ناشيونال إنترست| سياسات روسيا الاقتصادية القوية


٢٣ مايو ٢٠١٩ - ٠١:١٢ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد
في العام الماضي, احتجّ الروس في أنحاء البلاد على تشريع رفع سن المعاش من 55 إلى 60 للنساء ومن 60 إلى 65 للرجال, لكن الرئيس فلاديمير بوتين وقّع على تحويله إلى قانون في شهر أكتوبر. وردًّا على هذه التغييرات, بات الرئيس يحظى بنسبة تأييد تبلغ 64% بعد أن ربح 77% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية في مارس 2018. بالنسبة إلى الكثيرين في الولايات المتحدة الذين يلاحظون روسيا فقط عندما تتدخل في الانتخابات أو تؤكد وجودها في أماكن، مثل أوكرانيا أو سوريا, مثّل هذا الاضطراب في السياسة الداخلية مفاجأة للكثيرين.

لحُسن الحظ, بالنسبة لمن لا يتابعون هذه القضايا بانتظام, يقدّم كريس ميلر، أستاذ التاريخ الدولي المساعد في جامعة تافتس، استعراضًا هائلًا للسياسات الاقتصادية الروسية في كتابه  Putinomics: Power and Money in Resurgent Russia. هذا الكتاب يساعد القراء في فهم لماذا تعامَلَ بوتين مع سياسات المعاش؟ ولماذا احتج المواطنون؟ ويطرح أيضًا وجهة نظر مختلفة قليلًا عن الكتّاب الذين يؤكدون الكليبتوقراطية الروسية (نظام حكم اللصوص). وفي حين أن تأكيد الفساد ينطوي على مشاكل, يجاهد ميلر لإظهار كيف أن الدولة أكثر تعقيدًا، حيث يتنافس التكنوقراط والقلة الحاكمة الفاسدة على النفوذ. وبحسب الكِتَاب, هؤلاء التكنوقراط منعوا الدولة من الانهيار اقتصاديًّا وسمحوا لموسكو بممارسة النفوذ عالميًّا، فيما لا تزال روسيا تحت حكم بوتين تواجه العديد من التحديات اليوم, لكن ميلر يجادل مرة أخرى بأن الاتحاد ينبغي مقارنته بدولة فنزويلا الصديقة، حيث كانتا متشابهتين في أواخر التسعينيات. كانت فنزويلا تمتلك تصنيف ائتماني أفضل ودخْل أعلى للفرد عندما وصل بوتين للسلطة؛ وبحسب هذا المعيار, كانت سياسات بوتين ناجحة.

ومن أجل فهم سياسات روسيا الاقتصادية وما قد يحدث لاحقًا, يشرح ميلر استراتيجية بوتين الثلاثية التي يأمل الكرملين في أنها ستساعد الحكومة في الحفاظ على السلطة, وتوسيع النفوذ بالخارج, وتنمية الاقتصاد:

1. توطيد السلطة المركزية, بما يضمن أن يحظى الكرملين بالقوة والمال ليفرض سلطته.
2. منع السخط الشعبي عن طريق ضمان مستوى منخفض من البطالة ومعاشات مناسبة.
3. الاعتماد على الأعمال الخاصة لتحسين الكفاءة, لكن فقط حين لا تتعارض مع الاستراتيجيتين السابقتين.

بعد فترة التسعينيات الصادمة, حدد القادة الروس ومعظم العامة أن هذه الأولويات منطقية لكي يحافظوا على الاستقرار، ويستنتج الكتاب أن هذه الاستراتيجية نجحت في النهاية, حتى لو كانت الدولة ما زالت تصارع مع الفساد والنمو الاقتصادي المنخفض. في الواقع, إذا لم يكن بوتين قد حقق بعض النجاح الاقتصادي, فمن المستبعد أنه كان سيحتفظ هو أو محاسيبه بالسلطة حتى اليوم. 

وبينما أنفقت الحكومة الفنزويلية الاشتراكية بإسراف خلال فترة ازدهار النفط, حافظ بوتين على السلطة من خلال سياسات مالية ونقدية محافظة مع تجنب العجز والتضخم اللذين دمرا روسيا من قبل، وهنا يوضح ميلر كيف أن الكرملين, بدلًا من توجيه معظم العائدات الجديدة من أسعار النفط المرتفعة وجمع الضرائب المتزايد إلى رواتب موظفي الدولة أو الفساد, اتّبع توجيه التكنوقراط وسدد الدين الأجنبي, الذي قلل اعتماد روسيا على الدول الأخرى، كما أسّست موسكو أيضًا صندوق موازنة, الذي ضمن أن تمتلك الحكومة النقد متى تنخفض أسعار النفط والغاز, وهو ما حدث أثناء الكساد الكبير وازدهار النفط والغاز الصخري الأمريكي. هذه السياسات المالية المحافظة لم تكن شعبية عالميًّا, حيث طالب عدة سياسيين بالإنفاق الأعلى لمواجهة مشكلات روسيا في الرعاية الصحية, والتعليم, والاستثمار، غير أن الأشخاص الذين سينتفعون من هذه البرامج لم يكونوا جزءًا من الائتلاف السياسي لبوتين, فيما كان أصحاب المعاشات قِسمًا من ذلك.

وأثناء ادخار أكبر قدر ممكن, استخدم نظام بوتين المعاشات الجيدة لتجنب السخط الشعبي, حتى عندما كانت الاستثمارات في الرعاية الصحية والتعليم ستعزز النمو الاقتصادي طويل المدى بصورة أفضل. يعيش حوالي 93% من المتقاعدين الروس على معاشاتهم, وتكاليفهم تُجهد الميزانية، وقد استخدمهم بوتين كأداة سياسية للبقاء في السلطة, بعد أن احتج الناخبون في أماكن حضرية، مثل موسكو وسان بطرسبرج، على تزوير الأصوات في انتخابات الدوما 2011. وبدلًا من معالجة مخاوف هؤلاء المحتجين, استمال بوتين قاعدته عندما رفع الإنفاق على العمّال الصناعيين الريفيين, وموظفي الحكومة, وأصحاب المعاشات. وفي حين أن الاستراتيجية نجحت منذ أن ربح الانتخابات الرئاسية في 2012, خلق الإنفاق المتزايد آلامًا مالية أخرى؛ وبالتالي ينبغي أن يفهم القراء تغييرات العام الماضي في المعاشات كجزء من أجندة الرئيس للحفاظ على الاستقرار المالي لروسيا ومنع الأزمات المدمرة التي تذكّر بالتسعينيات.
ومن الواضح, أن هذا الاستقرار ضروري لبوتين؛ حيث إنه أنفق قدرًا كبيرًا من رأس المال السياسي على هذا التشريع.

وأخيرًا يجادل ميلر بأن سياسات بوتين الاقتصادية عالجت بنجاح مخاوف الشركات في أواخر التسعينيات. ومع هذا تحظى قضايا أخرى اليوم بأهمية أكبر مثل الفساد, وسيادة القانون, وتنظيم الأعمال, والتعليم والرعاية الصحية, فيما لدى الروس توقعات أعلى من مجرد الاستقرار، وما دام يعتمد بوتين على ائتلافه السياسي الحالي, يشك ميلر في أن روسيا ستسن إصلاحات تؤدي إلى نمو اقتصادي أعلى.

وفي النهاية يعد هذا الكتاب بشكل عام ضروريًّا لأي شخص مهتم بروسيا والسياسة الخارجية. وبينما أظهرت روسيا استعدادها وقدرتها على إعاقة المصالح الأمريكية في أماكن مثل أوكرانيا وسوريا وفنزويلا, ينبغي أن يفهم صُنّاع السياسة لماذا لم تنهار الدولة أو نظام بوتين بالرغم من الأزمات المتعددة, من الكساد إلى العقوبات. وفي هذا الكتاب, يقدم ميلر رواية مفصلة ومقنعة يمكن لغير المتخصصين فهمها والتي يجب أن تُثري الفهم الغربي للدولة.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ناشيونال إنترست اقتصاد روسيا

اضف تعليق