ستراتفور | كيف يمكن لتوجهات الأجيال الأصغر سناً أن تعقد العلاقات بين أمريكا وإسرائيل؟


٣٠ مارس ٢٠١٩ - ٠٩:١١ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



منذ الحرب الباردة، ظل الدعم السياسي من الحزبَيْن الأمريكيَيْن لإسرائيل قويًّا بما يكفي للتأثير على الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وفي كثير من الأحيان، وجد المسئولون الأمريكيون، الذين أرادوا اتخاذ إجراءات في المنطقة تتعارض مع المصالح الإسرائيلية، أنفسهم مضطرين إلى تقييم قرارهم مقابل العقوبة الانتخابية المحتملة. لكن التحولات السياسية والديموغرافية الجارية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تعمل على تغيير طبيعة هذه القيود، ما قد يؤدي إلى ضخ قدر من التقلبات في علاقتهما التي غالبًا ما يحددها الحزب السياسي الحاكم في واشنطن.

ذلك لأن قدرًا متزايدًا من الناخبين الأمريكيين الشباب الذين لديهم مواقف مختلفة تجاه إسرائيل يعرضون بثبات تأثيرهم على السياسة الأمريكية، وإذا استمر هذا النمط، فسيؤدي إلى تقليل التكاليف الانتخابية للمسئولين الأمريكيين الذين يسعون إلى اتباع سياسات لا تتفق مع الاستراتيجيات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، فإن موجة الناخبين من القوميين المتدينين في إسرائيل ستجعلها تتحول إلى سياسات تتعارض مع المواقف المتغيرة في الولايات المتحدة؛ ما سيخلق وضعًا استراتيجيًّا من المرجح أن تستخدم فيه الولايات المتحدة نفوذها العسكري والدبلوماسي والاقتصادي لجعل إسرائيل أكثر انسجامًا مع أهدافها.

وللتعويض عن هذا التحول المحتمل، ستتجه إسرائيل إلى قوى أخرى، كبيرة كانت أم صغيرة، لدعم أمنها الاقتصادي والعسكري، والحد من قدرة أمريكا على فرض شروط عليها. ولا يشمل الحلفاء المحتملون القوى الكبرى مثل روسيا والصين، بل أيضًا القوى الإقليمية مثل دول الخليج وتركيا ومصر.

تحول الأجيال في الولايات المتحدة
تغيرات الأجيال بطيئة الحركة في الولايات المتحدة تغير الطريقة التي ينظر بها الشباب الأمريكي نحو إسرائيل، حيث أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث في يناير 2018 أن الأمريكيين الأصغر سنًا في الفئة العمرية 18-49 سنة يخرقون بشكل متزايد الإجماع من الحزبين القائلين بأن الناخبين الأمريكيين يتعاطفون مع إسرائيل ويدعمونها، لا سيما فيما يتعلق بالفلسطينيين. ويبدو أن هناك ثلاثة عوامل ثقافية رئيسة تقود هذا التغيير:

أولاً: لديهم تجربة تاريخية مختلفة حول إسرائيل مقارنة بكبار السن، الذين يميلون إلى تقديم مزيد من الدعم لها. وبالنسبة للعديد من الشباب الأمريكيين، فإن الذكريات المباشرة للحروب العربية الإسرائيلية التي هددت وجود إسرائيل منذ عقود تتلاشى، إن لم تكن غير موجودة بالأساس. فليس لديهم أي صلة مباشرة بأفراد الجيل الذين عانوا من المحرقة. ومجتمعة، تعمل هذه العوامل على تغيير الطريقة التي ينظر بها هؤلاء الناخبون إلى هشاشة إسرائيل، وبالنسبة لهم، يبدو أن إسرائيل هي سمة دائمة في المنطقة وليست دولة قومية ناشئة يمكن محوها في النزاع التالي. وهذا يجعلهم أقل عرضة للدخول في أي جدل حول أن أي تغيير في السياسة الأمريكية ربما يعرض وجود إسرائيل ذاته للخطر. وبالنسبة لجيلهم، ظهر تاريخ إسرائيل المشحون قبل تشكيل وعيهم السياسي عن العالم، تاركًا لهم مواقف من غير المرجح أن تتغير إلى حد كبير حتى مع تقدمهم في العمر.

وعلى الجانب الآخر، من المرجح أن يتمتع هؤلاء الأمريكيون الأصغر سنًا بتجربة مباشرة مع ردود إسرائيل العسكرية القوية على الانتفاضات الفلسطينية، مع استخدام صور القوة لتهدئة الانتفاضات التي يشنها المقاتلون والمتظاهرون المسلحون بشكل ضعيف. هذه التجربة، على وجه العموم، جعلت الأمريكيين الأصغر سنًا أكثر استعدادًا لتقبل إدانة إسرائيل في عدم إحراز تقدم في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، حيث إن الفصائل الفلسطينية كانت أضعف الطرفين عسكريًّا.

ثانيًا: تظهر استطلاعات التتبع طويلة الأجل أن الاتجاه بين الشباب الأمريكيين هو أن يكون أقل تدينًا من الأجيال السابقة؛ حيث إن الدين عامل رئيس في تشكيل المواقف تجاه إسرائيل. ومن المرجح أن يتعاطف الناخبون الذين يحملون آراء دينية قوية، خاصة المسيحيين واليهود، مع إسرائيل لأسباب أيديولوجية.

ثالثًا: هناك نسبة متزايدة من الشباب الأمريكيين المتدينين مسلمون، ومن غير المرجح أن يقبل هذا الجزء من الناخبين بتوجه سياسي مؤيد لإسرائيل أكثر من الجماعات الدينية الأخرى، وقد تجمّع مسلمو الولايات المتحدة في مجتمعات كبيرة بما يكفي لإحداث تأثيرات ملحوظة على العملية السياسية هناك، بما في ذلك ممارسة النفوذ على الانتخابات التمهيدية للحزبين الديمقراطي والجمهوري وانتخاب المشرعين لعضوية مجلس النواب.

تحول الأجيال في إسرائيل
في هذه الأثناء، ينشأ الجيل الشاب في إسرائيل في بيئة شديدة القومية والدينية، وأحد العوامل الدافعة لهذا الاتجاه هو نمو المجتمعات شديدة التطرف، والتي تميل نحو القومية والتي تتميز بمعدل مواليد يفوق بكثير المعدل الموجود في المجتمعات اليهودية الأخرى، وقد جلبت الموجة الكبيرة من المهاجرين الروس في التسعينيات معها موجة من القومية التي لا تزال في طور النضوج. وفي الوقت نفسه، فإن الكثير من الإسرائيليين الشباب الذين عاشوا التجربة المعتادة للتشدد الفلسطيني، هم أكثر عرضة لدعم السياسات القومية. وأخيرًا، فقد أضعف فشل اليسار الإسرائيلي في قيادة البلاد نحو رخاء اقتصادي قوي من جاذبيتها، ولذلك يميل الناخبون الذين يبحثون عن أجوبة لتكاليف المعيشة المتزايدة في البلاد إلى الانجذاب نحو الأحزاب الوسطية ذات النغمات القومية.

وبالنسبة للإسرائيليين، ستؤدي هذه التغييرات الديموغرافية إلى تناقض استراتيجي؛ فإسرائيل تحتاج إلى دعم خارجي، وهو يأتي اليوم بشكل أساسي من الولايات المتحدة للحفاظ على تفوقها العسكري وتوازنها الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، فإن التركيبة السكانية المتغيرة في البلاد سوف تعزّز بشدة السياسات التي تحارب المصالح الإقليمية للولايات المتحدة، مما يعرض التعاون للخطر، ومن ثَمَّ ستسعى كتلة الاقتراع القومي والديني القوية في إسرائيل إلى مزيد من السياسات التي تدفع البلاد إلى مسار الدولة الواحدة. وهذه بدورها، ستنفّر العدد المتزايد من الناخبين في الولايات المتحدة لصالح حل الصراع المستمر منذ أجيال والذي يؤدي إلى نشوء دولة فلسطينية. بالإضافة إلى ذلك، سينتخب الناخبون الإسرائيليون القوميون المتشددون الحكومات التي تقلل مخاوف واشنطن بشأن سياسات بلادهم أو تتجاهلها، ما يعقد الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة.

إن التغييرات الديموغرافية الناشئة في الولايات المتحدة ستمنح السياسيين الأمريكيين حرية أكبر لفتح نقاش حول كيف تتلاءم إسرائيل مع الاستراتيجية الأمريكية على الصعيدين الإقليمي والعالمي. ومع كل دورة انتخابية، ستظهر هذه التغييرات بشكل متزايد، وسيواجه المسئولون تدقيقات سياسية أقل عند تقرير كيفية التعامل مع القيمة الاستراتيجية الإسرائيلية. وهذا يمتد إلى جوانب متعددة من الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية، وعلى الأخص في مقاربتها لإيران، حيث اتخذت قضية الاتفاق النووي الإيراني مظاهر حزبية حادة مدفوعة بالقلق السياسي حيال أمن إسرائيل. كما أنها تمتد إلى كيفية رد فعل الأمريكيين على السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. وبدلاً من حماية إسرائيل في الأمم المتحدة، أو إيجاد طرق لتقليل تأثير الحركات الناشطة التي تشجع عزلة إسرائيل، ربما تتجاهل الولايات المتحدة– أو حتى تنضم إلى– نقد سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين، لا سيما إذا كانت هذه الإجراءات تمنحهم مزايا دبلوماسية أو قوة ناعمة في مكان آخر بالمنطقة.

ولتعويض هذا التحول في السياسة الداخلية للولايات المتحدة، ستبحث إسرائيل في مكان آخر لاستكمال أو استبدال الدعم الأمريكي، وستسعى إلى إقامة روابط عسكرية واقتصادية مع القوى العظمى الأخرى، الصين وروسيا، لمنحها استقلالية أكبر في متابعة الاستراتيجيات الإقليمية. كما ستواصل تواصلها الإقليمي مع الدول العربية ، رغم أن انجراف إسرائيل نحو حل الدولة الواحدة سيحد من مدى هذه العلاقات لفترة طويلة. كما ستكتشف العلاقات الجديدة والمحدثة مع القوى الإقليمية الأخرى، مثل مصر وتركيا، ومع ذلك فإن تواصلها مع الفلسطينيين سيعيق أيضًا إقامة علاقات أفضل مع تلك الدول أيضًا.

ولكن بغض النظر عن عدد الحلفاء الآخرين الذين يمكنهم حشدهم إقليميًّا أو عالميًّا، فلن يكون هناك بديل واضح للعلاقة الإسرائيلية الأمريكية الوثيقة. في حين أن الحفاظ على هذه الصداقة سيعرّض إسرائيل للضغوط الأمريكية ويضع نظامها السياسي على المحك، كما أن توترات التنقل في التقلبات المتزايدة في النظام السياسي الأمريكي من أجل الحفاظ على تلك العلاقة ربما تعيد تشكيل القوى الديموغرافية داخل إسرائيل؛ ما يجعلها أكثر براجماتية بمرور الوقت. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي إلى تطرفهم في رد الفعل. وإذا كانت الأولى، فستدخل الولايات المتحدة وإسرائيل مرحلة محدّثة من علاقتهما المستقرة إلى حد كبير على مدى عقود، أما إذا كانت الأخرى فالعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ستستمر في التباعد مع تزايد التوتر بينهما.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق