أتلانتك كاونسل | قلق أمريكي.. ما هو شكل العالم الذي تريده الصين؟


١٩ أبريل ٢٠١٩ - ٠٧:٤٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



جلس قادة الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع في بروكسل في قمة مع الصين التي وصفها الاتحاد الأوروبي مؤخرًا بأنها "منافس منهجي"، وفي غضون ذلك، تقترب الولايات المتحدة من إنهاء محادثاتها التجارية مع الصين التي تصفها وثائق الأمن القومي الأمريكية بأنها "خصم استراتيجي".

لهذا من المستغرب أن قادة التحالف الأطلسي لا يعملون من أجل قضية مشتركة ولا يسألون الأسئلة الجيوسياسية الأكثر إلحاحًا في عصرنا. ما نوع العالم الذي ترغب الصين في إنشائه؟
ما الوسائل التي ستستخدمها الصين لتحقيق أهدافها؟
وما الذي ينبغي للولايات المتحدة وأوروبا فعله للتأثير على النتيجة؟

ما من شك الآن أن صعود الصين المتواصل يمثل أهم حدث جيوسياسي يحدد شكل القرن الحادي والعشرين. غير أن المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين - المتورطين في قضايا تتراوح بين تخبطات إدارة ترمب فيما يخص قضية الهجرة، فضلاً عن مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- فشلوا في إيلاء اهتمام كافٍ لنقاط التحول هذه بالغة الأهمية.

إن البعض في حالة إنكار بشأن التغير الجذري الذي قد يُحدثه صعود الصين في النظام العالمي للمؤسسات والمبادئ الذي أرسته الولايات المتحدة وحلفاؤها عقب الحرب العالمية الثانية. فيما يعترف آخرون أن الضغط الهيكلي بين الصين الصاعدة والولايات المتحدة الثابتة في موقعها هو بمثابة الخطر الأساسي في عصرنا الحالي، لكن هؤلاء لا يقدمون استراتيجيات تعاون أو احتواء جديرة بهذا التحدّي المصيري.  وقد أسفر هذا الوضع عن ظهور أسوأ النتائج.

فبفضل خشيته من أن الولايات المتحدة باتت أكثر تصميمًا على تقويض صعود بلاده، ضاعف الرئيس الصيني "شي جينغ بينغ" من عزيمته لتعزيز قبضة الحزب الشيوعي محليًا، ودعم نفوذ الصين عالميًا في الوقت ذاته. أما الحلفاء الأوروبيون، فصاروا يتحرّون الحيطة في رهاناتهم، بفضل تضررهم من الإجراءات التجارية التي اتخذتها الولايات المتحدة ضدهم، وبفضل غياب استراتيجية حشد أمريكية ضد الصين.

أعلن رئيس المجلس الأوروبي "دونالد توسك" هذا الأسبوع عن تحقيق "نجاح" فيما يخصّ الخلافات التجارية الكبرى للاتحاد الأوروبي، لا سيما فيما يتعلق بنقل التكنولوجيا والمعونات الحكومية الصناعية. ثم بعد مرور يومين في كرواتيا، تعهّد رئيس الوزراء الصيني "لي كه تشاينغ" باحترام معايير وقوانين الاتحاد الأوروبي أثناء قمة جمعته بدول وسط وشرق أوروبا، أسفرت عن التوصل لأربعين صفقة تجارية، وتوسيع إطار هذه القمة ليشمل اليونان، وبهذا تحولت ما تسمى مجموعة "16+1" إلى مجموعة "17+1".

إن هذه الأخبار الإيجابية نسبيًا في أوروبا تؤكد أكثر على مستوى المهارة التي يُدير بها القادة الصينيون طموحاتهم التاريخية.

يقتبس "غراهام أليسون"، وهو واحد من أكثر المراقبين المخضرمين لشؤون الصين في أمريكا، مقولة صرّح بها رئيس وزراء سنغافورة الأسبق "لي كوان يو"، والذي قال قبل وقت قصير من وفاته: "إن قدرة الصين على الإخلال بالتوازن العالمي كبيرة لدرجة أن العالم يتعيّن عليه إيجاد توازن جديد، من غير الممكن التظاهر أن الصين هي مجرد لاعب كبير. إن الصين هي أكبر لاعب في تاريخ العالم".

في هذا السياق، فإن الصين لديها ثلاث أهداف تريد تحقيقها.
أولاً، ترغب الصين بشكل ملائم في إبعاد الولايات المتحدة خارج منطقتها الآسيوية، أو على الأقل تقليل نفوذها، من أجل فرض هيمنة إقليمية تجعل كل الدول هناك مُعتمدة عليها.
ثانيًا، تسعى الصين عالميًا حيثما استطاعت لزعزعة مكانة الولايات المتحدة، إن لم يكن أخذ مكانها - في مناطق من بينها أجزاء رئيسية من أوروبا - عبر أساليب أهمها مبادرة الحزام والطريق.
أخيرًا، بات واضحًا أكثر من أي وقت مضى أن بكين تطمح عند حلول الذكرى المائة لتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 2049 لأن تصبح القوة الاقتصادية والسياسية، وربما العسكرية، المهيمنة في عصر باتت فيه الديمقراطيات قابعة في مكانها، بينما تشهد الأنظمة المستبدة حالة صعود.

تقول "أوريانا سكايلر ماسترو" أستاذة العلاقات الخارجية في جامعة جورج تاون إن "الصين تقوّض بشكل صريح نظام التحالفات الأمريكي في آسيا، مضيفة "وهذا أدّى لأن تنأى الفلبين بنفسها عن الولايات المتحدة، كما دعمت الصين موقف كوريا الجنوبية الداعي لاتباع نهج أقل حدّة تجاه كوريا الشمالية، ودعمت موقف اليابان الرافض للحمائية الأمريكية... تعمل الصين بشكل سافر لعسكرة بحر الصين الجنوبي...ولم تعد تقبل بأداء دور ثانوي إلى جنب الولايات المتحدة، وتسعى لتحدّي مكانة الولايات المنتحدة مباشرة في منطقة المحيط الهادئ-الهندي". لكن الوتيرة الأسرع لتمدّد النفوذ الصيني كانت خارج آسيا.

من الصعب المبالغة في تبيان أهمية مبادرة الحزام والطريق، التي قد يفوق تأثيرها تأثير "خطة مارشال" الأمريكية، التي لا تضاهي قيمتها المالية البالغة 13 مليار دولار، موارد وطموحات مبادرة الحزام والطريق. لقد جرى إطلاق هذه المبادرة فقط في العام 2013، وتقول تقديرات محافظة إن الصين أنفقت بالفعل 400 مليار دولار على مبادرة الحزام والطريق، ومن المتوقع إنفاقها مئات ملايين أخرى من الدولارات على مشاريع مع 86 دولة ومنظمة عالمية، من بينها مؤخرًا إيطاليا العضو في مجموعة السبعة الكبار.

وبالرغم من أن مبادرة الحزام والطريق هي مشروع تنموي، بيد أن فوائدها السياسية والأمنية للصين تزداد وضوحًا، سواء عبر دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي  تعارض إصدار بيانات خاصة بحقوق الإنسان ضد بكين، أو عبر دول إفريقية أو شرق أوسطية ربما ستكون أقل رغبة بمرور الوقت في منح الولايات المتحدة إمكانية استخدام أراضيها لأهداف عسكرية.

أخيرًا، يعتقد عدد متزايد من الخبراء أن الصين في ضوء المسار الراهن، ترغب في الحلول محلّ الولايات المتحدة بوصفها واضعة جداول الأعمال وصانعة القواعد.

يقول "برادلي ثاير" و"جون فريند"، مؤلفا كتاب "كيف تنظر الصين للعالم" الصادر عام 2018، في مقالة لهما، إنه بحلول عام 2040، ستظل المؤسسات الغربية كما هي، لكن مبادئها الليبرالية سيجري تمييعها بسبب إصلاحات تطلبها الصين. مع تزايد قوة الصين الاقتصادية، ومع اعتماد عدد متزايد من الدول في العالمين النامي والمتقدم على التجارة والاستثمارات الصينية، ستستخدم بكين أدواتها الاقتصادية الخاصة بفن إدارة الدولة للضغط على هذه البلدان للتخفيف من قيمها الديمقراطية وسياساتها الليبرالية أو التخلي عنها بشكل كامل".
 
لو تمكّنت الصين من تحقيق أهدافها التنموية المُعلن عنها بحلول الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي في عام 2021، وفي الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 2049، فإن اقتصادها سيكون أكبر من اقتصاد الولايات المتحدة بنسبة 40 بالمائة بحلول التاريخ الأول، وسيكون أكبر بثلاثة أضعاف بحلول التاريخ الثاني (حسب تعادل القوة الشرائية).

في ضوء هذه الرهانات المرتفعة، تكتسي الأسئلة الثانوية أهمية كبيرة. هل تمتلك بكين الموارد التي تمكّنها من تحقيق هذه الأهداف الكبيرة، وهل بمقدور الولايات المتحدة وأوروبا تعديل هذا المسارة؟
الإجابة على هذين السؤالين هي نعم، ولكن...

إن الشعور بالهوية الذي استيقظ مجددًا لدى قادة الصين هو أقوى بكثير مما تعتقد واشنطن. تمتلئ الأسواق المالية والعواصم السياسية الغربية بأشخاص قللوا في الماضي من شأن ديمومة صعود الصين.

مع ذلك، فإن تباطؤ اقتصاد الصين وخسارة الوظائف الصناعية ونظامها السياسي متزايد الاستبداد، يخلقون نقاط ضعف جديدة للصين. ثمة مستوى مرتفع من التململ وسط نخبة الصين التجارية وطبقتها السياسية ومستثمريها الأجانب.

لو أُتيح لمعظم دول العالم الخيار، فإنها ستظل ترغب في العيش ضمن نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة وليس الصين. ولكي يتحقق هذا الخيار، سيكون لزامًا على الولايات المتحدة وأوروبا تغيير المسار من ثلاث نواحٍ.
أولاً، سيتعيّن عليهما معالجة التحديات الداخلية التي جعلت نموذجيهما الديمقراطي والاقتصادي أقل جاذبية عالميًا.
ثانياً، سيكونان مضطرتين لإعادة تنشيط، وفي بعض الحالات، إعادة تشكيل الأنظمة المتعددة الأطراف التي أسساها عقب الحرب العالمية الثانية.
ثالثاً، يجب عليهما إيجاد طريقة للتعاون فيما بينهما للانخراط بصورة أوثق وأكثر فاعلية مع الصين من أجل صياغة المستقبل - أي التعاون مع الصين حيثما أمكن، والتنافس معها عند الضرروة.  




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق