ناشيونال إنترست | توسع مُحتمل.. ما هو مستقبل عمل التنظيمات الإرهابية في جنوب آسيا؟


٠٢ مايو ٢٠١٩ - ٠٤:٥٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



تمتلك منطقة جنوب آسيا واحدة من أعلى التركيزات الإقليمية للجماعات المسلحة في العالم, وتشمل بعض الجماعات الجهادية المطلوبة بشدة من الولايات المتحدة مثل تنظيم القاعدة, وشبكة حقاني, وحركة طالبان ولشكر طيبة. قبيل الانسحاب الأمريكي المتوقع من أفغانستان, أعلنت جماعة جيش محمد مسئوليتها عن الهجوم على قوة الشرطة الاحتياطية المركزية الهندية في مقاطعة بولواما بكشمير، وهو ما أحيا المخاوف المتعلقة بارتفاع خطورة وفتك الجماعات المسلحة في جنوب آسيا.

لقد كشف هجوم بولواما مجددًا ضعف الخصمين النوويين في جنوب آسيا, وهما الهند وباكستان, أمام الابتزاز الإرهابي, عن طريق دفعهما إلى حافة الحرب. تؤكد الآثار الناتجة عن الهجوم على مرحلة جديدة من النزعة القتالية في إقليم كشمير الذي يتفشى فيه العنف وأعمال عدائية متجددة بين الهند وباكستان. وفي ظل غياب إطارات عمل مشتركة لمكافحة الإرهاب والتطرف على المستوى الإقليمي, سوف تواصل الجماعات المسلحة الجنوب آسيوية استغلال العداوات وانعدام الثقة بين الدول لتوسيع وترسيخ وجودها في المنطقة.  

لماذا يُعدّ هجوم بولواما بكشمير مهمًا؟
إن توقيت هجوم بولواما له دلالة؛ فقد جاء قبل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بما يشير إلى انتعاش جماعات مثل جيش محمد, التي تمتلك 25 ألف إلى 35 ألف مسلح مُدرَب, وعودتها إلى كشمير. منذ هجوم قاعدة باثانكوت الجوية 2016, زاد جيش محمد من تواجده وأنشطته في كشمير بثبات. بعد أن شهد العنف وتجنيد المسلحين تراجعًا في الفترة بين 2008 و2013, عادا ليرتفعا في كشمير منذ 2015. ارتفع عدد المسلحين المقتولين في كشمير من 130 في 2016 إلى 200 في 2017 و240 في 2018. وفي أول شهرين من 2019, قُتل 31 مسلحًا في كشمير.  

علاوة على هذا, كان هجومًا على أهداف بارزة وتسبب في خسائر كبيرة. عن طريق سيارة مفخخة ضمن قافلة الشرطة الاحتياطية المركزية الهندية في منطقة منزوعة السلاح, أظهر جيش محمد قدرته على إيجاد ثغرات في الترتيبات الأمنية وخبرته المرتفعة في إعداد السيارات المفخخة. جذب جيش محمد أيضًا تغطية إعلامية واسعة النطاق عقب الهجوم وهو ما منح الجماعة شعبية. وللمرة الثانية, استغل جيش محمد بنجاح العلاقات العدائية بين الهند وباكستان لإثارة الحرب بينهما. كان الانتحاري عادل راشد دار مواطنًا كشميريًا جنده جيش محمد عن طريق التلاعب بغضبه وسعيه للانتقام من الدولة الهندية من أجل خدمة أجندة "تحرير" كشمير.  

لقد أعادت الضربات الجوية الانتقامية الهندية على معسكرات مزعومة لجيش محمد داخل الأراضي الباكستانية تحديد الحد الأدنى للصراع. في 1999, حتى في ذروة أزمة كارجيل بين الدولتين, لم تعبر القوة الجوية الهندية خط السيطرة. تشير الضربات الجوية الهندية إلى نقلة نوعية في الموقف الهندي من استراتيجية الردع بالرفض إلى الردع بالعقاب. بناءً على هذا, سوف يؤدي هذا إلى توازن غير مستقر جديد, والذي سيخفض الحد الأدنى للصراع المحدود بين الهند وباكستان على كشمير. بالإضافة إلى هذا, غياب الآلية العملية لإدارة الأزمة بين الهند وباكستان يزيد من احتمالية الصراع المحدود.

إن رد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على هجوم بولواما وآثاره وثيق الصلة بالموضوع. فبدلًا من حث الهند وباكستان على الإحجام عن التصعيدات؛ للمرة الأولى, أقرت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بحق الهند في الدفاع عن النفس وأكدوا على عدم التصعيد فقط عقب الضربات الجوية الهندية على معسكرات جيش محمد المزعومة في بالاكوت. باستثناء الصين, لم تشجب أي دولة أخرى انتهاك الهند للسيادة الباكستانية. هذا سيكون له تداعيات طويلة المدى على الاستقرار الاستراتيجي وتوازن القوة في جنوب آسيا. شهد هجوم بولواما أيضًا ظهور محاورين جدد في التوترات الهندية-الباكستانية مثل الصين, والإمارات والسعودية.

مشهد الجماعات المسلحة في جنوب آسيا بعد خروج الولايات المتحدة من أفغانستان
بعد التدخل في أفغانستان في 2001, كوّنت الولايات المتحدة تحالفًا لمكافحة الإرهاب مع باكستان من أجل تعقب واصطياد بقايا تنظيم القاعدة في المنطقة الحدودية الأفغانية-الباكستانية. ولكي تضمن التعاون الباكستاني السلس والمستمر, من ضمن أمور أخرى, سهلّت الولايات المتحدة اتفاقية لوقف إطلاق النار على الحدود بين الهند وباكستان في 2003. تطلبت الاتفاقية من باكستان أن تكبح الإرهاب الحدودي في كشمير وتتخذ إجراءً ضد الجماعات المسلحة التي تستهدف الهند على أراضيها مقابل تطبيع العلاقات من طرف الهند.

إن الانسحاب الأمريكي المتوقع سيجعل مشهد الجماعات المسلحة المتشعب والمعقد في جنوب آسيا أكثر عنفًا وخطورة وأقل قابلية للتنبؤ. إن العديد من العوامل مثل الحدود سهلة الاختراق, والتوافر السهل للأسلحة, والاستقطاب الديني المتزايد, والبطالة والعداوات بين الدول التي تشمل حروبًا بالوكالة ومنافسة جيوسياسية سوف تمكن الجماعات الإرهابية ذات البيئة المواتية من توسيع وزيادة تواجدها.

سوف يخلق الخروج الأمريكي المحتمل من أفغانستان رواية انتصار جديدة لحركة طالبان الأفغانية, وهو ما سيشجع الجماعات الجهادية الجنوب آسيوية وسيُكسبهم مجندين جدد وتمويل. إذا حدث هذا, سيكون بمثابة إعادة لما حدث في أواخر الثمانينيات عندما هزمت جماعات المجاهدين الأفغانية الاتحاد السوفيتي السابق. وعقب التدخل الأمريكي في أفغانستان في 2001, تخلت العديد من الجماعات الجهادية عن أجنداتها وأرسلت مقاتليها إلى أفغانستان لمساعدة طالبان الأفغانية على قتال الولايات المتحدة. انضمت بعض فصائل هذه الجماعات أيضًا إلى جماعات مرتبطة بالقاعدة, مثل جند الله وطالبان البنجابية. سوف تستخدم هذه الجماعات أفغانستان كمنصة إطلاق من أجل إعادة تجميع وإشراك نفسها في صراعات محلية مختلفة في جنوب آسيا بحماس جديد.

الطريق للأمام
على مستوى السياسة, رد باكستان على مسلحي جيش محمد وشبكته المعقدة حاسمًا. سوف تكون الإجراءات الحركية ضد الجماعات المسلحة مثل العقوبات, والاعتقالات والحملات الأمنية المشددة نافعة فقط في المدى القصير. والإجراءات غير الحركية مثل خلق رواية أيديولوجية مضادة وخطة شاملة لمكافحة التطرف وإعادة التأهيل ستكون ضرورية بنفس القدر من أجل خلق محفزات لأعضاء جيش محمد لكي يبتعدوا عن النزعة القتالية. لكن السؤال الأكبر هو كيف ستخلق باكستان رواية أيديولوجية مضادة ضد جيش محمد دون التنازل فيما يتعلق بموقف الدولة المشابه حول كشمير؟ علاوة على هذا, إعادة تأهيل عدد ضخم من المسلحين (25 ألف إلى 35 ألف) سوف تحتاج للكثير من الوقت, والموارد وإرادة سياسية قوية من الجيش الباكستاني وقيادة سياسية. في 2002, عندما حظر نظام الجنرال برويز مشرف العسكري جيش محمد واتخذ إجراءً ضد كوادره, ثأرت الجماعة بمحاولتي اغتيال له إلى جانب تنفيذ عدة هجمات على أهداف بارزة داخل باكستان. لذلك في حالة بدء جولة أخرى من الحملات الأمنية المشددة على جيش محمد, لا يمكن استبعاد رد الفعل العنيف. وإضافة لهذا, إذا تفرق جيش محمد نتيجة للحملات الأمنية المشددة, ربما ينجذب بعض أعضائه إلى جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية ولاية خراسان, أو تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية أو طالبان باكستان.

على عكس المناطق الأخرى مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا والاتحاد الأوروبي, جنوب آسيا لديها آليات إقليمية محدودة لمواجهة الإرهاب ومنعه. وعلى الرغم من التحديات الهائلة, التعاون لمكافحة الإرهاب في جنوب آسيا محوريًا من أجل التغلب على تحدي النزعة القتالية والإرهاب. ونظرًا للطبيعة الإقليمية للإرهاب, فإن ردود مكافحة الإرهاب التي ترتكز على الدولة ستحقق نتائج محدودة وقصيرة المدى في جنوب آسيا. في أغسطس 2018, شاركت الهند وباكستان في مناورة مكافحة الإرهاب "مهمة السلام 2018" في روسيا تحت رعاية منظمة شنغهاي للتعاون. لذلك, يمكن تصور ترتيب مماثل تحت إطار عمل رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي.

يمكن أن تشكل الهند وباكستان جبهة مشتركة ضد الجماعات مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية ولاية خراسان, ثم يمكنهما أن يوسعا تلك الجبهة لاحقًا لتشمل جماعات أخرى مثل لشكر طيبة وجيش محمد. ينبغي إقامة منتدى إقليمي للتعاون له الخبرة والسلطة المطلوبة لكي يسوي الخلافات التي تعيق التعاون في مجال مكافحة الإرهاب. سيكون المنتدى مفيدًا أيضًا في إزالة عدم الثقة وإقامة علاقات عاملة بين مسئولي مكافحة الإرهاب في دول مختلفة. ينبغي أن يشكل منتدى مكافحة الإرهاب المشترك قوات مهام مختلفة لتنسيق الجهود المختلفة من أجل كبح التجنيد, والتمويل والحركة عبر الحدود. يجب أيضًا منح انتباه مماثل لمشاركة المعلومات والمعلومات الاستخباراتية, وبرامج التدريب المشتركة, وإنفاذ القانون, وحراسة الحدود والعمليات.

ومن دون التعاون بين الهند وباكستان, ستظل هذه المبادرات مضللة؛ سيكون على الهند وباكستان, بعيدًا عن لعبة إلقاء اللوم, مناقشة التحديات الأمنية الناشئة من الجماعات الإرهابية التي تعمل في المنطقة. إن موقف الهند الهجومي من باكستان عندما تقع هجمة إرهابية على أراضيها يبقى ساذجًا بصورة مفرطة ويخاطب جزءًا ضئيلًا فقط من التحدي الأمني الأكبر الذي يستلزم جهودًا مشتركة منسقة ومتواصلة.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق