ناشيونال إنترست |جاءوا ليحطموه فنهض.. كيف أصبح عبدالناصر بطل قومي على يد أعداءه؟


١٥ أبريل ٢٠١٩ - ٠٤:٣٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



بدأت الحرب بغزو إمبريالي للاستيلاء على قناة السويس، وانتهت بتهديد الاتحاد السوفيتي بقصف بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالنووي!

بدأت الأزمة على من يملك قناة السويس, البوابة التي تربط بين أوروبا وآسيا. في يوليو 1956, أعلن الرئيس جمال عبد الناصر أنه سيؤمم قناة السويس, التي كانت لا تزال خاضعة لسيطرة مساهمين أوروبيين حتى بعد استقلال مصر عن بريطانيا (سينطبق نفس الوضع لاحقًا على الولايات المتحدة وقناة بنما). كان قرار عبد الناصر مدفوعًا بقطع التمويل الأمريكي لسد أسوان الضخم, بعد أن وقّع الرئيس المصري على صفقة سلاح ضخمة مع الاتحاد السوفيتي.

كان رد عبد الناصر بسيطًا: إذا لم يقدّم الأمريكيون والبريطانيون العون المالي لسد أسوان, ستؤمّم مصر قناة السويس وتستخدم حصيلة الإيرادات لبناء السد نفسه. لكنه, مع الأسف, نسي قاعدة أساسية في التاريخ: لا يوجد شيء أخطر من إمبراطورية متداعية أو إمبراطوريتين.
في 1956, كانت الشمس قد غابت بالفعل عن الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية, حتى لو لم تتمكنا من الاعتراف بهذا لنفسيهما. وبعد هزيمتهما وإفلاسهما نتيجة للحرب العالمية الثانية, كانت هاتان القوتان لا تزالان تتعاملان مع الواقع الجديد لكونهما ممثلين مساعدين في مسرح عالمي تُهيمن عليه أمريكا وروسيا.

لكن بالنسبة إلى بريطانيا, كانت قناة السويس رمزًا للمكانة الإمبريالية وشريان الحياة لقواعدها في الشرق الأوسط والخليج العربي. وبالنسبة للفرنسيين, كان الأمر لا يتعلق بالقناة بقدر ما يتعلق بعبد الناصر نفسه, الذي اتهموه بتسليح الثوار الجزائريين الذين يقاتلون من أجل الاستقلال عن فرنسا. وأشار رئيس الوزراء البريطاني "أنتوني إيدن" (آنذاك) إلى ميونيخ, كما لو أن هزيمة عبد الناصر ستعوّض عدم إيقاف هتلر في 1938.

في الوقت نفسه, استمر الصراع العربي -الإسرائيلي مشتعلًا كما هو دائمًا. وبعد انتصار إسرائيل في حرب الاستقلال 1948, دعمت مصر العمليات الفلسطينية من سيناء على إسرائيل, والتي ردت عليها إسرائيل بسرعة. كان الإسرائيليون مقتنعين بأن نشوب حرب أخرى مع مصر أمرٌ لا مفر منه.

رسمت كل  من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل خطة – بروتوكول سيفرز. أولًا, إسرائيل ستغزو شبه جزيرة سيناء المصرية، ثم ستُوجه بريطانيا وفرنسا إنذارًا نهائيًا لإسرائيل ومصر لكي تنسحبا من منطقة القناة, ظاهريًا لحماية قناة السويس، وعندما ترفض مصر كما هو متوقع, ستغزو القوات البريطانية - الفرنسية وتستولي على القناة. سيتعرض عبد الناصر للإذلال والإطاحة, وتعود السيطرة الأوروبية على قناة السويس, وتعود الأيام القديمة لإمبريالية القرن التاسع عشر. هكذا كانوا يظنون.

اندلعت الحرب يوم 29 أكتوبر 1956 بعملية قادش الإسرائيلية, وهي فكرة رئيس الأركان موشيه ديان، وحلّقت طائرات موستانج بي-51 الإسرائيلية على ارتفاع منخفض فوق سيناء لقطع أسلاك الهاتف بمراوحها, من أجل قطع الاتصالات العسكرية المصرية. في الوقت نفسه, نزل جنود المظلات الإسرائيليون على ممر متلا في جبال سيناء، وتسابق جنود مظلات آخرون, بقيادة الكولونيل آرييل شارون, في الصحراء للالتحاق بهم, مثلما فعل جنود مشاة وصفوف دبابات أخرى. ورغم القتال الشرس, سيطرت إسرائيل على شبه جزيرة سيناء في غضون أيام قليلة.

منح هذا بريطانيا وفرنسا عذرًا لإصدار إنذارهما النهائي. عندما تجاهلته مصر, بدأت عملية الفارس، بيد أن الاسم الأفضل لها هو عملية الفأر؛ لأن العملية بأكملها كانت مثل ميكي ماوس. وكما أشار الرئيس آيزنهاور, الذي كان يعلم تخطيط الغزوات أكثر من أي شخص: لم يمتلك البريطانيون والفرنسيون قوات كثيرة بالمقارنة مع عملية إنزال نورماندي وعمليات الإنزال الأخرى في الحرب العالمية الثانية. حوالي 80 ألف جندي كانوا مشاركين, بالإضافة إلى أكثر من 200 سفينة حربية (من ضمنها 5 حاملات طائرات بريطانية و2 فرنسية) ومئات الطائرات. وفي حين أن بعض الجنود البريطانيين كانوا مجندين فاقدي الحماس لا يعرفون لماذا هم ذاهبون إلى مصر؟! كان يتقدم عمليات الإنزال نخبة المظليين والكوماندوز البريطانيين والفرنسيين.

بعد تدمير القوة الجوية المصرية في الساعات الأولى من الغزو, نزل جنود المظلات على منطقة القناة, مدعومين بقوات المارينز الملكية التي تأتي في سفن إنزال برمائية. نفذت المروحيات الحاملة للجنود من الحاملات البريطانية أول هجوم مروحي من السفن في العالم. ومثل الإسرائيليين, واجهت القوات البريطانية -الفرنسية العديد من الجنود المصريين ذوي التدريب والقيادة الضعيفة، ورغم قتال الشوارع المتفرق وهجمات القناصة ومقاومة المدنيين المصريين لم يكن الغزو في موضع شك مطلقًا. وتكبّد البريطانيون نحو 100 ضحية (مقارنة بحوالي 4 آلاف في عملية إنزال نورماندي), وخسر الفرنسيون 50 رجلًا, والإسرائيليون حوالي 1100، فيما كانت الخسائر المصرية مجتمعة نتيجة للغزو المزودج نحو 8 آلاف.

وعلى الصعيد العسكري, كانت الخطة البريطانية – الفرنسية - الإسرائيلية ناجحة، لكن على الصعيد السياسي, كانت كارثة! فقد اندلعت احتجاجات مناهضة للحرب في بريطانيا من شعب لم يكن لديه رغبة في الموت من أجل الإمبراطورية، بينما شعر آخرون بالصدمة من الخداع والتلاعب الذي انطوت عليه العملية.

غير أن ما كان يهم حقًا حينها هو رد فعل القوى العظمى، فقد حذر رئيس الوزراء السوفيتي نيكولاي بولكانين من أن الاتحاد السوفيتي كان مستعدًا لإطلاق صواريخ باليستية نووية على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل إذا لم تنسحب تلك الدول. هذا أيضًا كان خدعة: كانت قوة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات السوفيتية مجرد دعاية في ذلك الوقت، وذلك بخلاف النفاق؛ نظرًا لأن قبلها بشهر واحد, قمعت الدبابات السوفيتية المتمردين المجريين بوحشية في بودابست.

كان رد فعل الولايات المتحدة صادمًا بنفس القدر. هدد آيزنهاور ووزير الخارجية جون فوستر دالاس بفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل إذا لم تنسحب من سيناء. لقد هددت أيضًا إمداد النفط إلى بريطانيا (فرضت السعودية حظرًا على بريطانيا وفرنسا) وفكرت في بيع السندات البريطانية, وهو ما كان سيدمر الاقتصاد البريطاني، كما دعا قرار الأمم المتحدة, المدعوم من الولايات المتحدة, إلى وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأجنبية.

كان الضرر على الغرب شديدًا؛ فقد تضررت العلاقات الأمريكية - البريطانية, وتعززت المكانة السوفيتية، واستقال إيدن من منصب رئيس الوزراء, بينما تخلى البريطانيون عن التصرف كقوة إمبريالية. لاحظ الألمان الغربيون أن السوفيت هددوا بمهاجمة أوروبا الغربية, ولم تحتج حينها الولايات المتحدة، انسحبت إسرائيل على مضض, وبدأت التحضير للحرب التالية (التي حدثت في 1967). وبدلًا من التعرض للإطاحة, أصبح عبد الناصر بطل العالم العربي .

لقد كانت هناك غزوات غربية أخرى منذ 1956, أبرزها العراق في 2003 وليبيا في 2011، غير أنه بالنسبة إلى إمبريالية القرن التاسع عشر البالية, كانت قناة السويس هي المعركة الأخيرة.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق