ناشيونال إنترست | ما بعد بتوفليقة.. تعرف على مستقبل الحراك الجزائري


٣١ مارس ٢٠١٩ - ٠٤:١٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



يواجه الجزائريون مستقبلاً غامضًا بعد تخلي رئيسهم "عبد العزيز بوتفليقة" عن رغبته في الترشح لفترة رئاسية خامسة، وتأجيله انتخابات الثامن عشر من إبريل. كما دعا بوتفليقة أيضا لعقد مؤتمر وطني في وقت لاحق لإعادة كتابة الدستور.

;كان قد برز نجم بوتفليقة في الأساس بفضل دوره في إنهاء "العشرية السوداء"، وهي الفترة التي شهدت حربًا أهلية بين المتطرفين الإسلاميين والحكومة الجزائرية. ونظرًا لاعتباره بطلاً وطنيا، تولى بوتفليقة منصب الرئاسة.

ومنذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في السادس عشر من فبراير ضد سعي بوتفليقة الترشح لفترة خامسة، اتجهت كل الأنظار نحو الجيش، أقوى مؤسسة في الدول الجزائرية. ينتظر الجزائريون ليروا ما إذا كان الجيش سيدعم بوتفليقة أم الشعب.

منذ إصابة بوتفليقة بجلطة في عام 2013، أصبحت مجموعة من الجنرالات والسياسيين ورجال الأعمال، يُطلق عليهم اسم "السلطة" (Le Pouvoir)، القادة الحقيقيين للجزائر. لقد حظي بوتفليقة بدعم قوي من "السلطة" بوصفه واجهة لنظامهم، و تسامح الجزائريون عمومًا مع هذه المجموعة الحاكمة. لقد ركّز المحتجون جهودهم على الحصول على تنازلات، بدلاً من المطالبة بتغيير النظام. تفادت الحكومة الجزائرية بنجاح اندلاع انتفاضة كبيرة أثناء الربيع العربي عبر توسيع المعونات وخلق المزيد من وظائف القطاع العام. مع ذلك، ومنذ انخفاض أسعار النفط من 100 دولار في عام 2014، لتصل إلى ما دون 70 دولارًا حاليًا، لا يجد النظام الموارد التي تمكّنه من تكرار هذا النهج.

علاوة على هذا، أدّى فقدان الحركات الإسلامية السياسية للدعم الشعبي عقب العشرية السوداء وتشرذم الأحزاب الأخرى، لمنع قيام معارضة منظمة تتحدى النظام أثناء الربيع العربي.

بالرغم من نجاح بوتفليقة في الحفاظ على الاستقرار أثناء أحداث الربيع العربي، إلا أن الجنرال "أحمد قايد صالح"، رئيس الأركان الذي يُعتبر ثاني أقوى رجل في الحكومة، لم يذكر بوتفليقه في خطابين متتالين له. بدلاً من ذلك، أكد "صالح" على متانة العلاقة بين الشعب الجزائري والجيش. في العشرين من مارس، نأي "صالح" بنفسه بشكل واضح عن بوتفليقه، مادحًا "الأهداف النبيلة" للمحتجين. مع ذلك، فإن موقفه العام من بقاء بوتفليقه في منصبه بقى غامضا حتى السادس والعشرين من مارس، عندما دعا لإعلان منصب الرئاسة شاغرًا. دعا "صالح" الحكومة للالتزام بالمادة 52 من الدستور، والتي تنصّ على تولّي رئيس البرلمان "عبد القادر بن صالح" منصب الرئيس المؤقت لمدة خمسة وأربعين يومًا.

بث التلفزيون الحكومي مقابلات مع نشطاء يدعون فيها لعدم ترشح بوتفليقه في الانتخابات. صرّح نائب رئيس الوزراء "رمطان لعمامرة"، وهو مرشح محتمل لمنصب الرئيس، في لقاء على الراديو الحكومي بأن "النظام الجديد سيقوم على إرادة الشعب". هذا مؤشر قوي بأن بعض أجهزة الدولة الخاضعة لمسؤولين بارزين تدعم الإصلاحات الديمقراطية.

بالرغم من موقف الجنرال "صالح"، إلا أن هناك مؤشرات أن الجيش الجزائري منقسم بشأن خليفة بوتفليقه. لا سيما عقب التوترات الداخلية عقب إقالة وسجن خمسة ضباط عسكريين في أكتوبر 2018 بتهم فساد. بالرغم من إطلاق سراحهم لاحقا، إلا أن إساءة معاملتهم أغضبت قادة عسكريين، لكنها جعلتهم أيضا أكثر حذرًا تجاه نظام بوتفليقه.

وبينما بررت السلطات الجزائرية تلك الاعتقالات بأنها حملة تطهير ضد الفساد، رأى محللون أنها محاولة من بوتفليقه أو داعميه للقضاء على معارضيه السياسيين داخل الجيش.

بلغت نسبة البطالة في الجزائر 11.7 بالمائة في سبتمبر الماضي. وقد حققت الجزائر نتيجة ضعيفة في مجال محاربة الفساد، محتلة المرتبة ال 105 من أصل 180 دولة على "مؤشر تصورات الفساد" للعام 2018 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. كما صُنفت الجزائر أيضا بأنها "غير حرة" من جانب مؤسسة "فريدوم هاوس".

ذكرت مؤسسة "فريدوم هاوس" في تقريرها أن السياسة في الجزائر خاضعة لسيطرة "نخبة ضيقة أساسها الجيش". وأضاف التقرير أن الانتخابات يتم التلاعب بها عبر التزوير وغياب الشفافية. كما عبّر عدد من الصحفيين والنشطاء عن قلقهم بشأن نزاهة الانتخابات في ظل غياب الشفافية.

خلفاء بوتفليقه المحتملون
لو تمكّنت الدولة الجزائرية من عقد انتخابات، فهناك عدد من الخلفاء المحتملين لبوتفليقه مثل الجنرال "صالح". يُعتبر "صالح" عضوًا مهمًا من الحرس القديم، الذي تسببت سياساته في ارتفاع معدلات البطالة والفساد وإضعاف الديمقراطية. يمثل "صالح" استمرارًا للأمر الواقع. في عام 2013، وفي محاولة لمنع انزلاق الجزائر في حالة اضطراب، ساند "صالح" بوتفليقه عندما دعا وزير التجارة "نور الدين بوكروح" لتنفيذ انقلاب. تعتمد حظوظه بصورة كبيرة على نزاهة العملية الانتخابية ورغبته في الترشح. يبلغ صالح من العمر تسعة وسبعين عامًا في الوقت الراهن. ومن المحتمل أن الذين اعترضوا على ترشح بوتفليقه البالغ اثنين وثمانين عامًا، سيعترضون أيضا على ترشح "صالح" للرئاسة بناءً على الأسباب ذاتها.

هناك مرشح آخر محتمل وهو الدبلوماسي الجزائري المخضرم "الأخضر الإبراهيمي"، وزير الخارجية الأسبق والذي شغل أيضا منصب مبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية الخاص إلى سوريا حتى مايو 2014. يمتلك الإبراهيمي سجلاً مميزًا، نظرًا لشغله منصب الممثل الخاص للأمم المتحدة لأفغانستان أثناء حكم حركة طالبان وعقب سقوطها، بالإضافة لتوليه منصب المبعوث الأممي الخاص للعراق عقب سقوط صدام حسين.

في أعقاب فشل الأمين العام السابق للأمم المتحدة "كوفي عنان" في الوصول لاتفاق وقف إطلاق نار في سوريا، عُين الإبراهيمي في منصب مبعوث الأمم لمتحدة والجامعة العربية الخاص إلى سوريا في أغسطس 2012. بالرغم من عدم قدرته على وقف نزيف الدم في سوريا، إلا أن أدوار الإبراهيمي الدولية أكسبته احترام الشعب الجزائري، كما عُين أيضا رئيسًا للمؤتمر الوطني المُكلف بإعادة كتابة الدستور الذي اقترحه عبد العزيز بوتفليقه.

إن المؤتمر الوطني الشامل والمستقل مُكلف بتقديم مسودة دستورية تتضمن إصلاحات واسعة، أبرزها إنشاء عملية انتخابية جديدة. وستُطرح الوثيقة لاستفتاء شعبي. من المتوقع أن يكسب الإبراهيمي شعبية بوصفه رئيسًا للمؤتمر الذي يهدف لتحقيق مطالب الشعب.

كم اقتُرح وزير الخارجية الأسبق "رمطان لعمامرة" بوصفه رئيسًا مستقبليًا محتملاً بفضل منصبه كسفير للجزائر لدى الولايات المتحدة وإثيوبيا وجيبوتي.

كما طُرح أيضا اسم "نور الدين بدوي"، رئيس الوزراء الجديد المعين في الحادي عشر من مارس، بوصفه خليفة لبوتفليقه. تولى "بدوي" في السابق منصب نائب رئيس وزراء ووزير الداخلية.

ماتزال المعارضة تفتقر إلى إجماع بشأن تقديم مرشح رئاسي ينافس الحرس القديم. مع ذلك، اختار كثيرون "مصطفى بوشاشي"، وهو ناشط حقوقي شهير، لتمثيل الحراك الشعبي.

لو مات بوتفليقه أو استقال قبل عقد الانتخابات الجديدة، فإن الدستور ينصّ على إعلان البرلمان عجز الرئيس عن ممارسه مهامه، وتعيين رئيس مجلس الأمة رئيسًا للبلاد لمدة أقصاها خمسة وأربعون يومًا (وهو ما طالب به قايد صالح).

وفي حال استمرار عجز الرئيس عن ممارسة مهامه بعد انقضاء خمسه وأربعين يومًا، يُعلن الشغور بالاستقالة وجوبًا، ويتولى رئيس مجلس الأمة مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها ستون يومًا، تنظيم خلالها انتخابات رئاسية وفقا للمادة 88 و89 من الدستور.

ومع تأجيل الانتخابات واقتراب موعد انعقاد المؤتمر الدستوري، لم يُعلن بعد عن إجراءات إعلان الترشح. يعتقد كثيرون أن بوتفليقه أجّل الانتخابات لكي يبقى في السلطة.

مع ذلك، تكتسب الدعوات المطالبة برحيل بوتفليقه زخمًا شعبيًا أكبر. هناك تحالف جديد اسمه "التنسيقية الوطنية للتغيير" بدأ في الظهور من المعارضة الجزائرية المشتتة بصورة كبيرة. يضم هذا التحالف في عضويته تسعة شخصيات معارضة بارزة- من بينهم ناشط حقوقي ووزير خزانة سابق وشخصيتان إسلاميتان بارزتان، إلى جانب شخصيات أخرى- وقد أعلن التحالف سبعة مطالب، من بينها حلّ الحكومة، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، وفوق كل هذا، استقالة بوتفليقة قبل السابع والعشرين من إبريل. كما دعا التحالف أيضا لتشكيل مجلس رئاسي من شخصيات وطنية نزيهة مستعدة للتخلي عن السلطة في نهاية المرحلة الانتقالية.

يحاول الجنرال "قايد صالح" عبر دعوته بوتفليقه بالاستقالة، تأجيل المؤتمر الدستوري والمحافظة على نفوذ الجيش. إن طلب "صالح" الاحتكام للمادة 52 في الدستور الحالي، سيؤجل الإصلاحات التي قد تضعف نفوذ الجيش على المستوى المؤسساتي.

أثناء فترة الربيع العربي، انحسرت الاحتجاجات الشعبية عقب الإطاحة برأس النظام. هذا أمر محتمل في حالة الجزائر، لكن من الممكن أيضا أن يواصل المحتجون-الذين شهدوا فشل العديد من ثورات الربيع العربي- المطالبة بعقد مؤتمر دستوري لإصلاح الحكومة الجزائرية جذريًا. في الوقت الراهن، ينتظر الجزائريون لمعرفة ما إذا كان بوتفليقه سيستقيل قبل حدوث فراغ في السلطة في الثامن والعشرين من إبريل، وهو اليوم الأخير لفترة حكم بوتفليقه.  




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق