أثر الخبز الرقمي.. كيف أصبح تخفي الجواسيس صعباً في زمن الإنترنت؟


١٣ يونيو ٢٠١٩ - ٠٩:٢٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
 


في الحادي والعشرين من أبريل 1963، خرج ثلاثة أمريكيين مصابين بهزال حاد من سجن "لاكابانا" الكوبي، وطاروا نحو الحرية، بعد إطلاق سراحهم في عملية تبادل للسجناء عقب احتجازهم لـ 949 يومًا في ظروف وحشية. كان الرجال الثلاثة ضباطًا متخفين في الـ "سي آي إيه" اعتقلتهم السلطات الكوبية فيما يبدو متلبسين أثناء زرعهم أجهزة تنصت. قدّم نظام فيدل كاسترو هؤلاء الثلاثة للمحاكمة وجرى اتهامهم بارتكاب "أنشطة ضد أمن الدولة الكوبية" وجرى إلقاؤهم في السجن. لكن طوال فترة محنتهم، تمسّك الثلاثة بشدة بروايتهم الكاذبة، زاعمين أنهم كانوا سياحًا، وهو زعم دعمته وثائق هوياتهم المزيّفة التي كانت عبارة عن رُخص قيادة وتأشيرات دخول وبطاقات ائتمانية. لم يكتشف الكوبيون حتى أسماءهم الحقيقية: ديفيد إل كرايست، وثورنتون جاي أندرسون، وولتر أي سومينسكي.

عند إطلاق سراحهم، كان قد مضى على تأسيس وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" خمسة عشر عامًا. . غير أن قصة هؤلاء الثلاثة كان يمكن أن تقع أثناء الأربعة أو الخمسة عقود الأولى في عمر السي آي إيه، عندما كان زرع عملاء متخفين بنجاح، يعتمد على ثلاثة أنشطة أساسية: صناعة هوية مزيّفة مقبولة أو ما يسمى "أسطورة"، وقدرة هذا الضابط على إقناع أي شخص مهتم بأن الهوية التي يعلن عنها هي بالفعل هويته الحقيقة، وامتلاك هذا الضابط لوثائق تدعم زعمه. الآن، وفي العصر الرقمي، الذي يمكن فيه التحقق بسهولة من المعلومات الأساسية للشخص - وتعقب التحركات دقيقة بدقيقة - فقد أصبحت صناعة هويّة مزيّفة والمحافظة عليها تمثل تحديًا أعظم بكثير.

لكن منذ خمسين عامًا مضت، كانت عملية صناعة تلك الوثائق المزيّفة من وظيفة رجال مثل أنطونيو جاي "طوني" مينديز، وهو فنان استعانت به السي آي إيه ليصبح أساسًا مزوّرًا محترفًا. (استخدمت الوكالة مصطلح "فنان/مُدقِق"). في كتابه "سيّد التخفّي"، يقول "مينديز" إنه عندما انضم في عام 1965، كانت السي آي إيه تحتفظ بـ 15 ألف هوية مزيّفة، وهو رقم زاد بالتأكيد في أعقاب توسّع الوكالة منذ عام 2001. إن العمل المطلوب للحفاظ على هذه الهويات المزيّفة "الأساطير" كان هائلاً، ما تطلب تزوير بطاقات هوية وشهادات ميلاد وسجلات مدرسية وملفات خدمة عسكرية ووثائق سفر، من بينها جوازات السفر، وتأشيرات الدخول، وتذاكر الطائرات.

تدريجيًا، وبحسب كلام مينديز، حسّنت السي آي إيه من قدرتها على صناعة هويات مزيّفة لضباطها؛ ما سمح لهم بالتظاهر بأنهم قادمون من "دول ثالثة" محايدة، أي ليس من الولايات المتحدة أو الدول التي يقومون فيها بعملياتهم. لكن دومًا، كان يجب أن تكون الأوراق متلائمة بالضبط مع "الأسطورة". يقول "مارك كيلتون"، عميل السي آي إيه المخضرم الذي خدم في تلك الوكالة لـ 34 عامًا وتقاعد في عام 2015: "لو قلت إنك سافرت إلى بتسوانا، فإن أوراقك يجب أن تثبت أنك سافرت عبر بتسوانا".

أنوع مختلفة من التخفّي
عندما انضم "كيلتون" للسي آي إيه في عام 1981، لم يتغير الكثير منذ الوقت الذي بدأ فيه "مينديز" العمل مع الوكالة. لقد عمل معظم ضباط السي آي إيه تحت غطاء رسمي؛ ما يعني أنهم تظاهروا بالعمل لحساب فرع آخر للحكومة الأمريكية، عادةً وزارة الخارجية. لكن بعضهم كانوا ضباطًا لا يعملون تحت غطاء رسمي، يعملون ظاهريًّا في الخارج بالقطاع الخاص، دون الاستفادة من الحصانة الدبلوماسية. إن دعم هوية مزيّفة غير رسمية كان يستلزم مجهودًا أكبر بكثير، حسبما يقول كيلتون، الذي كانت آخر مهمة تولاها في وكالة السي آي إيه هي منصب مسؤول رفيع في مكافحة الإرهاب. ويضيف: "من الصعب على شخص من الخارج أن يستفسر عن وكالة حكومية" مستطردًا: "لكن أي شخص في الشارع يمكنه أن يدخل ويسأل شركة مثل  ACME Widget هل يعمل جون سميث هنا؟ بالتالي فإن هذا الأمر جعل المهمة أكثر تعقيدًا".

دعمت السي آي إيه بعض العملاء غير العاملين تحت غطاء رسمي عبر تولي أمر الهواتف التي كانت ترنّ عندما يطلب شخص ما الأرقام التي أعطاها إياه ضباط السي آي إيه باعتبارها أرقام عملهم. ويقول كيلتون: "كان شخص ما يلتقط سماعة الهاتف ويردّ قائلاً "هذه شركة ACM Widget "- أو أيًّا كان اسمها - ثم يقوم هذا الشخص بإيصال رسائل إليك".

وضع أسلوب الحياة هذا ضغوطًا هائلة على الأفراد المطلوب منهم العيش في حياة من التخفّي. يستكمل كيلتون حديثه بالقول إن "عبور الحدود يمكن أن يكون مرهقًا للغاية. وتعرّضك لمواجهة من جانب أشخاص في الشارع يمكن أن يكون مرهقا للغاية. واقتراب شخص منك يعرفك باسم آخر يمكن أيضا أن يكون مرهقًا للغاية". تعرّض كيلتون للموقف الأخير مرتين عندما كان يقابل شخصًا تحت اسم مستعار - لكن في كلتا الحالتين، لم ينجح ذلك التطفل غير المرغوب فيه في إفساد العملية. يقول كيلتون: "يجب أن تفكر سريعًا" لكي تشرح الوضع للأطراف كافة.

عندما يصبح الدبلوماسيون منتجي أفلام  
واحدة من أشهر عمليات السي آي إيه التي استُخدمت فيها أساليب التخفي والوثائق المزوّرة، كانت مهمة إخراج ستة دبلوماسيين أمريكيين من طهران، وهي العملية التي تم تأريخها في فيلم "أرغو" الحاصل على جائزة الأوسكار. وبعد تمكّنهم من تجنّب محاصرتهم واحتجازهم عندما اقتحم متشددون إيرانيون مبنى السفارة الأمريكية، لجأ هؤلاء الأمريكيون لمنازل دبلوماسيين كنديين اثنين. في غضون هذا فكّرت السي آي إيه في خطة لإخراجهم من إيران.

كانت خطة السي آي إيه، التي تولى فيها "مينديز" دورًا قياديًّا، تقتضي جعْل الدبلوماسيين يتظاهرون بأنهم جزء من فريق عمل فيلم هوليودي يسعون لتصوير فيلم خيال علمي في إيران. تطلب الأمر أن يتنكّر الدبلوماسيون الستة ويحفظون قصصًا ويتخذون أسماءً مزيّفة تتطابق مع الوثائق التي أحضرها "مينديز" لهم. نجحت تلك الخطة المحكمة نجاحًا باهرًا، وفي الثامن والعشرين من يناير 1980، طار الدبلوماسيون الستة ومرافقوهم من السي آي إيه خارج طهران إلى مكان آمن.

ممارسة التخفّي في عصر غوغل والفيسبوك  
ومثلما كان صعبًا على الجواسيس صناعة غطاء للتخفي والمحافظة عليه أثناء الحرب الباردة، فإن وصول العصر الرقمي تُرَك ضباط السي آي إيه معرضين للخطر بطرق لم يعهدوها من قبل. يقول "كيفين هلبرت"، وهو رئيس سابق لمحطة سي آي إيه تقاعد عام 2014: إن "قدوم الإنترنت كان مشكلة كبيرة".

فيما ذكر ديفيد كوهين، الذي كان آنذاك يشغل نائب مدير الوكالة في خطاب عام 2015 بجامعة كورنيل: إن الأثر الرقمي الذي نتركه -  معاملات بطاقات الائتمان، واستئجار السيارات، وعمليات البحث والشراء على الإنترنت - هي مثل فتات الخبز الرقمي لجهاز مخابرات أجنبي يحاول إجراء بحث عن ضابط حالة. ويضيف كوهين أنه نظرًا لكثرة التفاعلات والمعاملات والاتصالات التي يتم القيام بها أو تخزينها على الإنترنت، فقد أصبحت الضرورات بالنسبة للسي آي إيه واضحة: "يجب علينا إيجاد طرق لحماية هوية ضباطنا الذي يتركون يومًا بعد يوم أثرًا رقميَّا وراءهم منذ الولادة. بالمثل، نظرًا لأن عدم ترْك أثر رقمي يمكن أن يثير الشبهات، فإن علينا أيضا أن نفكر في طريقة لصناعة آثار رقمية تدعم الهويات المزيّفة".

إن العصر الرقمي يضع الجواسيس المتخفين أمام أربعة تحديات متشابكة. التحدي الأول هو التهديد الذي تشكله محرّكات البحث التي يمكنها إجراء بحث في الإنترنت في جزء بسيط من الثانية. يقول كيلتون إن "غوغل يقوم أساسًا بالبحث الذي كان يقوم به مئات الأشخاص لحساب وكالة استخبارات". يمكن لبحث سريع على غوغل أن يساعد وكالة استخبارات معادية في تحديد ما إذا كان ما يقوله ضابط حالة أمريكي متخفٍ عن نفسه صحيحًا. ويستطرد كيلتون: "وهذا بالطبع عقّد حياة ضباط المخابرات كثيرًا".

ناهيك عن أن الشخص العادي الذي يبلغ عمره 50 عامًا من المرجّح أنه يمتلك تاريخًا ائتمانيًا ورهون عقارية وآثارًا رقمية أخرى قديمة. يذكر كيلتون أنه "من الصعب للغاية تقليد هذا النوع من الأمور في السفر باستخدام اسم مستعار"، وتابع: "هذا ممكن إلى حدٍّ ما، لكن الأمر يستغرق وقتًا طويلاً لبناء هذا النوع من الهويات المزيّفة التي يمكنها تفادي التدقيق الشديد".  

التحدّي الثاني: انتشار منصّات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك ولينكدن. يقول كيلتون: "لو كنت شابًا أو محترفًا اليوم، فإنك ستمتلك في كل الأحوال تقريبًا حسابًا على وسائل التواصل الاجتماعي". بالنسبة لضابط متخفٍ، فإن هذا الحساب "يجب أن يتوافق مع أي مهمة تتولاها... من الصعب للغاية إبقاء هذا الأمر متسقًا".

إن إنشاء حساب ليتلاءم مع هوية مزيّفة "أسطورة" قبل العملية بوقت قصير، نادرًا ما يكون خيارًا. ويستكمل كيلتون حديثه بالقول: "ما لا ترغب به.. هو أن يظهر هذا الحساب فجأة في يوم واحد" مضيفًا: "هذا الأمر غير عملي، إلا إذا كان لديك سبب وجيه للغاية يفسر هذا الأمر". ومن أجل أن تكون الحسابات ذات مصداقية، يجب أن يعود تاريخ إنشائها لسنوات عدة.

التحدّي الثالث، لا سيما فيما يتعلق بالسفر بأسماء مزيّفة، يتمثل في توسُّع مجالات القياسات الحيوية وتكنولوجيا التعرف على الوجه. إن تركيب ماسحات قزحية العين في المطارات والمعابر الحدودية الأخرى، عقّد كثيرًا من محاولات دخول البلد بهويّة مزيّفة. الأمر ذاته ينطبق على تبنّي العديد من الدول لجوازات السفر البيوميترية، حسبما يقول "هيلبرت".  

ثم هناك مسألة إنشاء الحكومات والمنظمات الدولية لقواعد بيانات كبيرة. يتذكر كيلتون أنه أثناء الحرب الباردة "لم يكن متوفرًا لدى حراس الحدود ومسؤولي أمن المطارات قواعد بيانات حاسوبية وتقنيات تذكر فوري، كما هو الحال الآن". فلو تمكّن جواز سفر أو تأشيرة دخول مزيفين تابعين لضابط متخفٍ من المرور بعد فحصهما بصريًّا من جانب المسؤول الأمني في المطار، فإن الضابط/ة يُسمح له بالمرور. أما اليوم، فبإمكان المسؤول الأمني إدخال كل معلومات جواز السفر في الحاسوب قبل السماح للشخص بالمرور.

يقول كيلتون: إن ما يزيد المسألة تعقيدًا هو أن قواعد البيانات هذه مرتبطة غالبًا بشبكات دولية، سواء كانت مؤسسات أمن للخطوط الجوية أو منظمات شرطية دولية. ويضيف : "في عالم الاستخبارات، كما في عالم الجيوش، الطرف الأبطأ في التكيّف يخسر". لهذا في عام 2015، وبعد ان أفاد ضباط كبار بأن وكالة الاستخبارات، حسب كلام ديفيد كوهين، "ليست جاهزة تمامًا للاستفادة من الفرص التي تقدمها التكنولوجيا الرقمية الناشئة"، أنشئت وكالة السي آي إيه أول إدارة جديدة لها منذ 1963 وهي "إدارة الابتكار الرقمي". أحد محاور التركيز الرئيسية لهذه الإدارة، بحسب كلام ديفيد كوهين، هو مساعدة "الضباط السريين على الحفاظ على غطاء فعّال في هذا العالم الرقمي الحديث".

أحد الطرق للقيام بهذا ربما تتمثل في العودة إلى الاستخدام الأوسع نطاقًا لأسماء الضباط الحقيقية. يقول كيلتون: إن "العمل عبر استخدام الاسم الحقيقي هو أقدم شكل من أشكال التجسس". ويستطرد كيلتون قائلا: "المنطق يقودك في هذا الاتجاه"، من دون أن يؤكد ما إذا كان هذا هو المسار الذي تسلكه وكالة السي آي إيه. ويضيف كيلتون: "إن العمل باسم حقيقي هو أسهل كثيرًا في أحد جوانبه، فانت غير مضطر أن تتذكر مَن أنت، وما تعتمد عليه سيكون تدريبك وانضباطك".

لكن الخطر، بالطبع، يكمن في أن العملاء في هذه الحالة يخسرون الحماية والحصانة التي يوفرها الاسم المستعار لهوياتهم، وهويات عائلاتهم أيضًا. ويضيف كيلتون: "لكن لو كان هذا ما يتطلبه الأمر...فإنه يجب القيام به لإنجاز المهمة المطلوبة".  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق