وور أون ذا روك| الانهيار السلمي.. كيف يمكن الاستفادة من استراتيجية الرئيس ريجان في التعامل مع إيران حالياً؟


١٠ يونيو ٢٠١٩ - ٠٦:٥٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



في لحظة كان يصعب تصوّرها قبل بضع سنوات من حدوثها، احتضن "رونالد ريجان"، الذي كان يقف إلى جوار "ميخائيل جورباتشوف" خلال زيارة إلى الساحة الحمراء بموسكو عام 1988، بحرارة الزعيم الشيوعي أمام الجماهير الحاشدة. وبعد دقائق، وفي تحول صارخ آخر، تراجع ريجان عن اتهامه للاتحاد السوفيتي بأنه "إمبراطورية شريرة"، رافضًا تعليقاته الاستفزازية التي أطلقها لمدة خمس سنوات على أنها مجرد "بقايا زمن آخر وحقبة أخرى". وبعد ذلك بثلاث سنوات، انهارت التجربة السوفيتية.

وعلى الرغم من تحول ريجان الدرامي بعيدًا عن المواجهة والعداء الصريح وسياسة "أقصى قدر من الضغط" على الاتحاد السوفيتي، هناك عدد كبير جدًا من الصقور في السياسة الخارجية المعاصرة – بمن فيهم مستشار الأمن القومي الأمريكي "جون بولتون" ووزير الخارجية "مايك بومبيو" والعديد من المعلقين المحافظين الجدد – استشهدوا بنهج ريجان  لتبرير المواجهة العدائية تجاه إيران.

وهم بذلك يغفلون عن الحقيقة البسيطة المتمثلة في انخراط ريجان الدبلوماسي المباشر والشخصي المكثف مع الزعيم المعتدل ذي العقلية الإصلاحية لقوة عظمى قمعية سلطوية آذنت بالنهاية السلمية للحرب الباردة. وفي كثير من الأحيان، ينسى المروجون المعاصرون لريجان، في عجلة من أمرهم لتصويره على أنه صقر السياسة الخارجية المثالية، أن ريجان استرعى انتباه شديد من جناحه اليميني المتشدد ردًّا على ارتباطه الدبلوماسي الشخصي الوثيق مع نظيره السوفيتي.

باختصار، يتبنى أنصار ريجان الصقور تفسيرًا معيبًا للغاية للتاريخ، غير أن "أقصى قدر من الضغط" و "التراجع" لم يكن لهما علاقة كبيرة بالانهيار النهائي للاتحاد السوفيتي. بالاعتماد على البحوث الأرشيفية الشاملة، نعلم الآن أن مثل هذه المواجهة، في الواقع، كان لها تأثير ضئيل للغاية على صنع القرار السوفيتي، وعلى الأرجح، أطال الحرب الباردة. في الواقع، لا يوجد سبب وجيه للشك في أنه لو كان في منصبه اليوم، فإن ريجان سيسعد بربط "المتشددين" بالضغط من أجل "أقصى قدر من الضغط" على إيران والجلوس– مرة أخرى – على طاولة المفاوضات مع المعتدلين حاليًا في السلطة الإيرانية.

وبعيدًا عن دفع الإيرانيين إلى التفاوض أو تحفيزهم على تغيير النظام في طهران، فإن سياسات المواجهة التي تنتهجها إدارة ترامب تحقق نتائج عكسية. فنهج بولتون وبومبيو العدائي، الذي نتج عن سوء قراءة لعبة ريجان النهائية مع السوفيت، يشجع ويدعم العناصر المتحفظة والمناهضة للولايات المتحدة في إيران. والأسوأ من ذلك أن إدارة ترامب تقوض الحكومة المعتدلة الموجودة حاليًا في طهران. وبهذا فجوُّ العداء والمواجهة السائد أضعف جهود الرئيس الإيراني "حسن روحاني" لكبح جماح المحافظين والمتشددين الذين يفسدون الصراع مع الولايات المتحدة.

ولعل الأهم من ذلك هو أن النهج العدائي الذي تتبعه الإدارة الأمريكية يؤدي إلى "تراجع" عن الإصلاحات على غرار جورباتشوف التي اتخذتها إيران مؤخرًا. باختصار، إن تبني إدارة ترامب لنهج ريجان التاريخي "الخاطئ"، إلى جانب قراءة خاطئة لأسباب انهيار الاتحاد السوفيتي، يسفر عن نتائج تجعل التواصل الدبلوماسي– مثل ذلك الذي حدث بين ريجان وجورباتشوف– مستحيلًا مع إيران. ومع عدم وجود احتمالات بأن يجلس الإيرانيون على طاولة المفاوضات، حيث أدت العناصر المتشددة في إدارة ترامب إلى القضاء على أي فرصة لتحفيز التغييرات التحولية الحقيقية التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي. وفي الحقيقة، فبدلاً من تخريب وتقويض حكومة معتدلة أحدثت تغييرات على غرار جورباتشوف، فإن المقاربة الحقيقية لريجان تجاه إيران ستشهد ثناء إدارة ترامب – كما فعل ريجان مع السوفيت– على مثل هذه الإصلاحات الوليدة.
 
تولى "رونالد ريجان" منصبه متبنيًّا منهجية تصادمية تجاه الاتحاد السوفيتي. ولكن في منتصف ولايته الأولى، لاحظ ريجان أن "مواقفه الخاصة تجاه السوفيت كانت تتغير". ففي فقرة قصيرة ظهرت في مذكراته الشخصية التي صدرت عام 1984، تنبأ ريجان بإيجاز بدوره الداعم المحوري في عملية الانهيار السلمي "لإمبراطورية شريرة". بعد اجتماع في البيت الأبيض مع رئيس دولة أجنبي ذي خبرة دبلوماسية عميقة حول الاتحاد السوفيتي، روى ريجان أنه تعلم من ضيفه أنه على الرغم من "فلسفة التوسعية السوفيتية، إلا أنها غير آمنة وتخيفنا، وكتب ريجان أنه: "إذا أتحنا لهم الفرصة قليلاً، فإن مواطنيهم سيتشجعون على المطالبة بتغييرات جذرية في نظامهم". وفي ختام مذكرات اليومية، قرر ريجان حل النهج العدائي، محرزًا تحولاً كبيرًا في السياسة الخارجية الأمريكية.

تخلى ريجان– الذي تبنى هذا السيناريو الدبلوماسي الجديد واسترشادًا برغبته الشخصية العميقة للقضاء على الأسلحة النووية– تدريجيًّا عن نهجه المعادي للعلامات التجارية السوفيتية. وعندما ظهر سياسي ذو عقلية إصلاحية يقود الاتحاد السوفيتي عام 1985، وجد ريجان شريكه في الدبلوماسية التي كان يسعى إليها. وفي النهاية، أعطى تفاني ريجان الثابت "للانفتاح" على السوفيت، من خلال حوار دبلوماسي مباشر وعميق الشخصية، لنظيره الروسي الحرية السياسية لإدخال التغييرات الاقتصادية والاجتماعية على النظام السوفيتي– البيريسترويكا، جلاسنوست، ديموكراتيزاتسيا– والتي أدت إلى إنهاء الحرب الباردة.
 
دائمًا ما تكون المقارنات بين الاتحاد السوفيتي وإيران الحالية غير مكتملة، لكنهما يشتركان في عدد من أوجه التشابه المذهلة. فإيران ما بعد الثورة، تشبه الاتحاد السوفيتي في ذروة الحرب الباردة، هي "حالة ميئوسة" لدولة قمعية سياسيًّا واجتماعيًّا، حيث تحمي قوة أمنية داخلية وحشية شبكة الفساد التابعة للنظام، كما تحمي الوضع السياسي الراهن في إيران، تمامًا كما حدث في الدول السوفيتية، وجهاز الأمن الداخلي الإيراني يقف بشدة أمام ظهور أية حركات شعبية للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، التي ربما تكون أكثر وضوحًا مع القمع الوحشي للحركة الخضراء المعتدلة. على هذا النحو، وبخلاف تغيير النظام المفروض خارجيًا، لا يمكن أن يبدأ التحول الحقيقي في مثل هذه الأنظمة إلا من أعلى إلى أسفل بواسطة قائد لديه الرغبة الكافية والقادرة على القيام بذلك.

عندما ظهر في النهاية سياسي ذو عقلية إصلاحية لقيادة الاتحاد السوفيتي، انتهز ريجان هذه الفرصة لمواصلة محاولته المستميتة للتواصل الدبلوماسي مع القادة السوفيت المتعاقبين. وذلك حين تولى "ميخائيل جورباتشوف"، تمامًا مثل الرئيس الإيراني الحالي "حسن روحاني"، السلطة بتفويض لمواجهة التحديات الاقتصادية العميقة والاستعداد– في ظل مخاطر سياسية هائلة– للتفاوض مع الولايات المتحدة. في جهوده لتحفيز الاقتصاد السوفيتي، لم يكن لدى جورباتشوف، مثل معظم المعتدلين في إيران، على نية أو علم بانهيار النظام السياسي الشامل.

والجدير بالذكر أن جورباتشوف لم يتم اختياره لقيادة الاتحاد السوفيتي بسبب أجندته الإصلاحية، والتي كانت غير معروفة إلى حد كبير للمكتب السياسي عندما تولى السلطة. وهذا يتعارض مع الفكرة القائلة بأن زيادة الأسلحة الضخمة لإدارة الرئيس ريجان في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي تسببت في حالة من الذعر لدى القيادات العليا للمؤسسة السياسية السوفيتية وأثارت مخاوف المكتب السياسي في تعيين إصلاحي راديكالي في القيادة.

وعلى نحو مشابه، ففي سلسلة من الأخطاء التحليلية الجديرة بالملاحظة، لم يكن هناك نقص في المحللين الصقور الذين رفضوا إصلاحات جورباتشوف ووصفوها بأنها "لا معنى لها". ومن ناحية أخرى، أكد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية آنذاك، أن جورباتشوف ومن حوله "ليسوا إصلاحيين وليبراليين، سواء في السياسة الداخلية أو السياسة السوفيتية". وثبت فيما بعد أن هذه التقييمات غير صحيحة بدرجة كبيرة جدًا، حيث أدت إصلاحات جورباتشوف في النهاية إلى تحفيز انهيار دولة عظمى استبدادية.

ولا شك أن أوجه التشابه المعاصرة تنطبق على نوايا روحاني "المعتدلة" و"الإصلاحية". ورغم ذلك يتجاهل الكثير من المحللين المحافظين تمامًا الإصلاحات الاقتصادية التي اتبعها روحاني على نفس منوال جورباتشوف والقيود - وإن كانت محدودة - التي فرضتها إدارة روحاني على المحافظين المناهضين للولايات المتحدة في المؤسسة العسكرية الإيرانية، كما يتجاهل الصقور الحملة التي شنها روحاني– بأسلوب جورباتشوف – للقضاء على الفساد المستشري في "الدولة العميقة" الإيرانية.

كان على جورباتشوف أن يتصدى، كما يفعل روحاني اليوم، لوابل مستمر من النقد والتخريب من المحافظين المتشددين المناهضين للولايات المتحدة داخل حكومته. فعلى وجه الخصوص، واجه جورباتشوف هجومًا لا هوادة فيه من جانب عناصر شيوعية متشددة لمتابعة عدة برامج أسلحة باهظة الثمن ردًّا على حشد ريجان الدفاعي الضخم. ولكن لم يكن لدى جورباتشوف، المصمم على خفض نفقات الدفاع السوفيتية، أي شيء ليفعله؛ فالإنفاق العسكري السوفيتي، على عكس العديد من التقييمات الاستخباراتية الأمريكية، لم يرتفع أو ينقص بشكل كبير ردًّا على نفقات ريجان الدفاعية.

وبالمثل، وفي حين أن أبطال ريجان المعاصرين كثيرًا ما يستخدمون سياسته المتمثلة في "دحر" المغامرات العسكرية للسوفييت، فإنهم يتجاهلون أن جورباتشوف في الواقع لم يتراجع. لقد قام جورباتشوف بذلك بسبب الاعتراضات الشديدة للمتشددين المحافظين في موسكو، وبشكل حاسم، على الرغم من أن نهج المواجهة المبكرة لدى إدارة ريجان، حسب جورباتشوف والعديد من اللاعبين الرئيسيين الآخرين، لم يكن لها تأثير على صنع القرار السوفيتي. وعلى نفس المنوال، فمن غير المرجح أن تُكبح المغامرة الإيرانية في الشرق الأوسط عبر حملة "أقصى قدر من الضغط" الأمريكية. ولكن في الواقع، إذا كان نظام العقوبات الصارم والمتعدد الأطراف الذي طبقته الولايات المتحدة وحلفاؤها في عهد إدارة أوباما لم يكن له تأثير واضح على النشاط العسكري الإيراني في المنطقة، فمن غير المرجح أن يحقق تطبيق إدارة ترامب للعقوبات أحادية الجانب – دون دعم من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين – نتيجة مختلفة.

وفي النهاية، وعلى الرغم من التحديات المستمرة التي يثيرها كلا من المتشددين السوفيت والأمريكيين، فإن احتضان ريجان لجورباتشوف وضع الأساس للإقدام على خفض تاريخي في مستوى الأسلحة النووية، ومكَّن جورباتشوف من إجراء إصلاحات عجَّلت من الانهيار السلمي لدولة استبدادية ومتخلفة اقتصاديًا.

بالنظر إلى النتائج الإيجابية العميقة لتفاعل ريجان الدبلوماسي مع جورباتشوف، ليس هناك سبب وجيه للتشكيك في أن ريجان كان سيستخدم استراتيجية مماثلة تجاه إيران إذا كان في منصبه اليوم. في الواقع، قد يكون نهج ريجان تجاه إيران في منتصف الثمانينات مفيدًا في هذا الصدد. ففي صيف عام 1986، وفي خطوة جريئة أدت إلى فضيحة "إيران– كونترا" في النهاية، أرسل ريجان كبار مساعديه للأمن القومي للقاء سري مع مجموعة من المعتدلين الإيرانيين في طهران. في حين أن الهدف المباشر لريجان من التواصل مع الوفد الإيراني– برئاسة الرئيس الحالي حسن روحاني– كان ضمان الإفراج عن الرهائن الأمريكيين الذين احتجزهم العملاء الإيرانيون، وكان ريجان يأمل في تحقيق نتيجة أكثر طموحًا: تحسين العلاقات مع إيران ما بعد الثورة. وفي الواقع، ووفقًا لريجان، "كانت إعادة إقامة علاقة ودية مع إيران جذابة للغاية". ولعل الأهم من ذلك، أشار ريجان إلى الرئيس الحالي لإيران ومواطنيها على أنهم مجموعة من "الإيرانيين المعتدلين وذوي النفوذ السياسي"، بينما في الآونة الأخيرة، وافق عدد من المحاربين القدامى المحترمين في وكالات الاستخبارات الأمريكية على تقييم ريجان لروحاني بأنه "معتدل".

وبينما تعثرت المناقشات السرية بين فريق ريجان والإيرانيين في النهاية، أظهر ريجان ومساعديه فهمًا دقيقًا لمختلف الفصائل والتصدعات السياسية بين المعسكرات السياسية المحافظة والبراجماتية والإصلاحية في إيران. كما أتاح اجتماع فريق ريجان عام 1986 أيضًا بعض الاستنتاجات الثاقبة حول روحاني. فمن جهة، كانت الحكومة الإسرائيلية هي قناة روحاني للتواصل مع إدارة ريجان. لذا، ففي مرحلة ما– وربما فقط من أجل الإصلاحية– تسامح روحاني في العمل مع الإسرائيليين، وهي خطوة جريئة لمسئول إيراني كبير بعد سبع سنوات فقط من الثورة الإسلامية. وبالمثل، كان لدى الإسرائيليين– مرة أخرى، على الأقل في إحدى المراحل– ثقة كافية في روحاني لتعريفه بممثلي ريجان في البيت الأبيض. ولعل الأكثر لفتًا للنظر هو أن روحاني كان على استعداد للمخاطرة بحياته في محاولة تحسين العلاقات الإيرانية الأمريكية، حيث كان مبعوثو ريجان يخشون أن يعدم روحاني إذا ما تم القبض عليه هو وفريقه بتهمة التواصل غير المصرح به مع المسئولين الأمريكيين.

في حين أن روحاني، في منصبه الحالي كرئيس، يتمتع بسلطة أقل على خصومه الصقور مقارنة بجورباتشوف مع المتشددين السوفيت، إلا أنه من المعقول أن نستنتج أن ريجان، لو كان في منصبه اليوم، لكان تحايل مرة أخرى على المرشد الأعلى لإيران وتعامل مباشرة مع روحاني. وإذا كان ريجان مستعدًا للتعامل مع معسكر روحاني المعتدل عندما كانوا شخصيات سياسية غير معروفة نسبيًا، فمن المحتمل أن يعيد ريجان إشراك روحاني وهو في منصبه الحالي كرئيس للحكومة الإيرانية، لا سيما بالنظر إلى سجل روحاني في تطبيق إصلاحات اقتصادية على غرار جورباتشوف والتزام واضح بالتفاوض بحسن نية. بالطبع، يمكن للمرشد الأعلى الإيراني أن يسحق أي اتصال مع الغرب في النهاية، وأن يدمر الجهود الرامية لتطبيق إصلاحات شاملة حقيقية في إيران، إلا أن ريجان، الذي كان حريصًا على الانخراط دبلوماسيًا، كان من المحتمل أن يخاطر.

وبالنظر إلى تقدم عمر المرشد الأعلى "علي خامنئي" وسوء حالته الصحية، فإن ريجان سيسعى أيضًا إلى تشكيل المشهد السياسي الإيراني لما بعد خامنئي بطريقة تقوض الفصائل المحافظة في طهران، وتمكن المعتدلين المنفتحين مثل روحاني. وفي ملاحظة رائعة موازية للحالة الراهنة للسياسة الإيرانية، كتب ريجان أن إدارته "قضت وقتًا طويلًا في التفكير في السيناريوهات المحتملة لمستقبل إيران بمجرد رحيل الخميني"، وأنه هو ومستشاروه "أراد التأكد من أن الحكومة المقبلة في إيران ستكون معتدلة وودية".

وبالنظر إلى تباطؤ قوي للرأي العام الموالي للولايات المتحدة في إيران؛ فإن التقارب الدبلوماسي بين ريجان وزعيم إيراني معتدل سيزيد بشكل كبير من احتمالات انتخاب إصلاحي آخر– ربما كان جورباتشوفيًّا أكثر من روحاني - للرئاسة الإيرانية في عام 2021. ومن ناحية أخرى، فإن فرض العقوبات والتهديدات والاستعراضات الاستفزازية للقوة العسكرية، فمن المرجح أن ترى محافظًا معاديًا للغرب منتخبًا عندما تنتهي ولاية روحاني؛ ما يقوض أي تقدم نحو إصلاح ذي مغزى تم تحقيقه في عهد إدارة روحاني. وبتنحية السياسة الإيرانية الداخلية جانبًا، وبالنظر إلى رغبة ريجان الشخصية القوية لإزالة الأسلحة النووية، فمن المرجح أن يقفز، كما فعل مع السوفيت، في أي فرصة للتفاوض حول اتفاقية تمنع انتشار الأسلحة النووية.

في النهاية، تبنى "رونالد ريجان" رؤيتين متباينتين للغاية في السياسة الخارجية خلال فترة رئاسته. ففي سنوات منصبه الأولى، ألقى ريجان خطابًا عنيفًا وقويًا ضد قوة أجنبية متنافسة بينما كان يسعى إلى تعزيز دفاعي كبير له جذوره في المواجهة الأيديولوجية والعداوة. ولكن بعد أن تعلّم المزيد عن خصمه، عكس ريجان مساره لتبني دبلوماسية شخصية مباشرة، وفي السنوات التي أعقبت وفاة ريجان، استعان المراجعون التاريخيون المتشددون بشخصية ريجان العدواني العدائي في أوائل الثمانينيات باعتباره "الفائز" في الحرب الباردة. ومع ذلك، فلم يفز ريجان في الحرب الباردة من خلال شن حرب عدوانية أو تفوق السوفيت. لقد ساعد ريجان في إنهاء الحرب الباردة من خلال التراجع عن رغبته في تشجيع الإصلاحات الليبرالية في دولة استبدادية بتصميم قوي على إزالة الأسلحة النووية عبر طاولة المفاوضات.

ولسوء الحظ، فإن نهج إدارة ترامب تجاه إيران كان مناقضًا تمامًا مع نهج ريجان مع السوفيت. فبدلاً من "الانفتاح" دبلوماسيًّا وتقويض أسوأ جوانب "إمبراطورية الشر" من الداخل، أدن إجراءات الإدارة الأمريكية إلى حدوث العكس تمامًا. حيث يمكن أن يودي انسحاب الرئيس ترامب من جانب واحد من الاتفاق النووي التاريخي لعام 2015– من بين خطوات استفزازية أخرى – إلى تمكين العناصر الأكثر فسادًا وقمعًا ومعاداة للولايات المتحدة في طهران. كذلك فإن إعادة فرض نظام عقوبات شامل يفيد إلى حد كبير القيادة المحافظة المناهضة للغرب في الحرس الثوري الإيراني. وبالمثل، فإن الرئيس روحاني، المعتدل الوحيد الراغب في– والقادر على– تحقيق أي إصلاحات، شبيهة بتلك التي أجراها جورباتشوف، في إيران، كان تحت الحصار السياسي المستمر من خصومه السياسيين المحافظين. وفي أعقاب إجراءات إدارة ترامب، يمكن للمتشددين الإيرانيين الآن أن يشيروا– مع بعض المصداقية– إلى شعارهم بأنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة.

وعلى عكس التحريف التاريخي الذي تبناه الصقور في إدارة ترامب، فلو كان ريجان في منصبه اليوم في المكتب البيضاوي، فما من سبب وجيه يدعو للشك في أنه سينتهز أي فرصة لإلقاء طوق نجاة دبلوماسي لزعيم ذي عقلية إصلاحية مثل روحاني، لا سيما وأنه الشخص الذي خاطر بحياته لإجراء لقاء سري مع مبعوثي ريجان في محاولة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.

وفي النهاية، استمتع ريجان بالالتفاف على مستشاريه المتشددين، وهمس مرة واحدة لجورباتشوف: "أراهن أن المتشددين في بلدَيْنا سينزفون عندما نتصافح".


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق