فورين بوليسي: هل ستنجح الثورة المضادة في السودان؟


٢٦ مايو ٢٠١٩ - ٠٦:٥٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس
كانت الساعة تشير إلى الواحدة من صباح يوم الثلاثاء، وما زال آلاف المحتجين يلوحون بالأعلام خارج مقر قيادة الجيش السوداني ويستمعون للخطابات والكلمات. أما في داخل المبنى، فقد رفض المجلس العسكري الحاكم عرضًا قدّمه الممثلون المدنيون، المسمى "إعلان الحرية والتغيير"، لتقاسم السلطة.

وفي تصريح لمجلة "فورين بوليسي"، قال "حيدر الصافي شابو"، أحد المفاوضين المدنيين: "يريد المجلس العسكري السيطرة على الحكم". حتى أنه رفض عرض المدنيين بإنشاء مجلس يضم عددًا متساويًا من المدنيين والشخصيات العسكرية.

 بعد ذلك، تم قطع الأنوار المعلقة على خشبة المسرح بشكل فظ، وخيم الصمت على الجسر، وابتعد الكثير من المتظاهرين. لكن مشاعر اليأس لم تدم طويلاً. ففي غضون دقائق، عاد حشد من الشباب وبدأوا يدوسون على الجسر المعدني بصوت عالٍ. وعادت الأعلام السودانية تُرفرف من جديد، فيما تهدر هتافات "الحرية".

ومع ذلك، لا يبدو أن الجيش يستمع إليهم. لقد بدأت الثورة المضادة في الظهور. حيث تواجه احتجاجات ديسمبر 2018 العفوية التي انطلقت في جميع أنحاء السودان نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وانتهت بالإطاحة بالديكتاتور العسكري عمر البشير الشهر الماضي، عقبة رئيسية: لقد رحل البشير، لكن نظامه يكافح للعودة من جديد. ورغم أن المجلس العسكري الحاكم وعد بتسليم السلطة للمدنيين عندما أطاحوا بالبشير، إلا أن الجيش يبدو أنه نكث بهذا العهد.

وفي هذا الصدد، قال "كاميرون هدسون"، باحث كبير في المجلس الأطلسي: "لقد تعلم المجلس العسكري في عهد البشير كيفية قضاء وقت طويل في مناقشة تفاصيل دقيقة وجعل الناس يضيعون أوقاتهم، ما يجعل المعارضة تضعف نفسها بنفسها".

ومع ذلك، فإن لهذه الاستراتيجية إيجابيات وسلبيات؛ فهناك أيضًا دليل على حدوث انقسام داخل المجلس العسكري، ويخشى المسئولون الغربيون من أن يؤدي هذا الصدع إلى مزيد من العنف الجماعي. وقال المدعي العام السوداني يوم الخميس إنه حاول اعتقال رئيس المخابرات السابق "صلاح غوش"، لكن حراسه أحبطوا المحاولة، وفقًا لوكالة رويترز. وهذا مؤشر على أن جهاز الاستخبارات في البلاد، والمتهم بالتعذيب وارتكاب أعمال وحشية في عهد البشير، يسير نحو الهاوية. وسبق أن نفى جوش مزاعم بأنه كان رهن الإقامة الجبرية وذلك في تصريحات لمجلة فورين بوليسي، ولكنه لم يرد على طلبات التعليق يوم الثلاثاء. وكان غوش على علاقة وثيقة بوكالة الاستخبارات المركزية، كما شارك في التخطيط للانقلاب عام 2012 ضد البشير، وناقش ذلك مع مسئولين أمريكيين.

وهناك أيضًا دليل على وجود شقاق واسع النطاق داخل صفوف الجيش السوداني. ففي الأسبوع الماضي، رأى فريق مجلة  "فورين بوليسي" رجالاً يرتدون الزي الرسمي لقوات الدعم السريع – وهي وحدة شبه عسكرية يسيطر عليها المجلس العسكري – يضربون المدنيين ويهاجمون الاعتصام. كذلك فهناك دليل على أن شخصًا تابعًا للجيش أراد تقويض المفاوضات. ونُقل ضحايا إطلاق النار واحدًا تلو الآخر إلى موقع الاعتصام، فيما شكل المحتجون حلقة واقية من حولهم أثناء قيام الأطباء بعلاجهم.

وقال أحد المحتجين، ويدعى " دين الفتح"، وسط إطلاق النار: "إننا لسنا خائفين.. نريد حريتنا بطرق سلمية، لكننا لم نحصل على أية مساعدة".

وقال الأطباء الذين عالجوا الجرحى لمجلة فورين بوليسي: إنهم ألقوا القبض على ضابط استخبارات يرتدي الزي الرسمي لقوات الدعم السريع. كما أن الجنود أطلقوا النار على المدنيين بالذخيرة الحية؛ ما أسفر عن مقتل ستة وجرح 77 آخرين. فيما أشارت بعض الدول الغربية إلى أن العنف كان محاولة لاستفزاز المحتجين، كما حذرت الحكومة السودانية السفراء الأجانب من زيارة الاعتصام قبل أيام من أعمال العنف، التي يعتقد البعض أنها إشارة إلى أن الهجوم كان مخططًا له مسبقًا.

وفي المقابل، هناك انقسامات كبيرة أيضًا داخل إعلان الحرية والتغيير، وهو تحالف الجماعات المدنية. فخلال اجتماع عُقد إثر مفاوضات صباح الثلاثاء، أعرب بعض أعضاء الإعلان عن خيبة أملهم من أن المفاوضين عرضوا تقسيم السلطة مع الجيش. وشعر البعض بالامتنان لأن المجلس العسكري رفض العرض وتوقعوا أن يرفض المتظاهرون ذلك.

وفي الوقت نفسه، ما زال هناك الكثير من الخلاف حول مستقبل السودان خارج البلاد. حيث هناك دعم من قوى إقليمية للمجلس العسكري السوداني.

ومن بين أفراد الجيش السوداني، يوجد محمد حمدان دقلو "حميدتي"، قائد قوات الدعم السريع المخيفة التي روَّعت دارفور،  ومع أنه الاسم الثاني في حكومة السودان الآن، إلا أنه يخبر الدبلوماسيين الأجانب أن فكرته هي الإطاحة بالبشير، واحتل حميدتي مركز الصدارة في التفاوض مع المدنيين، وتوجد تقديرات استخباراتية مختلفة  حول حجم قواته. وتقول بعض الدول إن لديه 20 ألف جندي إجمالاً، مع وجود بضعة آلاف آخرين في العاصمة الخرطوم، ويقول البعض إن لدى حميدتي 20 ألف جندي متمركزين في الخرطوم وحدها، مع وجود عشرات الآلاف في دارفور.

مهما كان العدد الحقيقي لجنود حميدتي، فإنهم مسلحون تسليحًا جيدًا في جميع أنحاء الخرطوم، مع وجود مجموعات من القذائف الصاروخية المحمولة على الشاحنات. وصرح بعض الجنود– لمجلة فورين بوليسي– قائلين باللغة الروسية: إن حميدتي ربما يحصل على مساعدة من موسكو. حيث تلقى الجيش السوداني الإمدادات من شركات تدعمها موسكو، كما أشار سكان قرية أم دافوق، في دارفور، إلى إن الأعلام الروسية ترفرف على ظهر القوافل في المدينة.

ومع ذلك، لم يكن الجيش السوداني القوة الوحيدة المعادية للثورة التي تسعى إلى التأثير على فترة ما بعد البشير في البلاد. فهناك مزاعم بأن رجل الدين المحافظ "محمد الجزولي"، والمتعاطف مع تنظيم داعش "عبدالحي يوسف"، قد نظّما مسيرتين حديثتين تنذران بوجود تيار ديني متطرف في السودان رغم أنها أقلية متشددة. وفي إحدى المسيرات، تجول مئات الرجال الذين يرتدون الجلاليب البيضاء وبعض النساء اللاتي يرتدين شالات ملونة في شوارع الخرطوم وهم يهتفون "الشريعة .. الشريعة أو الموت". ولم يستجب جيزولي لطلب إجراء مقابلة معه، فيما لم يكن بالإمكان الوصول إلى يوسف.

وفي تصريح لمجلة فورين بوليسي، قال "عوض الله حسن"، الأمين العام للإخوان المسلمين الأكثر اعتدالًا في السودان، إن الدستور السوداني يجب أن يتضمن نظامًا شرعيًّا، وهو ما طالب به الجيش أيضًا، وأكد أن الإخوان لن يترشحوا كحزب سياسي مستقل في الانتخابات المقبلة، لكنهم سيدعمون الأحزاب الإسلامية الموجودة في السودان. وقال إن الإخوان لا يتلقون أي دعم من خارج السودان، ورفض تحديد عدد أعضاء المنظمة.

ولذلك ومع تصاعد حدة الثورة المضادة في السودان، استجاب تحالف المسئولين المدنيين الذين نظموا الاحتجاجات بالطريقة الوحيدة التي يعرفونها. وقالت سارة عبد الجليل – المتحدثة باسم تجمع المهنيين السودانيين–  لمجلة فورين بوليسي: "تصعيد الحركة السلمية نحو تحقيق التغيير الديمقراطي الكامل."

وطوال الأسابيع الماضية، قام تجمع المهنيين السودانيين، الذي خطط للاحتجاجات من البداية، بتجنيد مجموعات من العمال بهدوء، مثل جمعيات النقل والكهرباء، للانضمام إلى إضراب على مستوى البلاد إذا ما فشلت المحادثات مع الجيش. وتم تفعيل هذه الخطة بعد فشل محادثات صباح الثلاثاء. وقالت عبد الجليل إن الهدف من الإضراب هو "شل حركة البلاد ووضعها في مأزق أمام أي إجراءات تقشفية بما في ذلك إحجام المجلس العسكري الانتقالي عن قبول حكومة مدنية".

وفي المقابل يرى آخرون أن فعالية الإضراب على مستوى البلاد ربما تكون محدودة في الوقت الحالي. وقال "صديق يوسف"، أحد المفاوضين المدنيين ورئيس الحزب الشيوعي السوداني، إننا في شهر رمضان، والبلد يحتج، لا أحد يعمل طوال اليوم على أي حال.

أما الدول الغربية فهي منقسمة  حول ما يجب القيام به في السودان. إذ قال بعض الدبلوماسيين إنهم سيرفضون الاعتراف بالجيش إذا ظل ممسكًا بالسلطة، بينما هناك دول أخرى أقل ثباتًا. لم يتمخض اجتماع التنسيق الذي عقد في واشنطن الأسبوع الماضي بين الدول الغربية وشركائها الإقليميين (وكان من بين المشاركين ممثلون عن الأمم المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والنرويج والاتحاد الأفريقي وإثيوبيا) عن أي شيء، وذلك بحسب تصريحات لمصدر خاص مطلع على المناقشات.

وكثيرًا ما يصف المسئولون السياسة الأمريكية في السودان بأنها تخريبية أو غير موجودة. فيما يعتقد البعض في البيت الأبيض أن تجمع المهنيين السودانيين ربما يكون مرتبطًا بجماعة الإخوان المسلمين،  دون وجود دليل على ذلك، بالإضافة إلى أن العلاقات الأمريكية مع التحالف المدني ما زالت متوترة.

ووصف أربعة من أعضاء تحالف الجماعات المدنية الصعوبات التي يواجهونها مع "ستيفن كوتيسس"، المسئول الأمريكي الأعلى في السودان، قائلين إنه كان يتعامل بازدراء وتعنت خلال الاجتماعات. كما وصفه أحدهم بأنه "متعجرف"، ورفض كوتسيس إجراء أية مقابلات، كذلك رفضت وزارة الخارجية والبيت الأبيض الرد على الأسئلة.

لكن أحد مسئولي المعارضة قال إنهم لن يحضروا اجتماعات مع السفارة الأمريكية: "إنها مضيعة للوقت".
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق