المجلس الروسي| دعم طهران... ماذا سيكون موقف روسيا إذا اندلعت حرب بين أمريكا وإيران؟


٠١ يونيو ٢٠١٩ - ٠٩:٢٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



مع تغير التوترات بين الولايات المتحدة وإيران إلى ما هو أبعد من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)– [الاتفاق النووي الإيراني]– ونحو مواجهة عسكرية محتملة، بات العامل الروسي أكثر أهمية. وتتميز سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط بالأعمال المتوازنة التي تضمن دور الدولة كقوة توازن حيوية وفعالة.

ويمكن أن يؤدي سقوط إيران إلى تقويض قدرة موسكو على تحقيق التوازن في منطقة الشرق الأوسط، كما يمكن أن يؤدي ذلك أيضًا إلى عرقلة السياسة الروسية في سوريا وذلك عبر إعطاء مساحة أكبر من الحرية للجماعات المتحالفة مع الولايات المتحدة؛ ما يضعف حكومة الأسد.

وفي الوقت نفسه، حققت روسيا وإيران تقاربًا أمنيًا كبيرًا لمواجهة التهديدات المشتركة وتكييف الاستراتيجيات لاكتساب الاعترافات الدولية المطلوبة من خلال إعادة النظر في النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، بينما سيساعد عدم انخراط روسيا في القضايا التي تقلق قوى الشرق الأوسط الأخرى، وعلى رأسها الهجوم الذي تقوده الولايات المتحدة على إيران، في تعبيد الطريق أمام الهندسة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ ما يتيح لواشنطن قوة أكبر.. كل تلك التطورات تفتح المجال واسعًا أمام الكثير من التكهنات حول إلى أي مدى ستنخرط موسكو في أية مواجهة عسكرية محتملة بين إيران والولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن موسكو يمكن أن تستفيد ماليًّا من إيران عندما تكون الأخيرة معزولة سياسيًّا وأقل قدرة على التنافس الاقتصادي، فإن الآثار الجيوسياسية الناتجة عن تغيير النظام في طهران ستفوق الفوائد الاقتصادية المحتملة بصورة أكبر، وتشكّل المواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن– والتي يمكن أن تعيد القوة العسكرية الأمريكية الرئيسية– تحديًا جيوسياسيًّا يهدد مصالح روسيا في الشرق الأوسط.

وبالفعل ألقت موسكو باللوم على الولايات المتحدة لاستفزازها إيران وأظهرت معارضتها للضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة على برنامج طهران الدفاعي من خلال الاعتراف بمشروعية مصالح إيران الدفاعية. وعلاوة على ذلك، فإن انخراط روسيا النشط في السياسة العالمية الذي كثفته في السنوات الأخيرة بعيد كل البعد عن النزعة السلبية النسبية التي ميزت رد فعل موسكو تجاه الحرب اليوغوسلافية أو الغزو الأمريكي للعراق؛ لذلك لن يكون الأمر مفاجأة إذا ما قررت روسيا اتخاذ خطوة تتجاوز مجرد الدعم الدبلوماسي لحماية مصالحها في الشرق الأوسط، بما في ذلك مساعدة إيران عسكريًّا.

وطوال الأعوام الماضية، قامت موسكو وطهران بإضفاء الطابع المؤسسي على تنسيقهما العسكري من خلال مجموعة غير مسبوقة من الاتصالات العسكرية والاستخباراتية رفيعة المستوى؛ ما يمكن أن يسهم أيضًا في استعداد موسكو لتوسيع مساعدتها لإيران بما يتجاوز التدابير الدبلوماسية.

وبالإضافة لما سبق، ويستدعي الطموح العالمي الذي تمارسه روسيا اليوم أن تقوم موسكو بالرد المناسب على أي سياسة أمريكية متشددة حيال إيران. ومن بين تطلعات بوتين الأساسية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية إعادة تعريف روسيا كقوة عظمى معترف بها عالميًّا، ومن أجل تحقيق هذا، يتعين على موسكو أن تُظهر مقدار التأثير الذي تتمتع به على الصعيد العالمي، لا سيما عندما تكون هناك أزمة أمنية دولية كبيرة موضع تنازع.

إن الإخفاق في إظهار درجة كبيرة من المشاركة في الأزمة الناشئة سيضر بشكل كبير بمكانة روسيا ويقوض وضعها كقوة عظمى، كما تدعي روسيا، وقد بعث بوتين برسالة واضحة مفادها أنه يجب على إيران أن تحافظ على توقعاتها بشأن المساعدة الروسية المحتملة بشكل متواضع، ومع ذلك، يمكن التكهن بأن رد فعل بوتين في أعقاب أي نزاع واسع النطاق بين إيران والولايات المتحدة ربما يكون مختلفًا.

ولا شك أن انخراط روسيا المباشر في الصراع الأمريكي الإيراني– في حالة حدوث مثل هذه المواجهة – أمر غير مرجح. ومع ذلك، ربما تتخذ موسكو خطوات حذرة لتعزيز قدرات الردع الإيرانية، كما أنه من غير المؤكد أيضًا أن تُجري موسكو أية تغييرات جذرية في سياستها القائمة على عدم تزويد طهران بالأسلحة الهجومية، لكن هذا لا يعني أن موسكو لا يمكنها تعزيز قدرات طهران الدفاعية؛ فالعلاقات العسكرية – العسكرية بين طهران وموسكو في السنوات الأخيرة يمكن أن تعطي صورة للخطوات العملية التي قد تتخذها موسكو لمساعدة طهران. منذ عام 2011، حيث تطور التعاون الروسي الإيراني في ثلاث نقاط رئيسية: مبيعات الأسلحة، ويأتي في مقدمتها تسليم أنظمة S-300PMU2))؛ وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول داعش والمعارك السورية؛ والتعاون العملياتي والذي يأتي في شكل تنسيق المعارك والعمليات العسكرية المشتركة في سوريا، وقد أضفت هذه الركائز الفريدة للتفاعل بين البلدين، مدعومة باللجان المشتركة لتسهيلها، الطابع المؤسسي على التعاون العسكري بين موسكو وطهران خارج سوريا. ومن المرجح أن تكون المشاركة الروسية في الصراع الأمريكي الإيراني قائمة على هذا النمط الثلاثي.

ويمكن أن يكون الخيار الأول لموسكو في الرد على التصعيد بين إيران والولايات المتحدة هو تعزيز قدرات نظام الدفاع الجوي الإيراني لقمع التفوق الجوي الأمريكي، حيث أظهرت المشاركة الروسية في سوريا أن الكرملين واثق من استخدام أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة لتغيير ميزان القوى وسط المعارك المستمرة. ويأتي قرار موسكو بتزويد الجيش السوري بوحدات (إس 300) بعد أن أسقط الجيش السوري طائرة استطلاع روسية عن طريق الخطأ كأبرز مثال على ذلك. كما كشف عن استعداد روسيا لتعديل التوازن العسكري في المنطقة عبر الإمداد السريع بالأسلحة. وبالتالي، ربما تحتفظ روسيا بخيار تحسين القدرات الدفاعية لإيران بتزويدها بوحدات أكثر تقدمًا، في حال كان هذا ضروريًّا.

إن توفير بطاريات (إس 400) أو أنظمة الحرب الإلكترونية الأرضية، وهو ما يتضمن "بوريسوجليبسك-2" و "كراسوخا 4 إس" والتي يمكنها إعاقة التفوق الجوي الأمريكي، يمكن أن يشكل جزءًا من استجابة روسيا، كما يمكن لهذه الأنظمة المتقدمة المعرقلة للتفوق الجوي أن تحسن قدرات إيران بشكل استراتيجي "منع الولوج والمنطقة المحرّمة" (A2)؛ ما يعرقل القدرة الأمريكية المتفوقة في الحرب الجوية. ومع ذلك، هناك بعض القيود الفنية بما في ذلك التدريب والمتطلبات التشغيلية للأنظمة الحديثة مثل (إس 400) عندما تصبح إيران في على وشك مواجهة الولايات المتحدة. وعندئذٍ، لن تخاطر موسكو بإرسال موظفين روس إلى طهران لتشغيل هذه الأنظمة.

بالإضافة لما سبق؛ فإن أحد أشكال الرد الروسي المحتمل هو نشر الأصول العسكرية الروسية في إيران للحد من نطاق العملية الأمريكية في إيران أو تعقيدها، وقد أثبتت روسيا مؤخرًا أنها مستعدة لنشر وحدات عسكرية محدودة في البلدان المتنازع عليها من أجل صد التهديدات التي تعرقل مصالحها، وتعد حالة طائرة (توبوليف 160) وانتشار قوة محدودة في فنزويلا لردع التهديد الأمريكي دعمًا لحكومة مادورو هو أحدث مثال على ذلك، حيث وضعت روسيا عمليات الانتشار العسكرية الاستراتيجية كخيار ممكن، ومن المرجح أن تدعم طهران القوات الروسية المتمركزة على الأراضي الإيرانية.

وخلال ذروة الحرب السورية في عام 2016، أفادت أنباء بأن قاذفات من طراز توبوليف تي يو-22 إم3 الروسية استخدمت قاعدة جوية إيرانية في مدينة همدان لشن هجمات على أهداف في سوريا. وعلى الرغم من شعار "لا شرق ولا غرب" الثوري، فقد كشف الحادث أن إيران باتت براجماتية بدرجة كافية لتغيير سياستها عندما تكون قضايا الأمن القومي على المحك.

وتفتح كل هذه التطورات الباب واسعًا أمام تكهنات حول استعداد روسيا لتطبيق نفس النموذج لدعم الحكومة الإيرانية، وسيكون لهذه الخطوة قيمة تشغيلية محدودة، رغم أنها ترسل إشارة قوية لواشنطن حول الدعم السياسي لإيران، ومع ذلك، لا يمكن أن تعمل هذه السياسة إلا كأداة وقائية؛ ما يثبط عزيمة الخصم المحتمل على الانخراط في نزاع عسكري، وفي اللحظة التي يتصاعد فيها العنف، لن يكون إرسال القوات خيارًا روسيًّا.

وأخيرًا، ربما تزود روسيا إيران بمعلومات استخباراتية قبل أو أثناء اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة، ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي توفر فيها روسيا لحلفائها هذا النوع من المساعدة. ففي عام 2003، زعم تقرير للبنتاجون أن روسيا نقلت معلومات استخبارية عن تحركات القوات الأمريكية في العراق إلى صدام حسين في الأيام الأولى من الحرب. وعندما يتعلق الأمر بإيران وروسيا، فإن تجربة البلدين في تبادل المعلومات الحساسة حول مكافحة الإرهاب فيما يتعلق بتنظيم داعش في أفغانستان، وإنشاء مركز استخباراتي مشترك في عام 2015، سهل تبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل منظم.

وعلى الرغم من أن مدى هذا التعاون لم يتضح بعد، غير أن الزيارات المتكررة لمسئولي الأمن في البلدين تعني أنهم أنشأوا قنوات موثوقة لدعمه، ومن الصعب الافتراض بأن روسيا ستوفر بيانات مراقبة واستطلاع مكثفة لإيران؛ ومع ذلك، فإن الوصول المحدود إلى المعلومات المتعلقة بنشر القوات والمعدات والمواقع الأمريكية يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في تحسين قدرات إيران الدفاعية.

ومن الواضح أن موسكو لا تنوي الانخراط في صراع عسكري بين إيران والولايات المتحدة، وبالتالي ستستخدم كل التدابير الممكنة لتقليل مخاطر المواجهة المباشرة بين القوتين، ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن روسيا ليس لديها خيارات أخرى سوى البقاء غير النشط أو الحد من دعمها لمجرد المساعدة الدبلوماسية، بل على العكس، ليس لدى موسكو رغبة في حدوث تحول كبير في القوة بمنطقة الشرق الأوسط لصالح الولايات المتحدة. وبالتالي، فعلى عكس ما ترغب الإدارة الأمريكية، ليس من المرجح أن تتخذ موسكو موقفًا محايدًا تمامًا من الحرب التي تلوح نذرها في الأفق.

وعلى الرغم من ندرتها، لا تزال روسيا تحتفظ بعدد كبير من الخيارات في جعبتها للتأثير على توازن القدرات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة. إنها بعيدة عن أن تُغيّر قواعد اللعبة، أو أن تكون قادرة على قلب مجريات الحرب، لكنها بالتأكيد يمكنها خلق عقبات كبيرة أمام جهود واشنطن الحربية، وهذه الخيارات تجعل المغامرة الأمريكية في إيران أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في البداية.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق