل عليه الحكومة يقضي بإصلاح القانون تلبيةً لرغبة "الإليزيه" في تعزيز شفافية تمويل الطوائف الدينية، ومكافحة خطاب الكراهية والاضطرابات الخطيرة، وإعطاء المزيد من الثقل للجمعيات الدينية.

وأثار هذا المشروع قلق مؤتمر الزعماء الدينيين في فرنسا من "الكاثوليك" و"البروتستانت" و"الأرثوذكس"، وكذلك المسلمين واليهود والبوذيين، خشية اعتماد نهج "أمني" للعلمانية، كما خشي المعسكر العلماني هو الآخر من تدخل الدولة في الشئون الدينية. ومؤخرًا قال "ماكرون": "إن واجبنا هو توضيح مصادر التمويل لأن هذه التمويلات تغذي بعض المجموعات التي لا تحترم قوانين الجمهورية، وتغذي كذلك بعض السلوكيات الانفصالية".

ماذا عن الإسلام؟

وأكد رئيس الجمهورية على أنه يريد أن يتمتع المواطن بحرية الإيمان أو عدمه، بيد أنه يطلب في الوقت نفسه من المواطن أن يحترم كافة قواعد الجمهورية". وأضاف قائلًا: "ولا نطلب من أي شخص أن يؤمن بشكل معتدل أو لا". ومع ذلك اعترف "ماكرون" بأن هناك خطبًا ما بشأن الإسلام"، مشيرًا إلى وجود "خروقات فيما يخص مبادئ الجمهورية الفرنسية"، وشجب التنازلات السابقة بشأن قانون 1905، واستخدام الجمعيات قانون 1901 للحصول على إعانات لتمويل بناء دور العبادة. ووفقًا لما ذكره الرئيس الفرنسي؛ فإن التوترات داخل المجتمع الفرنسي لا ترجع إلى مبدأ العلمانية نفسها، ولكن إلى الشعور "بانعدام الأمن الثقافي"، الذي شهد، على حد تعبيره، ارتباكًا كبيرًا بشأن هذه المسألة، حيث قال: "هناك خلط بين الشأن الديني والثقافي والهجرة".

ولذلك طرح رئيس الجمهورية مرة أخرى محددات معادلة إسلام فرنسا، دون أن يقدّم حلولاً لها. وأشار ببساطة إلى أنه "لا يمكن قبول أي تدخل في شئون الدولة من جانب أي ديانة". وأضاف: "هنا تكمن نقطة التوتر الشديد مع بعض مسئولي الديانة الإسلامية"، مشيرًا بشكل خاص إلى "الرؤية السياسية المحافظة جدًّا للإخوان المسلمين والتيار السلفي". وفي النهاية يبقى السؤال: ما الذي ينوي رئيس الجمهورية القيام به بشكل ملموس؟
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق