الصحافة الفرنسية| الغاز السعودي يواصل التحليق عالميًا.. وتحالفات الشرق الأوسط إلى أين؟


٢٧ مايو ٢٠١٩ - ٠٩:٥٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما

الرياض تسعى لامتلاك الغاز

حول السباق في مجالات الطاقة، أبزت صحيفة "لوبنيون" رغبة المملكة العربية السعودية في أن تصبح دولة تمتلك الغاز الطبيعي بهدف تنشيط الصناعة لديها والتصدير.

ويُعدّ الاتفاق الذي أبرمته الرياض لشراء الغاز الطبيعي الأمريكي جزءًا من خطة عشرية بتكلفة 160 مليار دولار تهدف لتطوير مواردها من الغاز، وذلك في الوقت الذي تشير فيه التقديرات إلى تجاوز الطلب على الطاقات الجديدة في المملكة الغنية بالنفط؛ لذا تخطّط المملكة لامتلاك الغاز الطبيعي الذي سيُسهم في إمداد المدن المستقبلية الجديدة بالطاقة والمساهمة في تطوير الصناعات المحلية وقطاعات التصنيع والتعدين والتكنولوجيا. وتنتج المملكة ما يكفي من النفط الخام لتلبية الطلب على الكهرباء، غير أن القادة السعوديين يحاولون الحد من حرق النفط لإنتاج الكهرباء لأنه يخفض أهم مصدر للدخل وهو تصدير الذهب الأسود.

وفي شمال السعودية، أطلقت شركة أرامكو ما يطلق عليه بعض المحللين أصغر مشاريعها وأكثرها أهمية، حيث بدأت الشركة في إنتاج الغاز الطبيعي بنجاح باستخدام تقنيات التكسير التي نشأت في الولايات المتحدة، ونادرًا ما كانت تُستخدم في الرياض، ويستخدم هذا الغاز في تشغيل إحدى منشآت التعدين؛ الأمر الذي يعطي فكرة عن كيفية مساهمة الغاز في ظهور صناعات جديدة للطاقة في المستقبل. وقد كثّفت (أرامكو) من جهودها لإنتاج الغاز الطبيعي من الحقول الكبيرة في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، حيث بدأت الشركة إجراء مسوحات زلزالية حول أجزاء من البحر الأحمر الذي يعتقد البعض وجود مخزونات كبيرة من الغاز الطبيعي تحته.

يقول "ستيوارت وليامز"، المحلل لدى مركز وود ماكنزي والذي يدرس مشاريع الغاز في السعودية: "يُعد الغاز مجالًا تقوم المملكة بتطويره على نطاق واسع ويريدون استخراج كل الجزيئات التي يستطيعون الحصول عليها ". ولم تعلق أرامكو ولا السلطات السعودية على الأمر، غير أن "أمين ناصر" المدير التنفيذي لأرامكو قال: "إننا نرى فرصًا كبيرة في هذا السوق وسنواصل السعي لإقامة شراكات استراتيجية لتلبية الطلب العالمي المتزايد على الغاز الطبيعي المسال".

وتحفز التطلعات الاقتصادية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هذا التقدم في الغاز، حيث دعا بن سلمان في خطته الاقتصادية (رؤية المملكة 2030) إلى بناء عدة مدن تقوم على الصناعات الجديدة، بما في ذلك مدينة نيوم، وتنص الخطة أيضًا على دخول المملكة سوق تصدير الغاز الطبيعي المسال بحلول 2030.

الانتخابات الأوروبية.. الهجرة قضية خلافية بامتياز

ومع دخول الانتخابات الأوروبية مراحلها الأولى، تساءل موقع "لاكروا" المتخصص في الأديان حول إمكانية كبح القارة العجوز لتدفقات الهجرة بشكل أكثر فاعلية؟ وذكر الموقع أن هذه القضية تحتل مكانًا مهمًّا في الحملات الانتخابية الفرنسية وتشهد تعارضًا بين الآراء.

وأضاف الموقع أنه من الطبيعي أن تكون قضية الهجرة التي دفعت ببلدان مثل إيطاليا أو المجر أو النمسا إلى أقصى يمين التيار اليميني، إحدى المحاور الرئيسية للانتخابات الأوروبية، وفي فرنسا أيضًا لم تغب هذه القضية عن النقاش.

لقد كانت موجودة بالفعل منذ الانتخابات الرئاسية وتمثلت في الرسالة التي وجّهها الرئيس إيمانويل ماكرون لمواطني دول الاتحاد الأوروبي في سياق أزمة السترات الصفراء. وقدم الرئيس الفرنسي من خلال هذه الرسالة تحليلًا "أوروبيًّا" بامتياز، وذكر أنه من أجل "حماية أوروبا" نحن بحاجة إلى المزيد منها، مُسلطًا الضوء على أهمية شرطة الحدود المشتركة والمكتب الأوروبي للجوء. وبالفعل فإن هاتين الهيئتين موجودتان، غير أن الرئيس الفرنسي يرغب في تعزيز دوريهما، كما يريد أيضًا إعادة تشكيل منطقة شنجن واستبعاد الدول الرافضة للامتثال لسياسة اللجوء المشتركة من منطقة التنقل الحر.

السياسات الأوروبية والسياسات الوطنية

 شهد شهر مارس، بالتزامن مع انطلاق حملة الجمهوريين الانتخابية الأوروبية، تغييرًا في اللهجة، حيث قال "لوران واكييز" المرشح على قائمتهم: "إن إنعاش مستقبل أوروبا لم يعد يتم باللجوء للهجرة الجماعية". وبعد بداية متواضعة جدًا في استطلاعات الرأي عاد حزب الجمهوريين – وعلى رأس قائمته فرانسوا إكزافييه بيلامي - ليبرز من جديد. وبالإضافة إلى فكرة وضع سقف للهجرة التي اقترحها ماكرون، اقترح الجمهوريون إعادة السيطرة على الحدود الداخلية، ما دامت الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي لا تقدم الحماية على نحو فعال، كما اقترحوا أيضًا إنشاء "مراكز دولية لدراسة اللجوء"، ليس فقط الخاص بالداخل الأوروبي ولكن أيضًا الخاص بالشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط أو بالشرق الأدنى.

أما بالنسبة لمراكب المهاجرين، فسيتعين عليهم إعادتها بصورة منتظمة إلى السواحل الإفريقية، ولن تكون الخدمات الاجتماعية متاحة إلا للأجانب من غير الأوروبيين المقيمين منذ ثلاث سنوات على الأقل، وأخيرًا يريد الجمهوريون التأكيد على الجذور اليهودية المسيحية لأوروبا في المعاهدات الأوروبية الأساسية.

وتستمر الحملة مع سلسلة من البيانات الشائنة، حيث يشير نيكولا دوبونت - اينيان، المرشح عن حزب انهضي فرنسا، إلى احتمالية وصول 18 مليون مهاجر إلى أوروبا منذ عام 2014. فيما اتهم وزير الداخلية "كريستوف كاستنر" المنظمات غير الحكومية بالتواطؤ في تهريب المهاجرين، وذكر منشور للتجمع الوطني أن "مهاجرًا وصل حديثًا يتقاضى أكثر مما يتقاضاه متقاعد أفنى كامل حياته في العمل".

اقتراحات اليسار تمر دون أن يلاحظها أحد

وفي برنامجه، الذي تم الإعلان عنه في منتصف شهر مايو الجاري، أفصح حزب التجمع الوطني عن أولوياته المعروفة سلفًا وهي: وقف الهجرة الشرعية، وطرد المهاجرين غير الشرعيين، وإعطاء أولوية المعونة للمواطن الفرنسي، واستعادة الرقابة على الحدود، وإغلاق المساجد المتشددة.

وفي المقابل بدأت الوزيرة السابقة "ناتالي لوازو" حملتها الانتخابية متأخرة أوائل شهر مايو، مطالبة بتعزيز أدوات الاتحاد الأوروبي الحالية لكبح تدفقات المهاجرين بشكل أكثر فاعلية. في حين أعرب المرشح "جوردان بارديلا" عن ثقته في أوروبا كأمم منفصله أكثر مما يثق في هيئات الاتحاد الأوروبي؛ وشبه وكالة "فرونتكس" الأوروبية لحرس الحدود بمضيفة لاستقبال المهاجرين، ويعتقد أن الانتخابات ستكون بمثابة استفتاء على الهجرة وعلى سياسة ماكرون.

الاستثمار الصيني في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط صار هائلًا

أما صحيفة "لوموند" فسلّطت الضوء على استثمار كبرى الشركات الصينية على نطاق واسع في مشاريع البنية التحتية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، واحتلال مصر مرتبة الصدارة.

ففي حين تخوض الصين حربًا اقتصادية لا نهاية لها مع الولايات المتحدة، وتعلن عن حملات دعائية جديدة وقمم دولية لتمويل مشروع طريق الحرير، تظهر خوارزميات مؤشر الصين التابع لمعهد أمريكان انتربرايز بوضوح الاتجاه الذي تسير فيه استثمارات العملاق الصيني. حيث سجلت استثمارات الصين خارج حدودها في عام 2018، انخفاضًا بلغ 110 مليار دولار مقارنة بالعام السابق له، وهي القيمة التي تعادل مجموع الاستثمارات للعام 2014 إلى 2015. وبالرغم من ارتفاع عدد البلدان الأعضاء في "طرق الحرير الجديد" بشكل كبير، ظل تدفق الاستثمارات مستقرًا حتى بالرغم من تسجيله انخفاضًا كبيرًا في الربع الأخير من عام 2018.

وقد كان هذا الانخفاض عامًا باستثناء منطقة واحدة وهي شمال إفريقيا والشرق الأوسط التي فرضت نفسها كشريك رئيس للجغرافية الاقتصادية للصين، وفقًا لتعبير الباحث "أفشين مولافي" من معهد جون هوكينز بالولايات المتحدة.

وفي عام 2018، احتلت الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المرتبة الثانية في قائمة استثمارات بكين الخارجية، بعد الاتحاد الأوروبي مباشرة، وذلك باستثمارات بلغت نحو 28 مليار دولار، بما ذلك الاستثمارات المباشرة في "طرق الحرير". ويُعدّ تطور منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال السنوات الثلاث الماضية أمرًا مذهلًا ويرجع هذا في الأساس لاستثمارات الشركات الصينية في البنى التحتية؛ حيث ذهبت ثلاثة أرباع هذه الاستثمارات إلى مصر والإمارات العربية المتحدة والسعودية. هذه الدول الثلاثة التي تعدّ جزءًا مما يسميه الاقتصاديون بنادي العشرين مليار، أي البلدان التي تلقت أكثر من عشرين مليار دولار من الاستثمارات الصينية على مدى السنوات الــ15 الماضية.

نادي العشرين مليار

وفي مصر، تتركز هذه الاستثمارات وبشكل أساسي في مشرع بناء العاصمة الإدارية الجديدة؛ بل يمكن القول إن الشركات الصينية هي التي تقوم في الواقع ببناء هذه المدينة الجديدة البالغ مساحتها أكثر من ستة هكتارات وتبلغ تكلفتها 58 مليار دولار. وتعد الصين هي المستثمر الأكبر في هذا المشروع، لا سيما وأنها ستقوم ببناء خط السكك الحديدية بين مدينة القاهرة والعاصمة الجديدة، وبناء منطقة تجارية تضم 21 ناطحة سحاب، من بينهم البرج الأعلى في إفريقيا، ويعد هذا المشروع استراتيجيًّا للصين كما هو بالنسبة لمصر؛ لأن بكين تريد تعزيز دورها كمشيد للقارة، وسيكتمل هذا المشروع الصيني المصري غير المسبوق بإنشاء منطقة اقتصادية ذات طابع خاص حول قناة السويس.

لقد أدركت بكين بوضوح الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة باعتبارها عاملًا أساسيًا في تصدير بضائعها من خلال ميناء دبي وقناة السويس، وأيضًا بفضل وارداتها من النفط والغاز الطبيعي، وتنمو الواردات الصينية باطراد على مدى السنوات الخمس الماضية، متجاوزة بكثير الاستهلاك الأمريكي، لذلك لا يمكن لأحد أن يشكّك في شراهة الصين للذهب الأسود القادم من الخليج والبلدان الإفريقية.

إن اعتماد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الصين بشكلٍ رئيس، يوضح أهمية الاستثمارات الصينية في البنية التحتية في المنطقة، وتشير تقديرات الباحث "أفشين مولافي" إلى استمرار صادرات المحروقات من منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا إلى الصين في النمو على حساب تلك المتجهة إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

تركيا وإيران تطوقان القوى العربية

وفي ظل تطور الأزمة السودانية، أشارت النسخة الفرنسية من موقع "سبوتنيك" الإخباري الروسي إلى قلق بلدان الخليج العربي من أن تطال أيادي تركيا الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية.

فعلى الرغم من تغير السلطة في السودان، لا تزال العديد من العقود الدولية سارية في هذا البلد الإفريقي، بما في ذلك المعاهدة المبرمة مع أنقره في عام 2017 بشأن إعادة إعمار بلدة سواكن القديمة، الواقعة على إحدى جزر البحر الأحمر. وتشكك دول الخليج العربي في نية تركيا إقامة قاعدة عسكرية بها، فيما تطالب القوات السودانية الموالية لدول الخليج الأتراك بالتوقف عن هذه المشاريع.

ومن المتوقع أن ترد تركيا في الأسابيع القادمة على مطلب القيادة العسكرية السودانية بمغادرة جزيرة سواكن، حيث أعادت السلطات التركية بناء مينائها التاريخي بموجب اتفاق عام 2017. وقد وقع على هذا الاتفاق الثنائي كل من "رجب طيب أردوغان" والزعيم السوداني آنذاك "عمر البشير"، وذلك ضمن 12 اتفاقية تعاون سياحي وأمني وصناعي عسكري بين البلدين. وتقول أنقرة إنها تريد تحويل سواكن إلى واجهة، حيث بدأت أعمال الترميم في عام 2018، ثم انضم إليهم في هذا المشروع حلفاؤهم القطريون، أما الآن فيؤكد رئيس المجلس العسكري السوداني "عبدالفتاح برهان" أن هذا الاتفاق لم يعد نافذًا.

وفي الوقت الحالي، لا تصرح تركيا بأي شيء، وأعلنت أنها لا ترى سببًا لمغادرة الجزيرة، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية "حامي اكسوي" إن الاتفاقات الثنائية بين السودان وتركيا ما زالت سارية رغم ما حدث، وأن وكالة التعاون والتنسيق التركية تتابع عملها في ترميم القطع الأثرية من الحقبة العثمانية. فسواكن كانت في حقبة مضت نقطة عبور للحجيج المسلمين الذاهبين من البلدان الإفريقية إلى مكة، وكان بالجزيرة بنية تحتية متطورة ونُزل إقامة ومحطات جمركية وكذلك مواقع عسكرية.

وتعزى المطالب الملقاة على عاتق أنقرة إلى تغير السلطة في السودان، وكما يتضح من القرار الأخير لوزارة المالية السعودية بضخ 250 مليون دولار في البنك المركزي السوداني، يشكّل هذا المبلغ جزءًا من المعونة التي وعدت بها السعودية والإمارات بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وسيعمل هذا المبلغ على تعزيز الوضع المالي والاقتصادي في السودان، ومن المقرر أيضًا توفير الغذاء والوقود والضروريات بقيمة 2.5 مليارات دولار لهذا البلد الإفريقي.

وبهذا يبدو الشرط الذي يقضي بتوقف تركيا، المنافسة الإقليمية لمجموعة الدول الرباعية المناهضة لقطر، عن مشاريعها الاقتصادية في سواكن منطقيًّا، غير أن هذا المطلب يخفي مخاوف أكثر عمقًا، وتتزايد شكوك العواصم العربية بأن هذه الجزيرة المقابلة لمدينه جدة السعودية قد تصبح معقلًا للجيش التركي. وبأخذ التواجد العسكري التركي في الصومال وقطر بعين الاعتبار، يمكن للمواقع العسكرية الجديدة المحتملة في سواكن أن تغلق المثلث الاستراتيجي التركي في البحر الأحمر. وهذا الوضع الجغرافي لن يكون في مصلحة الدول العربية؛ حيث إن فكرة أن يكون الساحل الغربي للسعودية عرضة لسيطرة حليف تكتيكي لإيران تتسبب في تأريق ممثلي النخبة العسكرية والسياسية في الخليج.

الشرق الأوسط.. حروب لا نهاية لها ولعبة تحالفات

من جانبه وعبر موقع العولمة الكندي، يقدم "سمير سول" أستاذ التاريخ بجامعة مونتريال بكندا والباحث بمركز الدراسات والأبحاث الدولية بمعهد جامعة مونتريا تحليلًا لماهية الأوضاع الحالية في منطقة الشرق الأوسط.

حيث قال إن الشرق الأوسط كان بؤرة الصراعات العالمية لفترة طويلة حتى بات من الصعب تذكر مرحلة من مراحل السلام التي مرت به، وبإلقاء نظرة عامة على الوضع القائم تقل فرصة الاطمئنان على مستقبله. فبالرغم من تغير الظروف، تبقى الأطراف الفاعلة ذاتها هي التي تقوم بالمناورة، فيما تؤدي الصراعات المتعددة والمتشابكة إلى تكوينات من الجهات الفاعلة تختلف باختلاف الهدف، وتشهد الفترة الحالية عمليات إعادة تموضع استراتيجي لا تسمح لشعوب المنطقة أو العالم باختبار أوقات سعيدة.

تشكيل جديد في سوريا

من الناحية العسكرية، من المتوقع انتهاء الحرب التي اندلعت عام 2011 في سوريا، وذلك بعدما سمح طرد الجيش السوري للجهاديين من الغوطة باسترجاع إدلب، ثم الشرق السوري، وبالتالي انتهاء المعركة، ويوضح عدم تحقق هذا الأمر حتى الآن العوامل الدولية التي تؤثر على الحرب في سوريا.

كانت إدلب بمثابة مكب للنفايات، حيث تم نقل الجهاديين المهزومين في أماكن أخرى إليها وبلغ عددهم نحو 30 ألف جهادي أغلبهم من تنظيم القاعدة. ويبدو أن هجومًا روسيًّا سوريًّا لاستعادة إدلب كان وشيكًا في سبتمبر 2018، بِيدَ أنه تأجل بسبب معارضة تركيا التي كانت تدعم المليشيات الجهادية في الخفاء. وتعمل روسيا على إبقاء تركيا بعيدًا عن حلف شمال الأطلسي، بينما تبدي أنقرة غضبها من الولايات المتحدة الداعمة للأكراد ولزعماء انقلاب عام 2016 الفاشل ضد أردوغان. وفي الواقع، تمارس أنقرة بمهارة سياسة انتهازية تلعب على الأوتار بين موسكو وواشنطن للبقاء في سوريا.

وبعد فشل الخناق على سوريا والذي كان يقوم به الجهاديون، تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا الآن على عرقلة عملية استعادة السلام؛ لأن اللاسلام هو الشكل الجديد لهذه الحرب. فمن ناحية، تحرم قوات الاحتلال الأمريكية سوريا من أراضيها الشرقية الغنية بالنفط الذي تحتاجه البلاد من أجل إعادة الإعمار، ومن ناحية أخرى تستهدف تركيا احتلال المناطق الشمالية والشمالية الشرقية، مستفيدة من تخلي الولايات المتحدة عن الأكراد.

وبعد الاحتلال الداعشي ثم الاحتلال الكردي، يواصل الاحتلال التركي العمل كأداة لتمزيق أوصال سوريا. لقد وافق ترامب على ذلك، تمامًا كما أيد رغبة إسرائيل في ضم الجولان السورية، وتحاول الولايات المتحدة كذلك عرقلة عودة اللاجئين السوريين وزعزعة استقرار لبنان، وتحولت من نظام الحرب بالوكالة، التي بدأت في عام 2011، لنظام الاستيلاء على سوريا، ثم الحرب عبر الاختناق الاقتصادي والتشريد.

التحالفات والتحالفات المضادة

وبعد الحرب متعددة الأطراف التي نفذها الجهاديون بالوكالة، عادت الولايات المتحدة إلى الحرب التقليدية التي تنفذها الجيوش النظامية للدول، وتعد إيران هي الهدف الحالي، حيث يروّج ترامب لحرب بينها وبين إسرائيل، ساعيًا إلى تحميل المخاطر والتكاليف لأطراف أخرى. وبعرض ملف إدارة الأكراد على فرنسا، تعود المشكلة القديمة المنسية منذ ولاية الرئيس بوش للظهور على السطح، وهي تشكيل حلف "الناتو العربي" الذي يضم كلًا من إسرائيل والدول العربية الحليفة للولايات المتحدة في تحالف عسكري واحد ضد إيران.

ومن أجل تخفيف العار الذي سيلحق بالعرب من التعاون مع إسرائيل، سيتوجب تسوية القضية الإسرائيلية الفلسطينية، ذلك الوقود الذي أشعل النار في الشرق الأوسط والذي تتغذى عليه حتى الآن. وبالتالي، فإن الإعداد الجاري حاليًا بين الأمريكيين والإسرائيليين لـ"صفقة القرن"، والذي من المتوقع أن يعزز الطموحات الإسرائيلية، يبخس الفلسطينيين حقوقهم بشكل أكبر ويديم الوصاية عليهم.

وفي المقابل، يبقى معارضو أهداف الولايات المتحدة غير نشطين. ففي نهاية عام 2016، بدأت روسيا وإيران وتركيا الدخول في شراكة لتسوية الأزمة السورية في إطار عملية آستانا. وكجماعة للتهدئة، وليس حلفًا للحرب، لم تخلُ العملية من الخلافات، وباتت المواقف الروسية والإيرانية تتعارض، فيما تعزف تركيا على جميع الأوتار دائمًا.

واستنادًا إلى تصاعد التوترات مع إيران، يرتكز الشكل الحالي للشرق الأوسط على تشابك التحالفات المرتبطة بمختلف الصراعات، فيما تستمر الولايات المتحدة في بعثرة الأورق وإثارة الاضطراب؛ ناهيك عن الحرب التي تشنها إسرائيل ضد حزب الله ولبنان.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق