فورين أفيرز | وصف كلاسيكي.. لماذا لا يتناسب مصطلح القوى العظمى مع واقع اليوم؟


٠١ يونيو ٢٠١٩ - ٠٩:٤٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



 يلوح عصرٌ جديدٌ من منافسة القوى العظمى في الأفق.. هذه هي الحكمة التقليدية الناشئة في أوساط محللي السياسة الخارجية في واشنطن، فقد أشارت كل من استراتيجية الأمن القومي 2017 واستراتيجية الدفاع القومي 2018 إلى تحول في التفكير: أعلن الملخص المكشوف عنه السرية لاستراتيجية الدفاع أن "المنافسة الاستراتيجية بين الدول, وليس الإرهاب, هي الشاغل الرئيسي الآن في الأمن القومي الأمريكي"، واتجه الكثيرون إلى المفهوم الكلاسيكي لمنافسي القوى العظمى لوصف الواقع الجديد. استنتجت استراتيجية الأمن القومي, بعد تجاهلها كظاهرة من القرن الماضي, عادت منافسة القوى العظمى، كما استخدم وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس المصطلح في خطاب يوجز استراتيجية الدفاع القومي.

أما خارج الحكومة, فقد انتشرت الإشارات لمنافسة القوى العظمى على مدار الأشهر العدة الماضية, وأصبح المصطلح نوعًا من الاختزال للموقف الذي تواجهه الولايات المتحدة الآن. لكن هل العبارة تدرك واقع اليوم؟

تصف منافسة القوى العظمى نمطًا معينًا من العلاقات بين الدول، ذلك النمط الذي مارسته الإمبراطوريات العظمى والدول القومية منذ القرن السابع عشر حتى أوائل القرن العشرين، ولا شك أن صعود الصين كقوة اقتصادية وسياسية، وتأكيد روسيا المتزايد لذاتها على الساحة الدولية، أشعل المقارنات مع تلك الفترة؛ غير أن العصر الناشئ لا يتلاءم مع أنماط الماضي؛ فالتعامل معه وكأنه يفعل ذلك، يخاطر بإساءة كل من فهم طبيعة تهديدات اليوم، ومصدر المزايا التنافسية للولايات المتحدة.

نمط كلاسيكي
عكست منافسة القوى العظمى واقعًا يراه الكثيرون دائمًا في السياسة العالمية: تتجه القوى الرائدة في أي عصر للنظر لبعضها البعض بطريقة تتسم بالشك والعدائية والتنافس بشراسة على السلطة والنفوذ والمكانة، لكن النسخة النمطية من المفهوم تصف عدة طرق تتفاعل بها مجموعات القوى العظمى.

فمثلًا تخلق منافسات القوى العظمى هيكل سياسة عالمية مضطربًا ومتعدد الأقطاب، والذي تواجه فيه القوى الكبرى مجموعة قوية من الأعداء المحتملين وتغير تحالفاتها باستمرار، والحالة الكلاسيكية هي أوروبا في عدة فترات مختلفة من القرن السابع عشر حتى أوائل القرن العشرين: فرنسا, وبريطانيا العظمى, وإمبراطوريات هابسبورغ والنمسا- المجر, وبروسيا (ألمانيا لاحقًا), وإسبانيا, وروسيا, وغيرهم قلقوا من وتسلحوا ضد وتحالفوا مع وضد بعضهم البعض في منافسة جيوسياسية متعثرة.

خلال فترات منافسة القوى العظمى, تعقد الدول اتفاقيات مؤقتة على المبادئ التي تنظم سلوكها – مثلما في ذروة نظام فيينا في القرن التاسع عشر – لكن في الغالب, تبقى آليات الترتيب صعبة. يسعى اللاعبون للسلطة, والنفوذ, والثروة, والمكانة غير مثقلين بالمؤسسات الدولية المشتركة أو المبادئ أو القواعد؛ وبالتالي تُشعل التنافسات المتلونة لمنافسة القوى العظمى حدة الغموض في السياسة العالمية الذي يُعد نمطًا متكررًا في تلك العصور.

في منافسة القوى العظمى الكلاسيكية, تتجسد التنافسات في أشكال عسكرية من المنافسة والصراع. وشكّلت التوترات الاقتصادية, والاجتماعية والثقافية هذه المنافسات أيضًا, لكن صدامات القوى العظمى التقليدية كانت تُعرف باحتمالية الحرب واسعة النطاق، وهددت القوى العظمى من فرنسا تحت حكم نابليون إلى بروسيا تحت حكم بيسمارك إلى ألمانيا تحت حكم فيلهلم إلى أنصار التعديلية في الثلاثينيات.. هددت بعضها بالغزو والحرب، وكانت القوة العسكرية هي الحكم النهائي في هذه المنافسات.

وكل من هذه العناصر الثلاثة – النظام متعدد الأقطاب, والتجاهل العام لضوابط السلوك, وأشكال التنافس السياسية والعسكرية – تكون موجودة خلال فترات منافسة القوى العظمى، غير أن ما أحد منهم يشرح بالضبط السياسة العالمية اليوم. إن استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع القومي محقتان في الإشارة إلى المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين وبين الولايات المتحدة وروسيا. لكن هذه التنافسات (والعلاقات الأخرى بين القوى الكبرى اليوم) تتكشف بطرق, وداخل سياقات دولية أكبر, تحمل القليل من التشابه مع منافسات القوى العظمى في الماضي.

العصر الناشئ
إن الهيكل الحالي للنظام الدولي ليس متعدد الأقطاب بشكل أساسي، فهو يوضح علامات متصاعدة على التعددية القطبية في المستويات المتراجعة للهيمنة الأمريكية، في حين تصبح عدة قوى إقليمية أكثر جزمًا، كما أنه يحتفظ أيضًا بالكثير من عناصر فترة ما بعد الحرب الباردة أحادية القطب، ولكن تبقى واشنطن هي القوة المهيمنة لأسباب كثيرة: تفوقها العسكري الكلي, ودورها الريادي في عدة منظمات دولية, والمجموعة الهائلة لحلفاء المعاهدات, وامتلاكها للعملة الاحتياطية المهيمنة في العالم هي أهم الأسباب. في الوقت نفسه, لدى النظام الناشئ عناصر مهمة من الثنائية القطبية: الولايات المتحدة والصين هما أول المتساوين, ومن المرجح أن يلعب تنافسهما دورًا غير متكافئ في تشكيل مسار السياسة العالمية. وهكذا يعكس عالم اليوم مزيجًا معقدًا من العناصر أحادية وثنائية القطب, ومتعددة الأقطاب التي لا تتطابق مع الرؤية الكلاسيكية لمجموعة متصادمة من القوى العظمى المتكافئة تقريبًا.

علاوة على ذلك, عندما تتنافس الدول اليوم, فإنها تفعل ذلك بوساطة المؤسسات والقواعد والمبادئ التي تختلف بشكل صارخ عن الأوضاع خلال معظم فترات منافسة القوى العظمى الحقيقية، ومعظم القوى الكبرى اليوم ديمقراطيات صناعية راسخة تريد الاستقرار والازدهار ولا تحمل أية طموحات إقليمية ذات مغزى، كما تنظم شبكة مكثفة من المنظمات والمعاهدات والعمليات غير الرسمية والكثير من القيود الأخرى علاقاتها. لقد أنتج نظام ما بعد الحرب, على الرغم من كونه غير مثالي, أكثر نظام دولي يتمتع بطابع مؤسسي ويتقيد بالمبادئ في التاريخ، وهذا النظام ليس مفروضًا على مجموعة جامحة من مثيري المتاعب؛ فهو يعكس التفضيلات الاقتصادية المتأصلة للسلام والاستقرار والازدهار.

لا تبدو العلاقات الناتجة بين القوى الرائدة مثل النمط التقليدي خلال عصور منافسة القوى العظمى الكلاسيكية. اليابان على سبيل المثال لا تخشى الهند (في الواقع هما يتعاونان لموازنة القوة الصينية) والاتحاد الأوروبي لا يخشى البرازيل التي لا تخشى المكسيك. إن الكثير من الدول الأكثر قوة في العالم تنتمي إلى تحالفات عسكرية واتحادات سياسية مع بعضها البعض؛ وحتى تلك التي لا تفعل تتعاون بصورة موسعة في مجالات مثل التجارة, وأمن المعلومات, والمناخ, والتنمية العالمية، ولا تأتي المشكلات الأمنية للعصر الناشئ من مجموعة قوى عظمى مرتابة بشكل متبادل وإنما من حفنة من الدول التعديلية جزئيًّا, بقيادة روسيا والصين، غير الراضية عن مكانتها في النظام الدولي.

إن الطريقة التي تُعرب بها تلك الدول عن عدم الرضا تختلف بدرجة كبيرة عن الهيمنة الكلاسيكية للأشكال السياسية - العسكرية لمنافسة القوى العظمى. وبسبب الثورة النووية, لم تعد حروب الغزو خيارًا واقعيًا، ولا يستطيع نابليون روسي حديث أن يتخيل الاستيلاء على أوروبا بأكملها؛ لأن فعل هذا يعني مغازلة الإبادة النووية، وبعيدًا عن تأثير الأسلحة النووية, أذنت عدة عوامل – تشمل دور الديمقراطية والازدهار والترابط الاقتصادي – ببدء عصر المغامرة العسكرية نادرة فيه على نحو لافت للنظر. إن نسخ اليوم من التنافس دائمًا ما تظهر في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية، وليس في ميدان المعركة.

هذا لا يعني أن القوة العسكرية لا تلعب دورًا في المنافسات الحالية. إنها تفعل بالتأكيد كوسيلة للإكراه وخلفية للجهود الأخرى. لكن هذا دور مختلف كثيرًا عن ذلك الذي لعبته القوة العسكرية, على سبيل المثال لفرنسا أو إمبراطورية هابسبورغ أو اليابان أو بروسيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولا يحتاج أي شخص يبحث عن دليل للنظر أبعد من مستويات الإنفاق الدفاعي لمعظم القوى الكبرى اليوم التي تظل منخفضة بثبات.

وعليه فإن استراتيجية أكبر منافس للولايات المتحدة – ألا وهي الصين – هي تعزيز مصالحها بشكل رئيسي من خلال الوسائل الاقتصادية, والجيوسياسية, والإعلامية. تدعم القوة العسكرية بالتأكيد بعض طموحات الصين, كما في بحر الصين الجنوبي وفي موقفها العدائي تجاه تايوان، لكن أنشطة الصين اليوم تبدو شاحبة مقارنة بالأشكال السابقة من العدوان العسكري للقوى العظمى, التي كثيرًا ما انطوت على تهديدات وجودية للأوطان، تهديد الأسطول الألماني لبقاء المملكة المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى, وغزو فرنسا تحت حكم نابليون لجيرانها, وما شابه. ومهما كانت أهداف الصين اليوم, فلن يخدمها هجوم مباشر على القوى العظمى الأخرى.

الإطار الخطأ
إن رؤية حالة العلاقات الدولية اليوم كمنافسة جديدة للقوى العظمى ليس غير دقيق فحسب؛ بل خطير أيضًا، فرؤية المنافسين كصور طبق الأصل من بعضهم البعض يمنع صُناع السياسة الأمريكيين من تحديد الفروق الجوهرية. على سبيل المثال, تشكّل روسيا والصين تهديدات مختلفة تمامًا على واشنطن. وكلاهما يبحث عن أمن النظام والاعتراف بهما كقوى متساوية, لكن روسيا تهدف إلى زعزعة النظام الذي تقوده أمريكا بينما تسعى الصين إلى أن تحل محل دور الولايات المتحدة في محور السياسة العالمية.

إنَّ تصور العصر الناشئ كمنافسة قوى عظمى كلاسيكية يضفي الغموض على الفروق المهمة بين المنافسين ويدفع أيضًا صُناع السياسة إلى الإفراط في التأكيد على القوة العسكرية كأداة لتعزيز المصالح الأمريكية. وفي وقت تبحث فيه الدول عن الميزة التنافسية عبر وسائل غير عسكرية, هذا الرأي سيعزّز عدم التوازن في الاستراتيجية الأمريكية بين أدوات القوة العسكرية وغير العسكرية.

وأخيرًا والأكثر خطورة, يخاطر إطار منافسة القوى العظمى بتبديد القوة الهائلة التي تأتي من قيادة مجموعة متحالفة إلى حد كبير من الدول التي تتبع القواعد، فيما تُظهر الولايات المتحدة بالفعل علامات على أنها لم تعد تُثمن دورها كقائد للنظام العالمي الذي شكّلته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وإذا فكرت الولايات المتحدة في نفسها كلاعب شطرنج جيوسياسي بائس مهتم بذاته من ضمن لاعبين كثر, وسعت للمزايا المؤقتة, فمن المرجح أن يتلاشى ذلك الدور أكثر. وسوف تُبلي الولايات المتحدة بطريقة أفضل بكثير للاستمرار في قيادة مجموعة الدول التي تمتلك الحصة الأكبر من القوة الاقتصادية والعسكرية العالمية, والمرتبطة ببعضها البعض بشبكة مكثفة من المؤسسات, والتي تظل ملتزمة بمبادئ معينة, مثل تلك التي تعارض العدوان العسكري والافتراس الاقتصادي. إن التخلي عن هذا الدور سيكون بمثابة تخلي عن أعظم ميزة تنافسية عرفتها أية قوة عظمى على الإطلاق.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق