فورين بوليسي: كيف ستبدو الهند بعد فوز مودي في الانتخابات؟


٢٤ مايو ٢٠١٩ - ١٢:٥٧ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس
يخشى الليبراليون الهنود أن تؤدي فترة ولاية ثانية لرئيس الوزراء "ناريندرا مودي" إلى حدوث تحول حاسم ضد التقاليد العلمانية في البلاد، مثلما يخشى اليسار الأمريكي من أن استمرار "دونالد ترامب" في السلطة سيضرُّ بالمؤسسات الديمقراطية الأمريكية بشكل لا يمكن إصلاحه. وتضع أطروحة مودي "الرجل القوي" الهند بشكل مباشر داخل نهضة استبدادية عالمية، والتي تضم لوحة مألوفة من القادة عبر العالم من "رجب طيب أردوغان" في تركيا، إلى "رودريجو دوتيرتي" في الفلبين.

ومع ذلك، من المحتمل أن يكون المشهد الهندي بعد الانتخابات أكثر تعقيدًا، بالنظر إلى النتيجة المحتملة – كما تمخضت عنه نتائج استطلاعات الخروج يوم الأحد الماضي– هو استمرار حكومة مودي في المشهد، ولكنها ليست بالضرورة حكومة أقوى. مثل هذا الحكم من شأنه أن يحمل الكثير من المخاطر على مستقبل الهند. ولكن على الليبراليين ألا ينتابهم أي ذعر حتى الآن، مع الوضع في الاعتبار أن يصبح مودي نفسه شخصية سياسية مهيمنة أكثر من ذي قبل لن تكون النتيجة الأكثر ترجيحًا.

ولا شك أن المخاطر الديمقراطية العالمية ستكون في أوجِّها عندما تعلن النتائج في 23 مايو، بالنظر إلى الارتفاع العالمي الزاحف لما يصفه "روبرت كاجان" بالدول "غير الليبرالية"؛ وهذا لأن الهند لم تندمج أبدًا في النماذج الليبرالية الغربية التقليدية، وذلك يرجع جزئيًّا إلى الطريقة العشوائية التي تحمي بها دولتها الحقوق الدستورية التي كرّسها مؤسسو الأمة بعد الاستقلال في عام 1947. ومع ذلك، فإن مَن يأملون في توقف مسيرة الرجال الأقوياء، سيُصابون بنكسة خطيرة إذا ما سيطر مودي على مستقبل الهند واستحوذ على المزيد من السلطات.
وهناك أسباب وجيهة تدعو للقلق حيال هذا الأمر، بالنظر إلى توجه مودي وحزبه "بهاراتيا جاناتا"، القومي الهندوسي، منذ توليه السلطة في عام 2014. ففي ذلك الوقت، قدّم مودي نفسه على أنه شخصية جذابة و"رجل تنمية" نزيه. تلك الشخصية التي تركها وراء حماسة أيام شبابه كمدافع متطرف عن هندوتفا، أو النظرية القائلة بأن الهند هي هندوسية بالكامل، وليست دولة متعددة الثقافات.

وعلى النقيض من ذلك، كانت حملته عام 2019 لإعادة انتخابه لا تركز كثيرًا على التنمية مثلما ركزت على الشعارات الدينية والإثنية المتشددة. وفي حملة شديدة السوء، قام مودي وأتباعه بتكثيف قاعدتهم الهندوسية، حيث ألقوا خطبًا نارية حول المخاطر التي تشكّلها باكستان، عسكريًّا بأغلبيتها المسلمة، واجتماعيًّا بالمهاجرين المسلمين عبر الحدود من بنجلاديش– وهم الأقلية التي وصفها أحد السياسيين البارزين في حزب بهاراتيا جاناتا بأنهم "النمل الأبيض" الأجنبي.

بالنسبة إلى المتخوفين من الرجل القوي، يُقدِّم سِجِّل مودي الكثير من التحذيرات؛ حيث أظهر ميولًا شعبوية، فقد هاجم النخبة الفاسدة– التي يتخيلها أنصاره أنها زمرة صغيرة ولكنها قوية– المكونة من المثقفين اليساريين الناطقين بالإنجليزية. كذلك فقد تدهورت المؤسسات الحيوية، لا سيما البنك المركزي والمحكمة العليا. وعندما تولى مودي السلطة، صنفت وحدة المعلومات التابعة لصحيفة الإيكونوميست الهند في المرتبة السابعة والعشرين في قائمة الدول ذات الديمقراطيات الأكثر صحة في العالم، مع مراعاة تدابير مثل نزاهة الانتخابات والحريات المدنية، غير أن الترتيب تراجع هذا العام لتحتل الهند المركز الـ41.

مثل هذا السجل يفرض مقارنات رهيبة. فقد كتب "جيان براكاش"، وهو مؤرخ يساري في جامعة برينستون، أن مودي ذكّره بـ "أنديرا غاندي"، أكثر زعماء الهند استبدادًا. وعلى الرغم من أنها قادت المؤتمر الوطني الهندي اليساري والعلماني، وهو الآن حزب معارض قوي لحكومة مودي، إلا أن غاندي علّقت الحريات الدستورية خلال فترة عرفت باسم "الطوارئ"، والتي استمرت من عام 1975 إلى عام 1977؛ ما أعطى الهند خطوتها الأولى الحقيقية على طريق الديكتاتورية.

هذا هو الاحتمال الذي ينبّه معظم منتقدي رئيس الوزراء الحالي. حيث يخشى الكثيرون من سعي مودي المنتصر الجريء إلى إجراء تغييرات بعيدة المدى في النظام الدستوري للهند، جزئيًّا لزيادة سلطته الخاصة، والتأكيد على أن الهندوسية ديانة الدولة الفعلية. ثم يدعو هذا إلى إجراء مقارنات عالمية مع رجال أقوياء آخرين سيئي السمعة، بدأ كثير منهم بنفس المنصات التكنوقراطية المعتدلة التي بدأ بها مودي في عام 2014، فقط من أجل زيادة استبدادهم وتسلطهم.

ومن أبرز النماذج في هذه المقارنة، يأتي "فيكتور أوربان"، الذي احتفى به الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" في واشنطن أوائل مايو، في المقدمة. فعندما أصبح رئيس وزراء المجر لأول مرة عام 1998، كان يجرب فقط الموضوعات الوطنية التي أصبحت أكثر تميزًا في فترة حكمه. وفي تركيا سار أردوغان على نفس المنوال، حيث تحول من إصلاحي براجماتي في أوائل العقد الأول من القرن العشرين إلى مظهره العصري باعتباره شعبويًّا عدوانيًّا يضغط ليحدث تغييرات في الدستور التركي لتعزيز قاعدة السلطوية.
من المفهوم إذن لماذا يخشى الكثيرون أن يسير مودي في مسار مشابه، وهو أمر مفهوم ولكنه ليس مؤكدًا.

ولنبدأ بالحسابات الانتخابية: فمعظم استطلاعات الرأي تشير إلى أن مودي سيعود رئيسًا للوزراء، ولكن سيكون لحزبه عدد أقل من المقاعد في البرلمان الهندي مقارنة بما كان عليه بعد فوزه عام 2014، كما تبدو استطلاعات الخروج يوم الأحد جيدة بالنسبة له، حيث يتوقع معظم المحللين أن حزب بهاراتيا جاناتا وحلفاءه سيكون لديهم الأغلبية، رغم أن مثل هذه الاستطلاعات كانت خاطئة من قبل. فمودي لا يزال بحاجة إلى دعم الأحزاب السياسية الأخرى لتشكيل حكومة ائتلافية. ووفقًا لمعايير التاريخ السياسي الهندي الحديث،
فحتى هذا سيظل نتيجة موثوق بها، ولكن لو كان يقود حكومة أقلية فسوف يُنظر إليها على أنها ضربة انتخابية قاضية.

أي تحالف مفترض، أو حتى أغلبية ضئيلة لمودي وحلفائه، سيظل يضع قيودًا على طموحاته التشريعية. ومن المحتمل أن يجبر مودي على التخفيف من حدة خطاب حزبه التحريضي؛ لتجنب إغضاب شركاء الائتلاف، حيث لدى القليل منهم الوقت الكافي لانتقاد النغمة الشوفينية لأكثر ممثلي حزب بهاراتيا جاناتا تطرفًا، وهذا بدوره سيجعل من الصعب تقديم وعود طائفية جماعية، بما في ذلك بناء معبد جديد للإله الهندوسي "رام" في موقع مسجد جرى هدمه في مدينة أيوديا المقدسة وإدخال قانون مدني جديد مصمَّم لحظر الشريعة الإسلامية.

سيكون موقف مودي بعيدًا تمامًا عن قاعدته القومية الهندوسية – وخاصة "راشتريا سوايامسيفاك سانغ" [جمعية المتطوع الوطني]، المنظمة الدينية القومية الهندوسية القوية، والتي تُعد أصل حزب بهاراتيا جاناتا، والتي وضعت كوادرها بشكل متزايد في أعلى مناصب
الإدارة العامة في الهند. وستظل هذه الحركة قوية، ولكن من المحتمل أيضًا أن تكون منقسمة حول اتجاهها المستقبلي.

مودي نفسه ليس بذلك الرجل الذي يمثّل معضلة في تحليل أسلوبه وتفكيره؛ فسواء فاز بفارق ضئيل أو عاد إلى السلطة عن طريق التحالف فقط، فمن غير المرجح أن يتخلى عن هذا النوع من الخطاب التحريضي الإثني الذي ترك العديد من الأقليات الهندية (وخاصة المسلمين) في رعب، ولكنه ربما يواصل على فترات تأجيج التوترات الطائفية، بحثًا عما يسميه الأكاديمي "أشوتوش فارشني": (توحيد الهندوس)، أو محاولة توحيدهم وتمييزهم عن المجموعات الطبقية المختلفة في البلاد، وذلك عن طريق تحريضهم وتأليبهم على الأديان الأخرى.

إن الخطر الذي تواجهه الهند هو نفسه، حيث ما زال هناك استمرار تدريجي لتآكل الحريات والمؤسسات، وتنامي البلطجة الدينية التي ميزت ولاية مودي الأولى. ولكن النتيجة الأكثر ترجيحًا بعد الانتخابات لا تزال تتمثل في العودة إلى ذلك النوع من السياسة الفوضوية بطيئة الحركة التي سيطرت طوال الثلاثين عامًا الماضية، قبل فوز مودي القوي وغير العادي قبل خمس سنوات.

كل هذا يمكن أن يكون خبرًا سيئًّا من الناحية الاقتصادية، لا سيما وأن مودي لا يظهر أي علامات على الرغبة في استخدام تفويض متجدد للقوة من خلال إصلاحات هيكلية حاسمة (وهو ما تجنبه في معظم القصايا المطروحة خلال فترة ولايته الأولى). في الواقع، كم سيكون مثيرًا للدهشة الآن كيف ستكون رؤية الهند غير الملهمة بعد الانتخابات في هذا الشأن، خاصة في ظل الآمال العريضة حول التحول الاقتصادي والنمو العشري الذي تحدث عنه مؤيدو مودي في عام 2014.

وأخيرًا، قد تكون النتائج المحتملة أقل سوءًا من الناحية الاجتماعية مما يخشاه الكثيرون، مع وجود الكثير من القيود على تجاوزات حزب بهاراتيا جاناتا. وبغض النظر عن الطريقة التي تتطلع بها إلى الهند، فإن عودة مودي إلى نيودلهي لن تكون جيدة للتقاليد الليبرالية، ومع ذلك– على الأقل في الوقت الحالي– لن تكون تلك هي النهاية.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق