فورين بوليسي: كيف خدع الهاكرز المؤيدون لإيران الصحافة الأمريكية وعلى رأسها فورين بوليسي


٢٢ مايو ٢٠١٩ - ٠٥:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس

للوهلة الأولى، يبدو أن المقال يمثل مساهمة حقيقية في هذه المجلة.. فورين بوليسي، ونشر المقال في يونيو 2017، حيث زعم أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق "مايكل هايدن" انتقد طرد الإخوان المسلمين وحماس من قطر تحت الضغط السعودي، وأن هايدن قال إن على الولايات المتحدة ألا تدع الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي عديم الخبرة، يفسد الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط.

لكن هذا المقال كان ملفقًا، وضعته شبكة معلومات مضللة مرتبطة بإيران تهدف إلى تشويه سمعة خصوم طهران في عملية إعلامية بدأت منذ عام 2016 ومستمرة حتى يومنا هذا. خلال تلك العملية الرائدة والدؤوبة، ابتكر عملاء إيران أكثر من 100 مقالة مزيفة في عشرات المجالات المختلفة، وكثير منها انتشر في وسائل الإعلام الحقيقية، وهي مقالات تهاجم المملكة العربية السعودية وإسرائيل وإيران، وفقًا لتقرير أصدرته مجموعة "سيتيزن لاب" البحثية يوم الثلاثاء.

للترويج لمقالاتهم، اعتمدت العملية على أشخاص لديهم حسابات مزيفة على تويتر تواصلوا مع الصحفيين والباحثين عبر الإنترنت وأرسلوا روابط إلى الصفحات المزيفة. وحددت  مجموعة "سيتيزن لاب" 11 شخصًا من هؤلاء. وكانت إحداهن، "منى عبدالرحمن"، الناشطة على تويتر، والتي وصفت نفسها بأنها "محللة وكاتبة سياسية"، ويبدو أنها ناشطة معادية للسعودية.

لم تعد مقالة فورين بوليسي المفبركة وعشرات المقالات على مواقع أخرى انتحلت أسماء مواقع أخبار حقيقية على الإنترنت. قام منشئوها بفبركة شبكة أخبار مزيفة خاصة بهم على الويب، ولا يمكن عرض ما تبقى إلا على الصفحات المؤرشفة عبر الإنترنت، ومثل هذه الصفحة، حيث يعرض مقال فورين بوليسي الملفق. حيث كرر الموقع المزيف موقع فورين بوليسي، غير أن المقال مليء بالأخطاء النحوية والإملائية.

وتمثل شبكة المعلومات المزيفة المذكورة في تقرير الثلاثاء تقدمًا ملموسًا في فهم كيفية قيام دول أخرى غير روسيا، التي يركز عليها الكثيرون في واشنطن بسبب تدخلها في انتخابات 2016، باستخدام الدعاية والمعلومات المضللة لترويج ما يرغبون من تقارير وأخبار عبر الإنترنت.

وقال "بن نيمو"، الباحث في مختبر أبحاث الطب الشرعي الرقمي التابع للمجلس الأطلنطي، : "إذا وضعت هذه العملية مع جميع العمليات الإيرانية الأخرى التي رأيناها بالفعل، فإن إيران تبرز كلاعب رئيس في مجال الترويج للأخبار المفبركة، مثل روسيا، ولا يبدو أنها ستتراجع".

وأضاف "في حين أن" العمليات الإيرانية الأولى كانت غير متقنة نسبيًا، واستخدمت وسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه المستخدمين نحو مواقع الويب التي أعادت نشر محتوى النظام "، إلا أن هذه العمليات أصبحت الآن أكثر تطورًا بشكل متزايد حيث يقوم العملاء القائمين عليها بتجربة منهجيات جديدة لنشر الرسائل المؤيدة لإيران.

وحذر معدو تقرير الثلاثاء من أنهم لا يستطيعون أن ينسبوا الحملة بشكل قطعي للهاكرز الذين يعملون لصالح إيران وخلصوا  إلى "أن إيران أو جهة فاعلة منحازة لإيران" هي التي تنظم هذه الحملة. فيما تعذر التعرف على هويات الأفراد الذين يديرون الشبكة، لكن الرسائل التي ينشرونها عبر الإنترنت تصطف باستمرار مع المصالح والدعاية الإيرانية.

وتفتح الحملة المؤيدة لإيران آفاقًا جديدة باستخدام تكتيك يطلق باحثو "سيتيزن لاب" عليه مصطلح  "معلومات مضللة سريعة الزوال". يقوم العملاء بإنشاء صفحات ومواقع إخبارية مزيفة ونشر مقالات مزيفة ثم حذف الصفحات بمجرد أن تبدأ وسائل التواصل الاجتماعي في التقاط المقالات. ويبدو أن هذا التكتيك يهدف إلى ضخ التقارير والأخبار  الكاذبة في النظام البيئي للمعلومات ثم حذف الأدلة الأساسية للبنية التحتية القائمة على نشر الأخبار المزيفة.

وفي إشارة إلى هذا التواجد سريع الزوال على الإنترنت، أطلق "سيتيزن لاب" على الحملة اسم "Endless Mayfly"، في إشارة إلى حشرة ذبابة مايو التي لا يدوم عمرها أكثر من 24 ساعة.

وفي تحليل للحملة، قال مدير "سيتيزن لاب" رونالد ديبرت: .من خلال الظهور ثم الاختفاء عبر الإنترنت، "يبدو أن مشغلي هذا التكنيك  "Endless Mayfly " يعتمدون على اهتمام مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الذي يدوم لفترة قصيرة، وميلنا إلى الوثوق بالعناوين الرئيسية المرتبطة بمصادر موثوق بها، بدلاً من البحث بشكل أعمق للتحقق من الحقائق كاملة ".

وقد حدد "سيتيزن لاب" نحو 72 نطاقًا مزيفًا للأخبار، اعتمدت جميعها على تكتيك مألوف لدى هاكرز الإنترنت لانتحال صفة أهدافهم، ويشتمل على:  خطأ في الكتابة، حيث نشرت المقالات الأربعة المزيفة  التي نسبت لمجلة فورين بوليسي والتي فبركتها حملة "Endless Mayfly" على نطاقين تم كتابتهما بشكل خاطئ وهما: ( Foreignpoilcy [.] com ) و ( foriegnpolicy [.] net ). كذلك فقد استخدم الهاكرز أيضًا تقنية تُعرف باسم "punycode"، والتي تسمح بتسجيل أسماء النطاقات الدولية، لإنشاء مواقع شبيهة.

تقدم مقالات فورين بوليسي الملفقة الأخرى لمحة عن الرسائل المفضلة للحملة، والتي تميل إلى تشويه سمعة المملكة العربية السعودية، ومنها  ادعاء أن ابنة الرئيس الأمريكي "إيفانكا ترامب" لا يمكنها  تصديق عدم قدرة المرأة على القيادة في السعودية، بالإضافة إلى خبر يحتوى على وثائق تم الإفراج عنها تكشف عن دعم السعودية لتنظيم داعش، وادعاء أن الرياض ألغت صفقة أسلحة مع تركيا بسبب علاقات الأخيرة مع قطر.

وبالنظر إلى الطبيعة المؤقتة للحملة، من الصعب تقييم ما إذا كانت قد نجحت أم لا، لكنها لم تحقق انتصارات ملحوظة. ففي عام 2017، قام الهاكرز القائمون على حملة Endless Mayfly بإنشاء موقع على أنه النسخة السويسرية من موقع  Local، وهو موقع إخباري أوروبي به منافذ في العديد من الدول، ونشر مقالًا مزيفًا على موقعه يزعم أن ست دول عربية طالبت بمنع قطر من استضافة كأس العالم 2022.

ووقعت رويترز ومجموعة من المواقع الإخبارية الدولية الأخرى في الفخ ونشرت الخبر، ثم تراجعت رويترز لاحقًا وسحبت الخبر.

وفي نجاح آخر للحملة، نشرت المواقع اليمينية المتطرفة الفرنسية تقريرًا مفبركًا يزعم أن صحيفة Le Soir، البلجيكية التي تصدر باللغة الفرنسية، نشرته حيث تدعي فيه أن السعودية تدعم تمويل الحملة الرئاسية للمرشح آنذاك "إيمانويل ماكرون". وسارعت "ماريون ماريشال لوبان"، عضو البرلمان عن الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة و ابنة شقيقة مارين لوبن، رئيسة الجبهة، بنشر الرابط على حسابها على تويتر.

في حين كان من السهل اكتشاف بعض الأخبار المزيفة، إلا أن البعض الآخر كان أكثر صعوبة، حيث مزج بين الحقيقة والخيال لجعل الأخبار المزيفة أكثر واقعية وقابلة للتصديق. إذ ادعت صفحة حكومية ألمانية مفبركة بأنها نقلت عن المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" قولها: "ألمانيا ستكون أول دولة تفضل مصالحها وأمنها القومي على رشاوى السعودية"، وهي أخبار كانت ستصدر عناوين الأخبار إذا كانت صحيحة. ولكن هناك خبر آخر على نفس الصفحة، نسب المقولة إلى نائب المستشار آنذاك، سيجمار جابرييل، وكان الخبر دقيقًا.

وبحلول عام 2017، كانت الصفحات المزيفة تشهد نجاحًا متواضعًا، وقد حولت العملية المعلومات المضللة إلى منصات النشر الذاتي مثل Medium و BuzzFeed.

بعد نشرها، تم تضخيم العديد من هذه المقالات المفبركة عن طريق شبكة إعادة نشر، تم إغلاق جزء كبير منها في أغسطس 2018 حين أعلنت مواقع Facebook و Google و Twitter أنها أغلقت مجموعة من المواقع التي تعمل، بالتنسيق فيما بينها، لنشر البروباجندا الإيرانية .

بينما يبدو أن هذا الإغلاق قوض قدرة العملية على نشر صفحات الأخبار المزيفة الخاصة بها، إلا أن أجزاء من شبكة إعادة النشر لا تزال نشطة، وفقًا لتقرير مجموعة "سيتيزن لاب".

وعلى الرغم من انكشافها وطردها من العديد من المنصات الرئيسية، يعتقد الباحثون أن عملية التضليل لا تزال مستمرة وتعمل بنشاط.

وقال "لي فوستر"، محلل عمليات المعلومات في شركة FireEye للأمن: "ما زلنا نرى أصولًا جديدة تم إنشاؤها لدعم هذا النشاط، مما يشير إلى أن الجهات الفاعلة المسئولة لا تتعرض للردع بسبب التشهير العلني أو بسبب إغلاق منصات النظام لحساباتها.. إنهم يواصلون السعي للتأثير على الجماهير داخل الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى فيما  يتعلق بالمصالح الإيرانية."

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق