ناشيونال إنترست | كيف يمكن الاستعانة بمسلسل صراع العروش لفهم آليات إداراة العلاقات الدولية؟


١٥ أبريل ٢٠١٩ - ٠٥:٢٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



يستشهد الكاتب الأمريكي "جورج آر آر مارتن" – مؤلف سلسلة روايات "أغنية الجليد والنار" التي تحولت ببراعة إلى سلسلة تلفزيونية تحت اسم "صراع العروش"  بمقولة الروائي الأمريكي والحائز على نوبل "ويليام فوكنر": "القصص الوحيدة التي تستحقُّ أن تُكتَب هي تلك التي تحكي عن صراع قلب الإنسان مع نفسه". وبالتوافق مع هذه المقولة، صوّر العمل التليفزيوني "صراع العروش" والعمل الأدبي المستوحى منه، بكل براعة هذا الصراع، فنصف محبي هذه السلسلة التليفزيونية، إن لم يكن أكثرهم كانوا مذهولين بكمية الصراعات الخارجية التي تدور حول شخصيات مارتن. إن تصوير "صراع العروش" للكفاح المترامي الأطراف والمعقد من أجل السيطرة السياسية والعسكرية على قارة "ويستروس" قد أخرج تصوُّرًا للحرب والدبلوماسية والمؤامرات السياسية على أنها قهرية بقدر ما هي وحشية.

وفي حين أثبت عنف العروش والجنس والمزاح وزومبي الجليد أنها أكثر من كافية لالتقاط خيال المشاهد التلفزيوني العادي، يمثل العرض الثري للأسئلة السياسية المعقدة التي ساعدت في جذب العديد من الطلاب وممارسي السياسة الخارجية إلى السلسلة. وعلى الرغم من موقعها الخيالي في العصور الوسطى، غير أن "صراع العروش" قد وفّرت عدسة ممتازة تدرس من خلالها المناقشات النظرية والمشكلات العالمية التي تواجه علماء العلاقات الدولية المعاصرين. ومع اقتراب المسلسل من بدء موسمه الثامن والأخير، يبدو من المناسب أن ننظر إلى الوراء ونقدر تعامل المسلسل الحاذق مع نفس المناقشات التي تدور بانتظام على صفحات الصحف والدوريات.

ولعل الأكثر إثارة للاهتمام لقراء "ناشيونال انترست" هو تصوير مسلسل "صراع العروش" للواقعية في السياسة الدولية. تصريح "سيرسي لانستر": "عندما تلعب لعبة صراع العروش، فإنك تربح أو تموت.. لا يوجد أي حل وسط"، وهو أمر يتماشى بشكل جيد مع تصوير الواقعية لنظام دولي فوضوي. وأفضل طريقة للدولة (أو البيت الكبير) لضمان بقائها هي امتلاك القوة الكافية لردع منافسيها وهزيمتهم، وقادة قارة ويستروس يشنون الحروب، ويقيمون التحالفات، ويخونون حلفاءهم المزعومين لتعزيز هذا الهدف.

وفي صراع العروش، يبرز "توين لانستر" كأحد أمهر ممارسي السياسة الخارجية الواقعية في الخيال الحديث. حيث انقلب توين على حلفائه السابقين في تارجارين أثناء تمرد روبرت، فقط عندما أصبح من الواضح أن تحالف المغتصبين كان له اليد العليا في الصراع، ثم أسس تحالفًا مع "بيت باراثيون " المنتصر الذي زاد من قوة آل لانستر وتأثيرهم في ويستروس. بعد سنوات، قاد توين بيته للفوز في حروب الملوك الخمسة من خلال تشكيل تحالف استراتيجي ذكي، ومغازلة حلفاءه الشماليين بنجاح.

هدف توين الأساسي هو زيادة قوة بيته وتأثيره لضمان بقائه على المدى الطويل، وقراراته تستند إلى حسابات القوة بدلاً من أن تكون محكومة بالقوانين الأخلاقية للكون. ومع ذلك، لا يلتزم حكام ويستروس الآخرين عالميًا بالمبادئ الواقعية: على سبيل المثال، فإن كلًا من آل ستارك وآل جرايجوي وآل باراثيون وآل ساند سنيكس حكام دورن جميعهم مدفوعون للمشاركة في النزاعات القائمة على المثل العليا المجردة أكثر من حسابات القوة العقلانية والتقاليد والمعايير مثل حقوق الضيف وتقييد الخيارات الاستراتيجية لبعض الدول على حسابهم. ومع ذلك، فإن تباين المسلسل الهادف لواقعية توين لا نستر مع القادة الذين يدافعون عن القيم العالمية (العدالة والشرف والمساواة) أو في السعي لتحقيق أهداف عاطفية فردية (الانتقام والمجد) يشجع المراقبون على الانخراط في النقاش حول العالم الواقعي فيما يتعلق بأي من هذه القوى تؤثر – أو يجب أن تؤثر – على أفعال الدول في النظام الدولي.

يكشف مسلسل "صراع العروش" أيضًا فوائد التعاون من خلال المؤسسات الدولية، حتى لو كانت المصالح الذاتية المتضاربة للدول تجعل من الصعوبة بمكان تحقيق هذا التعاون، حيث يتعلم "جون سنو" هذا عن كثب لأن مملكة الشمال المستقلة حديثًا خلقت نوعًا ما من "الدولة المارقة" بالتخلي عن مؤسسة العرش الحديدي، ويكافح لإقناع قادة الدول المتنافسة بالانضمام إليهم في مواجهة التهديد الذي يمثله "وايت وواكرز". كذلك فإن المسلسل يؤكد أن المؤسسات الدولية تحتاج إلى مستويات أكبر من القوة القسرية لمواجهة التهديدات الوجودية مثل "وايت وواكرز"، وهو استعارة واضحة لقضية تغير المناخ التي تهدّد بإغراق ويستيروس في شتاء أبدي. ويتم تقديم "وايت وواكرز" بوصفهم الخصوم الأساسيين للمسلسل منذ المشهد الافتتاحي، ومن المرجح أن يؤدي الفشل الجماعي في معالجة الأزمة المقبلة خلال المواسم السبعة الأولى إلى عواقب وخيمة في الفصل الأخير، وهو موازٍ مشؤوم بما قد تواجهه البشرية إذا ما ظلت قضية تغيير المناخ دون حل.

هناك الكثير في مسلسل "صراع العروش" ليقوله عن الدور الذي تلعبه الأسلحة النووية في التأثير على الحرب والسياسة. وفي الحصول على التنانين الثلاثة ورفعها، حققت "دنيرس تارجارين" ما يعادل ما حققه ويستروس في الأسبقية النووية غير المحددة؛ ما يسمح لها بضرب خصومها في أي مكان على الخريطة بمستوى قوة لا يمكن مواجهته أو موازنته بالوسائل التقليدية. كما هو متوقع، فإن تنانين دنيريس أعطوها ميزة عسكرية كبيرة ويسمحون لها بمقاضاة الحلفاء وإجبارهم على تقديم تنازلات سياسية بسهولة أكبر، مع طرح أسئلة مشروعة حول ما إذا كان يجب وجود هذه الأسلحة في المقام الأول.

ويمكن التنبؤ بردود أعدائها على تنانينها. فوصول أسلحة الدمار الشامل هذه العضوية إلى شواطئ ويستروس يبدأ في سباق تسلح لتطوير تدابير مضادة فعالة ضدهم. وكذلك هناك محاولة ناجحة من قبل أحد منافسي دنيرس للحصول على تنينه الخاص (نايت كينج). سيطلع الموسم الثامن المشاهدين على عالم جديد يمتلك فيه اثنان من الأبطال أكثر من تنين تحت تصرفهما بدلاً من واحد، ويبدو من غير المحتمل أن يردع التدمير المؤكد المتبادل أيًّا من الطرفين من إطلاق نيران التنين على الجانب الآخر.

كذلك يطل الإرهاب برأسه القبيح في عالم صراع العروش، مثل انتصار أمريكا على الجيش العراقي في عام 2003، حيث بدا غزو دنيريس لمدينة ميرين التي كانت تحت سيطرة العبيد في البداية انتصارًا حاسمًا على الاستبداد الذي سيخلق دولة أفضل وأكثر مساواة، ومع الإطاحة بنظام هاربي من قمة هرم ميراين الكبير الذي يعكس مصير تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد. ومع ذلك، سرعان ما يُرى المحررون المحتملون كمحتلين، حيث نتج عن ذلك تمرد عنيف يقوده "أبناء هاربي"؛ ما يغرق ميرين في فوضى تثير ذكريات معركة الفلوجة في حرب العراق.

والسؤال هو: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تسعى لتحقيق طموحاتها العالمية دون أن تجعل نفسها عرضة للإرهاب الدولي تستمر في الهيمنة على النقاش حول السياسة الخارجية، وتصوير صراع العروش لهذه المعضلة الإمبريالية حقيقي للغاية في الحياة.

أخيرًا، يقدم مسلسل "صراع العروش" وصفًا ممتازًا للقومية كقوة ضاربة في الشئون الدولية. وعلى الرغم من أنها لا تحظى بشعبية بعد أن قتلت كلاً من الملكة الحاكمة وما يعادل بابا ويستروس، حشدت "سيرسي لانستر" دعمًا كبيرًا لمحاولتها تجنب غزو دنيريس، من خلال تصوير الجيش الغازي، الذي يتكون إلى حد كبير من الدوثاركيين والمحاربين غير الملتزمين من بحر نارو، كحشود أجنبية. وتُستخدم المشاعر القومية أيضًا كمبررات لجميع تمردات ستارك وجرايجوي ضد العرش الحديدي، وهي جزء لا يتجزأ من المعارضة الشمالية للاجئين من ويلدلينج الذين يعاد توطينهم جنوب الجدار.

ولا تزال القومية تُشكل قوة دافعة مؤثرة في السياسة المعاصرة، ومع ذلك يمكن أن تؤدي غالبًا إلى قرارات سياسية قصيرة النظر تؤدي في النهاية إلى إلحاق ضرر أكبر من نفعها على الدولة (مثل الهزيمة المستمرة للبريكسيت أو مختلف تمردات جرايجوي) أو تؤدي إلى الرجعية والنازية والمشاعر المعادية للمهاجرين، والتي تتجسد في عودة الفاشية الحديثة في أوروبا. ويقدم مسلسل صراع العروش صورة ممتازة لكل من القوة الصالحة والطبيعة الخطرة للقومية التي تتماشى جيدًا مع كل من الفهم التاريخي والمعاصر للظاهرة.

لقد تم الاحتفال بحق بمسلسل صراع العروش باعتباره انتصارًا للتلفزيون السينمائي، لكنه يستحق أيضًا التقدير لقدرته على تصوير تعقيدات السياسة الدولية بشكل حيوي بطريقة نادرًا ما تُرى في الإنتاجات الكبرى، وعلى الرغم من أن استنتاج القصة قد يركز في النهاية على كيفية حل شخصياتها للصراعات داخل قلوبهم، فكن مطمئنًا أن هناك الكثير يمكن أن يقوله الموسم الثامن من "صراع العروش" حول كيفية خوض النزاعات وحلها وتجنبها على الساحة الدولية.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق