فورين بوليسي | مسارات معقدة.. لماذا لم يعد من السهل التنبؤ بمستقبل العالم؟


١٩ أبريل ٢٠١٩ - ٠٨:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



يبدو أننا – كجنس بشري - نعيش فترة تحمل قدرًا كبيرًا من الغموض، حيث تختفي السمات المألوفة للمشهد السياسي، وليس من الواضح ما الذي سيأتي محلها. هل سيظل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي موجودًا في غضون السنوات الخمس أو العشر المقبلة، وهل سيظل على ما هو عليه الآن؟ وهل ستظل الولايات المتحدة تحارب خصومها الغامضين في أماكن بعيدة؟ وهل تتجه الصين للسيطرة على آسيا وربما العالم؟ وهل سيكتسح الذكاء الاصطناعي الوظائف قطاعًا تلو الآخر كما حدث في القطاع الاقتصادي؟ كم من مساحة الكوكب سيغمره الماء أو ستكون غير صالحة للسكن بسبب تغير المناخ؟ وكم عدد الملايين الذين سيبحثون عن ملجأ من الحرب أو الجريمة أو القمع أو الفساد أو التدهور البيئي؟ هل الاختلالات التي تصيب العديد من الديمقراطيات الثرية هي لحظة مؤقتة أم بداية الانزلاق نحو الديكتاتورية؟

أستطيع أن أسرد المزيد والمزيد، ولكنكم أدركتم مقصودي من هذه الفكرة. فدائمًا ما يكون التنبؤ صعبًا، لا سيما فيما يتعلق بالمستقبل، ولكن كان هناك وقت اعتقد فيه الكثير من الناس أنهم يعرفون بالضبط إلى أين نتجه. وبالعودة إلى أوائل التسعينيات، كان الكثير من الخبراء والأساتذة والسياسيين الأمريكيين واثقين من أنهم يعرفون ما يخبئه المستقبل، وكان الكثير منهم متفائلين بشأنه.

رأى مفكرون مثل "صموئيل هنتنجتون" و"روبرت كابلان" أيامًا قاتمة، لكن علماء مثل "فرانسيس فوكوياما"، وصحفيون مثل "توماس فريدمان"، وسياسيون مثل "بيل كلينتون"، اعتقدوا أن عالمًا جديدًا لامعًا من الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية قد يتلاشى، وسيجعل سياسات القوة على الطراز القديم بالية.

وفي أوقات مثل الزمن الحاضر، ربما يكون من المفيد التراجع وتذكير أنفسنا بمدى تغير العالم فعليًا – ومدى عدم تغيره. وإذا ما رجعت إلى ما لا يزيد عن 500 عام، والتي تعد بمثابة نقطة في تاريخ البشرية، فإن فكرة وجود نظام عالمي موحد لم تكن معروفة فعليًا. كان الأوروبيون يكتشفون أن أمريكا الشمالية والجنوبية موجودة، وكان معظم الناس غير مدركين تمامًا أن الإنسان العاقل عاش في جميع أنحاء العالم. كانت السياسة كليًّا محلية في ذلك الوقت. وكان النمو الاقتصادي في جميع أنحاء العالم متواضعًا للغاية لعدة قرون، وكان هناك 500 مليون شخص فقط على هذا الكوكب بأسره (مقارنة بما يقرب من 8 مليارات اليوم).

منذ ما يقرب من 200 عام، كانت الصين تمثل ثلث الاقتصاد العالمي، وكانت أوروبا كلها مجتمعة حوالي 25 %، وبدت الولايات المتحدة غير ذات أهمية، إذ تمثل 2 % فقط. ثم انطلقت أوروبا– مدفوعة بالثورة الصناعية – وبحلول عام 1900 أصبحت تمثل 40 % من الاقتصاد العالمي وموطنًا لأقوى القوى العسكرية في العالم. تراجعت حصة الصين إلى حوالي 10 %، وكانت الولايات المتحدة تتوسع بنشاط في أنحاء أمريكا الشمالية وتنمو بسرعة بحيث أصبحت أكبر اقتصاد في العالم (وقوة عظمى شرعية) في قرن واحد فقط. كذلك فقد بدأت اليابان أيضًا في الانطلاق، بعد نهضة ميجي، وبدأت تلقي بثقلها في آسيا.

ثم ماذا حدث؟ خاضت القوى العظمى في أوروبا حربين عالميتين مريعتين. خاضت الولايات المتحدة كلتيهما متأخرةً وعانت أقل الأضرار، وبرزت كأقوى دولة في العالم بفارق كبير. كذلك بات الاتحاد السوفيتي قوة صناعية وعسكرية حديثة– على الرغم من أن اقتصاده لا يزال يتخلف عن أمريكا كثيرًا - وفي الفترة من 1945 إلى 1989، شنت الدولتان العظمتان حربًا باردة عالمية لا هوادة فيها، كلفت تريليونات الدولارات وقتلت ملايين الأشخاص في الحروب بالوكالة. إلا أن الولايات المتحدة ونظام تحالفها أثبتت أنها أقوى وأكثر مرونة من حلف وارسو، ومع ذلك، انهار الاتحاد السوفيتي في نهاية عام 1991. استيقظ قادة الولايات المتحدة ليجدوا أنفسهم "في ذروة السلطة" مع "أندر فرصة لتشكيل العالم ... ليس فقط لصالح الولايات المتحدة ولكن لجميع الأمم أيضًا"، كما كتب مستشار الأمن القومي السابق "برنت سكوكروفت" عن التجربة. وهذا بالضبط ما حاولوا القيام به منذ ذلك الحين، وإن لم يكن بنجاح كبير.

وهناك تطوران آخران يستحقان تسليط الضوء عليهما:
الأول: بعد وفاة "ماو تسي تونج" عام 1976، تخلى خلفاؤه عن معظم مبادئه واحتضنوا سياسة السوق، وانطلقت الصين. حيث أصبحت الآن الاقتصاد رقم 2 في العالم والمنافس الوحيد المحتمل لأميركا.
 الثاني: اتضح لنا أننا البشر كان لنا تأثير هائل على البيئة العالمية، بما في ذلك ارتفاع غير قابل للتراجع ومدمّر في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية. ووفقًا للصندوق العالمي للطبيعة، فقد انخفض عدد الثدييات والطيور والأسماك والزواحف والبرمائيات في المتوسط ​​بنسبة 60 %  (!) منذ عام 1970، وذلك في معظمه بسبب ما يفعله البشر.

ما أريد توضيحه هو أن السنوات الـ 500 الماضية شهدت تحولات هائلة في ميزان الثروة والسلطة في جميع أنحاء العالم، جنبًا إلى جنب مع تغييرات كبيرة في المواقف السياسية والبيئية التي نعيش فيها جميعًا. وكان الكثير من هذه التغييرات غير متوقع على الإطلاق.

وكما أشرت في مقال سابق، كان عالم عام 1978  مختلفًا تمامًا عن العالم الذي نعيش فيه اليوم. كان هناك ألمانيا، كان حلف وارسو سليمًا، وكان الاتحاد السوفيتي– وليس الولايات المتحدة– هو من دخل المستنقع الأفغاني. لم يكن لدى كوريا الشمالية وباكستان أية أسلحة نووية، لكن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كان لديهما أكثر من 50 ألف.

وقد انضمت المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي قبل ذلك بست سنوات، وكان لكل دولة أوروبية قيود على العملة والحدود. كما بدت ممارسة الجنس مع المثليين غير قانونية في العديد من الدول، ولم يكن يسمح بزواج المثليين في أي مكان. وكان الاقتصاد الياباني ينمو مثل رجال العصابات، وكان أساتذة جامعة هارفارد يكتبون كتبًا تحمل عناوين مثل: اليابان تحتل المرتبة الأولى. وكان للولايات المتحدة أكثر من 200 ألف جندي في أوروبا، ولا يكاد يوجد لها في الشرق الأوسط أي جنود. وكانت جنوب إفريقيا يحكمها نظام فصل عنصري، ولم يكن لدى أي أحد فكرة أن التغير المناخي يحدث، وكانت لا توجد أجهزة كمبيوتر شخصية أو هواتف محمولة أو إنترنت أو سبوتيفاي أو فيسبوك أو بريد إلكتروني أو حتى أقراص مدمجة.

وباتت التكلفة كبيرة جدًا إذا ما أجريت اتصالا من الولايات المتحدة لمكان بعيد؛ ما يجعل المرء ينتظر حتى الساعة 11 مساءً؛ للاستفادة من انخفاض تكلفة المكالمات. وإذا سافرت إلى الخارج، بقيت على اتصال مع الأصدقاء والعائلة ليس عن طريق فيسبوك أو فيستايم أو سكايبي، بل عن طريق كتابة الرسائل على الورق. وكان يمكنك أيضًا التدخين على الطائرات وفي المطاعم وداخل معظم المباني العامة، وكان تدخين الحشيش في أي مكان في الولايات المتحدة يمكن أن يزج بك في السجن. وكان الفحص الأمني ​​في المطارات في حده الأدنى.

ولم يكن هناك سوى ثلاث شبكات تلفزيونية في الولايات المتحدة (بالإضافة إلى التلفزيون العام)، وكان برنامج "ساترداي نايت لايف" (Saturday Night Live) جديدًا ومضحكًا. وكانت هناك 18 امرأة في مجلس النواب (من أصل 435 عضوًا) وثلاث نساء فقط في مجلس الشيوخ، ومن بينهن أرملتان جرى تعيينهما لملء أماكن زوجيهما المتوفيين.

ومن هذه الأفكار أستخلص درسين كبيرين:
أولاً: يمكن أن يتغير الكثير ونحن في عجلة من أمرنا. قد يكون هناك الكثير من السلوكيات المتكررة في السياسة العالمية – صعود وسقوط الأمم، وأشكال التوازنات، واندلاع الحروب والانتصار فيها، وما إلى ذلك– لكن فهم السياسة العالمية اليوم يتكون في الغالب من معرفة كيفية الجمع بين السمات الجديدة والعناصر المألوفة.

ثانيًا: أدهشتني الدرجة التي يتحقق بها التغيير، لا سيما صعود أو سقوط الدول المختلفة، ليس من خلال قوى اجتماعية مجهولة ولكن من خلال أفعال محددة لاختيار سياسي. ولا شك أن السمات الهيكلية الكبيرة، مثل السكان والجغرافيا مهمة، لكن مصير الأمم غالبًا ما يتم تحديده كثيرًا– أو أكثر– من خلال الخيارات التي تتخذها.

لقد عجّلت القوى الأوروبية العظمى بأفولها من خلال خوضها الحروب المدمرة ذاتيًا، والغزو السوفيتي لأفغانستان، وانتخاب فنزويلا للرئيس هوجو شافيز، وغزو العراق عام 2003، والتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهي جميعًا جروح هائلة تسببت فيها الدول لنفسها، كانت بعيدة عن الحتمية.

تُذكّرنا مثل تلك الحماقات بأن الأمور يمكن أن تتدهور بشكل سريع، حتى بالنسبة لأولئك الذين يتمتعون بمواقع جيدة.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق