ذى أتلانتيك | الدرس الإندونيسي..كيف يمكن القضاء على الفساد إذا كان الجميع فاسداً؟


٠٥ مايو ٢٠١٩ - ٠٤:٣٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



يمثل الفساد السياسي أحد حقائق الحياة في العديد من الدول، وقد يكون من الصعب السيطرة عليه؛ حيث يكون أسوأ المجرمين، بحكم طبيعتهم، هم من أقوى الشخصيات في مجتمعاتهم. ويدين الكثير من ضباط الشرطة ووكلاء النيابة والقضاة – الذين قد يحتجزونهم – بوظائفهم إلى هؤلاء الأفراد نفسهم؛ ما يجعلها مشكلة شائكة، حتى بالنسبة للدول ذات المؤسسات العامة المتطورة.

إذن؛ ما هو شكل حملة مكافحة الفساد عندما يكون الجميع فعليًا فاسدًا؟
كان الفساد في إندونيسيا متفشيًّا على مدى عقود، ووفقًا للتصنيف الأولي لمنظمة الشفافية الدولية لعام 1995 بشأن مظاهر الفساد في الدول، جاءت إندونيسيا في المقدمة، ولكن في العام الماضي، احتلت المرتبة 89 من أصل 180 دولة، وهي المرة الأولى التي تصنف فيها في النصف الأقل فسادًا في القائمة.

فما هي الدروس التي يمكن أن نتعلمها من إندونيسيا؟
عندما تنحى الديكتاتور الإندونيسي سوهارتو عن السلطة في عام 1998، ترك إرثًا من الفساد انتشر في كل مستويات المجتمع. وتشير التقديرات إلى أنه سرق نحو 35 مليار دولار خلال العقود الثلاثة التي قضاها في السلطة لينال بذلك لقب أكثر زعماء العالم فسادًا. وقد سار على نهجه الوزراء الذين كانوا يوزعون أموال المشاريع في المكاتب المذهبة على رجال شرطة المرور الذين يتلقون الرشاوى في زوايا الشوارع المتربة؛ ولذلك فنادرًا ما فتحت الشرطة تحقيقًا حتى في أوضح حالات الكسب غير المشروع، ونادرًا ما رفع المدعون قضية حتى في أكثر القضايا ربحًا إلى المحكمة.

وفي عام 2002، أنشأت البلاد لجنة القضاء على الفساد، والتي تعمل بالتوازي مع الشرطة ومكتب المدعي العام، وتم تكليفها بسلطة بالتحقيق مع أي موظف عام وملاحقته قضائيًّا إذا ثبت تورطه في أي نوع من أنواع الفساد.

وتقع مهمة تقديم أشخاص جدد للمحاكمة على كاهل أشخاص مثل "فرديان نوغروهو"، المدعي العام لإحدى المدن الهادئة الواقعة في مقاطعة جاوا الوسطى، والذي يشعر بالملل من ملاحقة  صغار المجرمين ويتوق إلى تحدٍّ أكبر. حيث تمكن   من اصطياد سمكة أكبر، فبعد عدة سنوات من انضمامه إلى لجنة القضاء على الفساد، تمكن من الإطاحة بأحد رموز الفساد ويدعى "فؤاد أمين أمرون"، الذي يشغل منصب الوصي (وهو منصب بين رئيس البلدية والحاكم) في جزيرة مادورا، والذي اختلس أكثر من 42 مليون دولار.

ويقول نوغروهو: "كانت النقود محشوة في كل مكان.. حقائب بعضها فوق بعض.. في الخزانة، وأسفل السرير"، ولكن ذلك كان مجرد جزء صغير من المبلغ. فهناك الكثير من الفواتير التي تصل محصلتها إلى 200 ألف دولار، ومع المزيد من التحقيقات جرى الكشف عن عقارات بقيمة 28 مليون دولار، و14 مليون دولار أخرى في حسابات مصرفية بأموال مغسولة.  يذكر أن فؤاد أمين كان حفيد أحد أكثر العلماء المسلمين احترامًا في البلاد، وكان جده المرشد الروحي لمؤسس أكبر منظمة إسلامية في العالم [جمعية نهضة العلماء]. ويقول نوغروهو: "كان الناس يحترمونه .. ولكنهم كانوا يخافونه".

تتمتع مادورا بشهرة مماثلة لشهرة صقلية: فأهلها صريحون ومباشرون ولا يعارضون تسوية النزاعات بالعنف. ففي عام 2015، تم تصفية أحد موظفى منظمة غير حكومية الذي بدأ يبحث وراء أعمال الوصي. وكان قاتله المزعوم منتم لنفس الحزب السياسي التابع له الوصي، وحُكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر فقط، وفقًا لما صرح به نوغروهو.

طوال عشر سنوات، كان الجميع في حي فؤاد أمين يعرفون ما يخطط له، ولم يبلغ أحد السلطات المركزية. فقط بعد تقاعد الوصي (ومنح منصبه بطبيعة الحال لابنه) تجرأ أحدهم في النهاية وامتلك الشجاعة للاتصال بالخط الساخن للجنة القضاء على الفساد. وحُكم على فؤاد أمين في عام 2017 بالسجن لمدة 13 عامًا، وتمت مصادرة ممتلكاته.

ورغم مثل هذه النجاحات، لا تزال أعمال مكافحة الفساد خطيرة. ففي ربيع عام 2017، بينما كان "نوفل باسويدان"، أحد محققي لجنة القضاء على الفساد، عائدًا إلى منزله من أحد المساجد، قام بلطجي يقود دراجة نارية بإلقاء الحمض على وجهه. ونجا باسويدان، لكنه فقد عينه. وخارج مقر لجنة القضاء على الفساد، تَعْرضُ لوحةٌ إعلانية صورة لوجهه المشوه وتحسب الأيام والساعات والدقائق والثواني التي مرت دون تقديم مهاجمه للعدالة. الرسالة واضحة: قد لا تتمكن لجنة القضاء على الفساد من الحفاظ على سلامة موظفيها، لكنها لن تسمح بتجاهل تضحياتهم.

ماذا يمكن أن نتعلم من لجنة القضاء على الفساد؟ أشار نوغروهو إلى ثلاثة عوامل تجعل منظمته أكثر فاعلية من غيرها:
أولاً، استقلالها. حيث أكد أنه: "لا أحد يتدخل في عملنا.. فلم يسبق أن طُلب مني أحد أن أتراجع عن قضية ما".
ثانيًا، سلطاتها الاستثنائية. حيث قال بفخر: "يمكننا التنصت على أي موضوع نرغب فيه، دون إذن من القضاء.. حتى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي لا يمكنه القيام بذلك!". الأساس المنطقي لمثل هذه الحرية هو أن القضاء الإندونيسي نفسه فاسد؛ فالقضاة يخضعون لتحقيقات لجنة القضاء على الفساد.
ثالثًا، استعداد لجنة القضاء على الفساد لملاحقة الأهداف عبر الطيف السياسي. ويوجد في إندونيسيا 10 أحزاب كبيرة بما يكفي للفوز بمقاعد في الهيئة التشريعية الوطنية، بالإضافة إلى الكثير من الأحزاب الصغيرة.  وقد رصد رادار لجنة القضاء على الفساد معظم الأحزاب الكبرى.

إن الشفافية وعدم التحيز التي تتبعها اللجنة ما زالت موضع خلاف، لكن حتى أحد المسئولين المنتخبين السابقين الذين تحدثت إليهم، والذي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه يقضي حاليًا عقوبة السجن في أعقاب تحقيق لجنة القضاء على الفساد، أيد على مضض شفافيتها.

وبالنسبة للجنة المكلفة بمكافحة الفساد في بلد تستشري فيه هذه الظاهرة، فإن لجنة القضاء على الفساد لم تف دائمًا بهذا الالتزام. ففي عام 2010، على سبيل المثال، حُكم على رئيسها بالسجن لمدة 18 عامًا بسبب إصداره أمرًا قتل أحد زملائه في مجال الأعمال، الذي كان يبتزه بسبب علاقة غرامية خارج إطار الزواج.

بالإضافة إلى ذلك، يثير معدل الإدانة بنسبة 100٪ الكثير من التساؤلات: فهل المحاكمات والتحقيقات حقًّا عادلة؟ قال المسئول المنتخب السابق إن محاكمته لم تكن كذلك، حيث دبرتها وكالة الاستخبارات الإندونيسية، وأنه أدين بعد رفضه طلب القاضي بالحصول على رشوة. هل تملك اللجنة سجلًا مثاليًّا فقط لأنها تلاحق صغار الفاسدين؟ فهي ربما تتجاهل الأهداف الكبيرة. إن جزءًا  من صراع إندونيسيا مع القضاء على الفساد يكمن في حقيقة أن سوهارتو لم يقض يومًا واحدًا في السجن مطلقًا (توفي عام 2008). فمن الصعب تبرير الحملة القوية على البيروقراطيين الصغار مع ترك الكبار دون مساس.

ورغم ذلك، فإن أكبر مساهمة للجنة القضاء على الفساد قد تكون مجرد تحقيق قدر من المساءلة، مهما كانت غير مكتملة. فخلال السنوات التي عملت فيها اللجنة، ارتفعت إندونيسيا سنويًّا في تصنيف منظمة الشفافية الدولية، من أسفل القائمة إلى مستوى أعلى فأعلى، قبل أن تصل أخيرًا إلى منتصف المؤشر.

وبالمقارنة، ففي الولايات المتحدة اليوم، هناك عدد قليل جدًا من كبار المسئولين لم يُسجنوا إطلاقًا  بسبب الفساد. قد ينتهي المطاف بالنائب المنتخب، من بين المئات الذين يخدمون في أي وقت، في النادي الفيدرالي، ولكن فقط إذا كان مرتشيًّا وغير مكترث بشكل استثنائي. فلا يمكن لأي شخصية مهمة جدًا أن تتوقع أن تدان بأي شيء أكثر من غرامة ومراقبة. هذا ليس لأن السياسة الأمريكية نظيفة بشكل غير عادي، فمن الصعب القول بأن الإدارة الأمريكية الحالية كانت نموذجًا للعدالة، وبالفعل تحتل الولايات المتحدة المرتبة 22 فقط في مؤشر الشفافية الدولية.
إن التحدي الأكثر إثارة للحيرة هو رسم خط فاصل بين الفساد السياسي والسياسة كالمعتاد. وأثناء البحث وإعداد هذا المقال، وجدت أن اثنين من معارفي هنا في إندونيسيا قد جرى توقيفهما ومحاكمتهما وحُكم عليهما بالسجن إثر القضايا التي رفعتها لجنة القضاء على الفساد. إنني لا أتسكع مع مجموعة من الفاسدين المنحطين. أو– على الأقل– لا أعتقد ذلك. لكن في مجتمع  قد دفع فيه كل شخص تقريبًا لشخص ما آخر مقابل شيء ما – سواء كسر إشارة المرور، أو الحصول على تصريح بناء – من يستطيع أن يؤكد ذلك؟

ولا يمكن مقارنة الولايات المتحدة بإندونيسيا بأي حال من الأحوال. ولكن هذا لا يُعدّ سببًا كافيًا لرضا الإدارة الأمريكية عن نفسها. فعندما يتم التصالح مع الفساد السياسي، يمكن أن يصبح أمرًا طبيعيًّا بشكل سريع. كذلك لا تعد لجنة القضاء على الفساد مثالًا يحتذى به في الفضيلة، لا سيما في ظل التنصت على المكالمات الهاتفية دون إذن قضائي وتوظيف المجرمين المدانين. ومع ذلك، فإنها تقدّم دليلاً حيًّا على التدابير المتاحة للمساعدة في مواجهة السياسة القذرة.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق