فورين بوليسي | أسئلة بدون إجابات.. خمسة أمور مهمة يجهلها الجميع بشأن مستقبل العالم


٠٨ أبريل ٢٠١٩ - ٠٦:٠٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح


- ستيفن والت

لقد قضيت معظم الأسبوع الماضي في "تورونتو" في اللقاء السنوي الذي تنظمه "رابطة الدراسات الدولية". بالنسبة لمن هم خارج المجال الأكاديمي، أودّ القول إن هذا المؤتمر هو تجمّع متزايد التنوع يضمّ علماءً من جميع أنحاء العالم - معظمهم علماء سياسيون ولكن أيضا مؤرخون وعلماء اقتصاد وآخرون- إذ يقدم هؤلاء أبحاثًا أو تعليقات بشأن طائفة واسعة من المواضيع الدولية والعالمية والعابرة للحدود الوطنية إلى جانب مواضيع أخرى. هناك طيف واسع مذهل من المواضيع التي تجري دراستها، كما أن المعرفة المتراكمة التي يعرضها المشاركون مدهشة حقا.

لكن بعد أن قرأت البرنامج وحضرت حلقات نقاش وتجولت بمعارض الناشرين، وجدت نفسي أفكر في الأسئلة التي لم أجد إجابة لها (على الأقل في الجلسات التي حضرتها). وقد بدأت في التفكير بشأن بعض القضايا المهمة التي أجهلها على نحو غير مريح.

وهوما يقودني إلى أهم خمسة مواضيع أرغب حقا في معرفتها.

1- مسار الصين المستقبلي.
إن شكل العالم سيتحدد وفقًا للمسار الذي ستسلكه الصين في المستقبل وليس وفقًا لأي مواضيع أخرى. سواء واصلت الصين صعودها السريع أو تباطأ صعودها أو توقف أو تراجع، بيد أن هذا ستكون له آثار واسعة النطاق على ميزان القوى العالمي وعلى العلاقات في كافة أنحاء منطقة أوراسيا، وعلى معدل ونطاق التغيّر المناخي وعلى مجموعة أخرى من القضايا. لكن هذا السؤال يختلف عليه الخبراء، ولا أعرف مّن الذي أصدقه.

هل ما تزال الصين أضعف كثيرًا من الولايات المتحدة ومن غير المرجح أن تلحق بها، كما أكّد الباحث "مايكل بيكلي" و"الأخوان جيلي" مؤخرًا؟ أم أن الصين هي عملاق لا يمكن إيقافه ومقدّر له أن يتفوق على الولايات المتحدة ويرسّخ نفسه بوصفه القوة الأهم في العالم، كما يأمل الرئيس "شي" فيما يبدو، وكما يتوقع مراقبو الصين؟ هل أن "مبادرة الحزام والطريق" هي حركة جريئة ستعزز النفوذ الصيني حول العالم، أم أنها مجرد مزيج من السياسات المبذِّرة والمشحونة سياسيًّا التي جرى اتخاذها لأسباب محلية ودولية على حد سواء؟ هل ستعلق الصين في فخّ الدخل المتوسط، أم ستواصل زيادة الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وبالتالي تفلت من هذا الفخّ؟

أنا لا أعرف. لكن الأمر المثير للقلق لخبير عام مثلي، هو أن الأشخاص المتخصصين في دراسة الشأن الصيني، لا يعرفون أيضا. كما أن نطاق التوقعات واسع للغاية. وهذا الأمر ما كان ليسبب مشكلة كبيرة لو لم تكن تبعاته مهمة للغاية. لو كان الأشخاص الذين يعتقدون أنه من غير المحتمل أن تضاهي الصين الولايات المتحدة في قوتها محقين، فإن الولايات المتحدة يمكنها ان تسلك نهجًا متراخيًا كثيرًا فيما يخص المنافسة مع الصين، وينبغي عليها أن تحذر بوجه خاص من اتباع ردود أفعال مبالغ فيها تضر بالبلدين. في مقابل هذا، لو واصلت الصين صعودها المذهل - حتى لو بوتيرة أبطأ- فإنها ستصبح حتمًا الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية. (في الواقع، فإن هذا الاتجاه يحدث بالفعل الآن). ولأنني أرغب حقا في معرفة إجابة هذا السؤال، فإنني أودّ رؤية نقاشات أكثر تركيزًا واستمرارًا لهذا السؤال من جانب الباحثين الأكاديميين والأشخاص المطلعين في عالم السياسة.

2-ما مدى كفاءة قدرات أمريكا السيبرانية؟
لقد أصبحنا معتادين على قراءة قصص مقلقة بشأن التهديدات التي تواجهنا في المجال السيبراني. فبالإضافة إلى مشاكل الفيروسات والجرائم السيبرانية وفيروسات الفدية (ransomware).. إلخ، أصبحنا نواجه أيضا أخطارًا من هجمات حجب الخدمة والتجسس التجاري وكل الأنواع الأخرى من الهجمات المعقدة. أو لننظر إلى كل الضجة بشأن اختراق روسيا المزعوم للرسائل الإلكترونية للجنة الوطنية للحزب الديمقراطي أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016، أو احتمال أن تكون معدات اتصالات شركة "هواوي" حصان طروادة؛ ما منح الحكومة الصينية وصولاً سهلاً لمعدات المستخدمين، وما إلى ذلك.

ما أريد معرفته هو ما مدى كفاءة القدرات السيبرانية الأمريكية؟ لقد قرأنا العديد من الروايات بشأن ما فعلته وما قد تفعله دول أخرى بالولايات المتحدة، لكننا لا نعرف إلا القليل بشأن ما قد تفعله وكالة الأمن الوطني الأمريكية ضد هذه الدول.

نحن بالطبع لسنا جاهلين تمامًا في هذا المجال. فالولايات المتحدة كانت لزمن طويل رائدة عالميًا في مجال استخبارات الإشارات (بما في ذلك الاختراق الرقمي) لهذا ثمة أسباب تدفعنا للاعتقاد أنها ما تزال ماهرة للغاية في هذا المجال. نحن نعلم بشأن فيروس "Stuxnet"، والاختراق المزعوم لهاتف أنغيلا ميركل الخليوي، وعدد من الأحداث الأخرى. كما نعلم أن إدارة ترامب منحت "القيادة الإلكترونية" الأمريكية صلاحيات أكبر لإجراء عمليات هجومية ضد خصوم الولايات المتحدة. لكن المعلومات المتاحة علنًا بشأن المدى الكامل للقدرات والأنشطة الإلكترونية الأمريكية ما تزال محدودة للغاية، لأسباب واضحة متعلقة بالأمن القومي.

أنا أفهم الدافع وراء إبقاء هذه المعلومات طيّ الكتمان، لكن جهل الجمهور بها له تداعيات. إن لم نعرف ما تفعله الولايات المتحدة ضد الآخرين (الذين قد لا يعلنون هذه المعلومة أيضًا)، فإن أي هجمات إلكترونية تستهدف أمريكا ستبدو كأنها من دون سابق استفزاز، في حين أنها في الواقع جزء من عملية أوسع للانتقام المتبادل. كما أن الجهل بما تخطط له الولايات المتحدة يجعل من الصعب أيضًا تقييم مدى صحة المزاعم التي تفيد بأن روسيا اخترقت البريد الإلكتروني للجنة الوطنية للحزب الديمقراطي. وبالرغم من أن هذه المزاعم تحظى بقبول واسع النطاق، إلا أنه لم يجر الكشف علنًا عن أي دليل يدعمها. (أنا أعتقد أن هذه المزاعم صحيحة لأسباب ظرفية، لكني أعترف أنني لا أعلم هذا على وجه التأكيد).

ما مصير الاتحاد الأوروبي؟
إن الاتحاد الأوروبي هو مؤسسة مهمة للغاية. هو يتكوّن من 28 دولة عضوة (على الأقل حتى تتجاوز بريطانيا انهيارها العصبي الوطني وتقرر ما الذي تريده)، كما يوفر هذا الاتحاد الإطار الاقتصادي والتنظيمي العام لاقتصاد إجمالي تتجاوز قيمته 18 تريليون دولار، ويستخدم بعض أعضائه (وليس كلهم) عملة مشتركة، ويضع معايير حقوق الإنسان وممارسات مهمة أخرى في كافة أنحاء أوروبا. وبالرغم من أن هذا الاتحاد لم يكن مسؤولاً بمفرده عن توفير السلام والاستقرار لأوروبا على مدار السنوات الستين الماضية، غير أنه كان جزءًا مهمًّا من نجاحات القارة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن كما نوّهت سابقًا، من الصعب أن يكون المرء متفائلاً بشأن مستقبل الاتحاد الأوروبي. فبريطانيا تترنح نحو الخروج من الاتحاد (بالرغم من أن فوضى البريكست وتداعياتها المحتملة قد تمنح بقية الاتحاد دفعة متجددة ومؤقتة من الحماس)، كما أن الاتحاد لم يتجاوز بعد أزمة اليورو الطويلة. تتحدى الأنظمة غير الليبرالية في المجر وبولندا بعض مبادئ الاتحاد الأوروبي الأساسية، كما أن النزعة القومية التي كان من المفترض أن يتجاوزها الاتحاد تدريجيًّا عادت مجددًا بروح انتقامية لعموم القارة. أضف إلى كل هذا السياسة العدائية قصيرة النظر لإدارة ترامب، حينها سنحصل على وصفة لاستمرار الاضطرابات.

إن المؤسسات المتجذرة بعمق لديها طريقة لتجاوز الصعاب، لهذا لا أتوقع تفكك الاتحاد قريبًا، بيد أنني آمل أن يكون لديّ فهم أوضح للوضع الذي سيصبح عليه الاتحاد الأوروبي بعد خمسة أو عشرة أو عشرين سنة من الآن. لم يتوقع أحد أزمة الاتحاد الراهنة في عام 1995؛ ما يجعل من الصعب إصدار تنبؤات موثوقة الآن.
 
  4- كم عدد الدول التي ستمتلك أسلحة نووية في السنوات العشرين المقبلة؟
ثمة تبرير مألوف لفكرة احتفاظ الولايات المتحدة بمجموعة من الالتزامات العسكرية العالمية، وهو الزعم أنه حتى لو خفّضت الولايات المتحدة قليلاً من دورها العسكري في العالم، فإن هذا سيدفع حفنة من الدول للسعي لامتلاك أسلحة نووية، ما قد تنجم عنه تداعيات مزعزعة للاستقرار. تفيد الحجة أنه إذا لم يعد يُنظر إلى الولايات المتحدة بوصفها ضامنًا موثوقًا فيه لأمن العديد من الحلفاء، فإن دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية والسعودية وألمانيا وربما بعض الدول الأخرى ستندفع نحو المسار النووي. بالتالي، لو كنت ترغب في منع انتشار الأسلحة النووية، ينبغي لك الموافقة على احتفاظ "العم سام" بدور الشرطي في العالم.

يجب عدم الاستخفاف بهذه الحجة. فالدول تسعى أحيانًا لامتلاك ردع نووي عندما تشعر بالقلق بشأن أمنها، وعندما لا ترى سبيلاً آخر لتعزيزه. بالتالي، من الممكن جدًّا أن تسعى بعض الدول التي كانت تعتمد على حماية العم سام للحصول على ترسانة نووية خاصة بها، وذلك في حال سحبت الولايات المتحدة هذه الحماية. في الواقع، يلمّح بعض حلفاء أمريكا أحيانًا لهذا الاحتمال بطريقة مباشرة لإقناع قادة الولايات المتحدة بمواصلة حمايتهم.
 
لكن هذا الاستنتاج غير المشجّع ليس مؤكدًا تمامًا، كما أن التداعيات السياسية ليست واضحة المعالم. إن امتلاك أسلحة نووية والاحتفاظ بردع موثوق، هو مسألة مكلّفة ماليًا، وتخلق مخاطر وفوائد في الوقت ذاته. إن امتلاك أسلحة نووية يقلق الجيران، ويزيد احتمالية سعي هؤلاء الجيران لفعل الشيء ذاته، كما يزيد من فرص إدراجك على قائمة أهداف القوى النووية الأخرى. تساعد هذه الاعتبارات في توضيح السبب الذي جعل التوقعات الماضية بشأن الانتشار النووي، تبالغ بصورة متكررة في أعداد الدول التي ستتجاوز العتبة النووية: تمتلك العشرات من الدول القدرة التكنولوجية التي تمكّنها من بناء القنبلة النووية، لكن حفنة قليلة فقط من هذه الدول حاولت فعل ذلك، وعدد أقل منها نجح في صناعة القنبلة.

لهذه الأسباب، من الجائز تخيُّل أن تقرر العديد من الدول التي قد تسعى لنشر الأسلحة النووية، التخلي عن الخيار النووي حتى لو رفعت الولايات المتحدة حمايتها أو قللتها، والسعي لتعزيز أمنها عبر وسائل أخرى. من الجدير أيضًا تذكّر أن حضور أمريكا العسكري الواسع واستعراضها المستمر لقوتها، هما من الأسباب الرئيسية التي دفعت دولاً مثل كوريا الشمالية لامتلاك قنبلة نووية، ودفعت إيران للتفكير جديًا في امتلاكها وجعلتها تبذل جهدًا مضنيًا للاقتراب من الحافة النووية.

وجهة نظري باختصار هي أننا لا نعلم كم عدد الدول التي ستحصل على أسلحة نووية في العقود القليلة المقبلة، كما أننا لا نعلم أي السياسات الامريكية ستُزيد أو تقلل من احتمال انتشار الأسلحة النووية. ألن يكون من الرائع أن نجد إجابة على هذا السؤال؟

5- مَن سيفوز بالنقاش الدائر بشأن استراتيجية الولايات المتحدة الكبرى؟
وكما سرد المؤرخ "ستيفن ويرهايم" مؤخرًا في مقال له، تشهد الولايات المتحدة الآن نقاشًا طال انتظاره بشأن دور أمريكا في العالم. كان من الأفضل إثارة هذا النقاش عند انتهاء الحرب الباردة، لكن كما يقول المثل: "أمريكا دائمًا تفعل الصواب، بعد أن تجرب أولاً كل البدائل".
بالنظر إلى النتائج المخيبة للآمال في السنوات الخمسة وعشرين الماضية، ليس مستغربًا البدء في نقاش أوسع نطاقًا. إن قرار معظم المرشحين الديمقراطيين للانتخابات الرئاسية بعدم حضور المؤتمر السنوي لـ "لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية"-آيباك- هو إشارة على حدوث تغيّر سياسي كبير.

فجأة بات لديك شخصيات مهمة تدعو بقوة لإجراء تخفيض جذري في التزامات أمريكا العسكرية. في المقابل، هناك أشخاص مثلي أنا و"جون ميرشماير" يعتقدون أنه ينبغي للولايات المتحدة التخلي تدريجيًّا عن بعض التزاماتها العسكرية الخارجية وليس كلها. كما يوجد أشخاص يرغبون في الحفاظ على الوضع القائم لكنهم يبحثون عن طرق جديدة لإقناع الجمهور أن هذا الوضع ناجح حقًا. ثم لديك أتباع ترامب الذين يرفعون شعار "أمريكا أولاً" الذي يوحي بأنهم يعطون الأولوية للمصلحة الوطنية الأمريكية، لكنهم من الناحية العملية إما يتملقون حلفاءً بغيضين، أو يتم خداعهم من جانب خصوم، أو يضيّعون نقاط نفوذ مهمة عبر فظاظتهم أو انعدام كفاءتهم.

مَن سيفوز بهذا النقاش؟
أتمنى لو كنتُ أعلم! هناك قوى بنيوية قوية تدفع باتجاه تبنّي سياسة خارجية أكثر تحفظًا، وهذا يشمل الحاجة المتصورة للتركيز أكثر على الصين (انظر النقطة رقم واحد المذكورة آنفًا)، والرغبة المتزايدة للهروب من مستنقعات الشرق الأوسط المختلفة، والانقسام المتزايد بين الولايات المتحدة وأوروبا، لكن ستكون هناك مقاومة كبيرة أيضًا. فالمدافعون عن الهيمنة الليبرالية ما يزالون ممولين تمويلاً جيدًا ويحظون بمناصب رفيعة في واشنطن، وليس هناك نقص في المعلقين والسياسيين المتحمسين للدفاع عن شعار " أمة لا غنى عنها". ونظرًا لأن الولايات المتحدة ما تزال ثرية وآمنة بصورة أساسية، فبإمكانها مواصلة سياستها الخارجية الطموحة وغير الناجحة لزمن طويل. إن الاعتماد على قوة تتكوّن بأكملها من المتطوعين، ويتم تمويلها عبر مستويات أعلى من الديون، يجعل الأمر سهلاً، وهذا سبب آخر يجعل النتيجة القصيرة الأجل لهذا النقاش الجديد غير مؤكدة.

وغني عن القول إن هذه القائمة لا تشمل جميع المواضيع التي كنت أتمنى لو علمتُ المزيد بشأنها. أنا كنت أرغب أيضًا في قراءة تقرير المحقق الخاص "مولر" بأكمله، والاطلاع أيضًا على الإقرار الضريبي الذي وعد دونالد ترامب مرارًا بنشره علنًا؛ لكني أظن أننا جميعًا سنبقى جاهلين بشأن هذين الموضوعين أيضًا.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق