إيكونومست| الصين وأمريكا.. نوع جديد من الحرب الباردة


٢٣ مايو ٢٠١٩ - ٠١:٣٥ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد
تُعد الحرب التجارية مجرد جزء منها، فالولايات المتحدة والصين تتنافسان في كل المجالات, من أشباه الموصلات إلى الغواصات، ومن الأفلام الناجحة إلى استكشاف القمر. اعتادت القوتان العظميان السعي إلى عالم يربح فيه الطرفان، غير أن الربح يبدو اليوم وأنه ينطوي على انهزام الطرف الآخر – انهيار يُخضع الصين للنظام الأمريكي؛ أو انسحاب أمريكا المهزومة من غرب المحيط الهادئ. إنه نوع جديد من الحرب الباردة والذي قد لا يترك رابحًا على الإطلاق.

وكما يوضح التقرير الخاص لهذا الأسبوع, احتقنت العلاقات بين القوى العظمى. تتذمر أمريكا من أن الصين تحتال للوصول إلى القمة عبر سرقة التكنولوجيا, وإنها عن طريق التوغل في بحر الصين الجنوبي والتنمر على ديمقراطيات مثل كندا والسويد تصبح تهديدًا على السلام العالمي. إن الصين عالقة بين حلم استعادة مكانتها المستحقة في آسيا والخوف من أن أمريكا المنهكة والغيورة ستمنع صعودها لأنها لا تستطيع تقبل انحدارها.

تلوح احتمالية الكارثة في الأفق. تحت حكم القيصر, جرّت ألمانيا العالم إلى الحرب؛ وأمريكا والاتحاد السوفيتي غازلتا الكارثة النووية. وحتى إذا لم تصل الصين وأمريكا إلى الصراع, سيتحمل العالم التكلفة حيث يتباطأ النمو وتُترك المشكلات لتتفاقم بسبب غياب التعاون.

يحتاج الطرفان للشعور بالمزيد من الأمن, وأيضًا لتعلم العيش سويًّا في عالم ذي ثقة منخفضة. لا ينبغي أن يعتقد أحد أن تحقيق هذا سيكون سهلًا أو سريعًا.

إن الإغراء هو صد الصين, مثلما صدت أمريكا الاتحاد السوفيتي بنجاح – ليس فقط شركة هواوي, التي تعمل في شبكات الجيل الخامس, وإنما كل التكنولوجيا الصينية تقريبًا. ومع الصين, تجري المخاطرة بجلب نفس الخراب الذي يسعى صُنّاع السياسة لتجنبه. يمكن عمل سلاسل إمداد عالمية لتجاوز الصين لكن بتكلفة ضخمة، من حيث القيمة الاسمية, كانت التجارة السوفيتية - الأمريكية في أواخر الثمانينيات  مليارَي دولار في العام؛ التجارة بين أمريكا والصين الآن مليارَي دولار في اليوم. في التكنولوجيات الحيوية مثل صناعة الرقاقات والجيل الخامس, من الصعب القول أين تنتهي التجارة ويبدأ الأمن القومي. تعتمد اقتصادات حلفاء أمريكا في آسيا وأوروبا على التجارة مع الصين، فيما يكمن التهديد الواضح فيما يمكنه إقناعهم بقطع علاقاتهم بها.

سيكون من غير الحكمة أيضًا أن تتنحى أمريكا جانبًا. لا يوجد قانون فيزياء يقول إن الحوسبة الكمية, والذكاء الاصطناعي وغيرها من التكنولوجيات يجب أن يفك رموزها علماء يمتلكون حرية التصويت. حتى لو اتجهت الأنظمة الديكتاتورية لأن تكون هشة أكثر من الديمقراطيات, أعاد الرئيس شي جين بينج تأكيد سيطرة حزبه وبدأ في استعراض القوة الصينية حول العالم، وبسبب ذلك, فإن واحدًا من المعتقدات القليلة التي توحّد الجمهوريين والديمقراطيين هي أن أمريكا يجب أن تتحرك ضد الصين.. لكن كيف؟

كبداية تحتاج أمريكا للتوقف عن تقويض نقاط قوتها والبناء عليها عوضًا عن ذلك. ونظرًا لأن المهاجرين مهمون للابتكار, فإن العقبات التي وضعتها إدارة ترامب أمام الهجرة الشرعية تأتي بنتائج عكسية، وكذلك أيضًا تشويهها المستمر لأي علم لا يناسب أجندتها ومحاولاتها لقطع تمويل العلوم (وهو ما رفضه الكونجرس لحسن الحظ).

القوة هذه في تحالفات أمريكا والمؤسسات والأعراف التي أسستها بعد الحرب العالمية الثانية، واستهزأ ترامب بالأعراف بدلًا من دعم المؤسسات، وهاجم الاتحاد الأوروبي واليابان بسبب التجارة بدلًا من العمل معهم للضغط على الصين من أجل التغيير. إن قوة أمريكا الخشنة في آسيا تطمئن حلفاءها, لكن الرئيس ترامب يتجه لتجاهل كيف أن القوة الناعمة ترسخ التحالفات أيضًا، وبدلًا من التشكيك في سلطة القانون داخل الوطن والمساومة حول تسليم مدير تنفيذي في هواوي من كندا, يجب أن يشير إلى حالة المراقبة التي أقامتها الصين ضد أقلية الأويغور في إقليم شينجيانج الغربي.

وبالإضافة إلى التركيز على نقاط قوتها, تحتاج أمريكا إلى تعزيز دفاعاتها. هذا يشمل القوة الخشنة حيث تسلح الصين نفسها, ويشمل ذلك مجالات حديثة مثل الفضاء والفضاء السيبراني. لكنه يعني أيضًا تحقيق توازن بين حماية الملكية الفكرية وتعزيز تدفق الأفكار, والأشخاص, ورأس المال والبضائع. عندما تهزأ الجامعات ومهووسو وادي السيليكون بقيود الأمن القومي فإنهم يكونون سُذج أو مخادعين. لكن عندما يدعو مؤيدو الدفاع بحماس مفرط إلى صد المواطنين والاستثمارات الصينية فإنهم ينسون أن الابتكار الأمريكي يعتمد على شبكة عالمية.

تمتلك أمريكا وحلفاؤها قوى واسعة لتقييم من يشتري ماذا. مع هذا, يعلم الغرب القليل جدًا عن المستثمرين الصينيين وشركاء المشروعات المشتركة وعلاقاتهم بالدولة.

إن التفكير الأعمق في الصناعات التي تُعدّ حساسة ينبغي أن يقمع الدافع لحظر كل شيء.

إن التعامل مع الصين يعني أيضًا إيجاد طرق لخلق الثقة، وقد تبدو الأفعال التي تعتبرها أمريكا دفاعية أمام الأعين الصينية عدوانًا يهدف إلى احتوائها. وإذا شعرت الصين بأنها يجب عليها الدفاع, قد يتصاعد صِدام بحري في بحر الصين الجنوبي، أو قد تعقب الحرب غزوًا لتايوان على يد الصين الغاضبة.

وهكذا يحتاج الدفاع الأقوى إلى أجندة تشجع عادةً العمل سويًّا, مثلما تحدثت أمريكا والاتحاد السوفيتي عن تخفيض الأسلحة أثناء التهديد بالتدمير المؤكد المتبادل. ولا يتحتم على الصين وأمريكا أن تتفقا لكي تستنتجا أنه في مصلحتهما أن يعيشا داخل نطاق الأعراف. لا يوجد نقص في المشروعات التي قد تعملان عليها معًا, من ضمنها كوريا الشمالية, وقواعد الفضاء والحرب السيبرانية وتغير المناخ.

تلك الأجندة تحتاج لفطنة سياسية ورؤية؛ لكن يوجد نقص بهما في الوقت الحالي. ويستهزئ ترامب بالصالح العالمي, فيما ملّت قاعدته من عمل أمريكا كشرطي العالم. في الوقت نفسه, لدى الصين رئيس يريد تسخير حلم العظمة القومية كطريقة لتبرير السيطرة الكاملة للحزب الشيوعي. إنه يجلس على قمة نظام اعتبر مشاركة الرئيس الأمريكي السابق, باراك أوباما, شيئًا يُستغل. ربما يكون القادة المستقبليون أكثر انفتاحًا على التعاون المستنير, لكن حتى الآن لا توجد ضمانات.

عقب ثلاثة عقود من سقوط الاتحاد السوفيتي, انتهت اللحظة أحادية القطب. في الصين, تواجه أمريكا خصمًا كبيرًا يطمح بثقة في أن يصبح رقم واحد. أصبحت علاقات العمل والأرباح, التي اعتادت أن ترسخ العلاقة, أمرًا آخر للتقاتل عليه. تحتاج الصين وأمريكا بشدة لإقامة قواعد من أجل المساعدة في إدارة العصر سريع التطور لمنافسة القوى العظمى. حتى الآن, يرى الطرفان القواعد كأشياء يجب كسرها.

       

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الحرب الباردة الصين وأمريكا

اضف تعليق