فورين بوليسي | ديكتاتورية الدولار.. كيف تسعى أوروبا للإفلات من القبضة المالية الأمريكية؟


١٧ يونيو ٢٠١٩ - ١٠:٣٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



إن سعي أوروبا لإيجاد بديل للهيمنة المالية الأمريكية والسيطرة العالمية للدولار، ازداد حدّة منذ أن رفع قادة ألمانيا وفرنسا صوتهم عاليًا بشأن ضرورة استعادة سيادة بلادهم الاقتصادية في الصيف الماضي. لكن الحكومات الأوروبية باتت تجد أن صياغة خطة قابلة للتنفيذ هو أمر قوله أسهل من فعله؛ ما ترك الأوروبيين في حالة حنق ولكن أيضًا في حالة ضعف أمام أساليب واشنطن القسرية. لكن هذا لا يعني أن الأوروبيين سيتخلون عن المحاولة، وهذا يمثل خطرًا طويل الأمد على القوة الأمريكية.

وقد اعترضت دول مثل فرنسا وألمانيا في بداية الأمر على قرار إدارة ترامب بالانسحاب من جانب واحد من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015، وإعادة فرض عقوبات مُكبِّلة على إيران؛ ما وضع الشركات الأوروبية في مرمى العقوبات الأمريكية مباشرة. ولا تزال سياسة أمريكا تجاه إيران تثير غضب الأوروبيين، لكن جهودهم لإنشاء ما يسمى "آلية محددة الأهداف" تساعد في ممارسة بعض الأعمال التجارية مع إيران ما تزال مستمرة، بالإضافة إلى لقاءات سيتم تنظيمها هذا الأسبوع، حتى بالرغم من الهجمات التي طالت ناقلات نفطية في خليج عُمان.

لكن منذ عودة العقوبات على إيران في العام الماضي، كثّفت إدارة ترامب من استخدامها للعقوبات والأسلحة الاقتصادية الأخرى لإجبار أصدقائها وخصومها للخضوع لرغباتها في مجال السياسة الخارجية.

وبالإضافة إلى نهجها الصارم تجاه إيران، زادت الولايات المتحدة من عقوباتها القاسية على فنزويلا، بما في ذلك فرض حظر شامل على تقديم مساعدة للصناعة النفطية الفنزويلية، كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات إضافية على بنوك وأفراد روس، وكررت تهديداتها بفرض عقوبات أمريكية على شركات أوروبية مشاركة في بناء أنبوب غاز روسي في ألمانيا، فضلًا عن تهديداتها بفرض عقوبات ضد تركيا، حليفتها في الناتو، بسبب قراراتها المتعلقة بالمشتريات الدفاعية، علاوة على تطبيقها غير المسبوق لقانون خاص بكوبا صادر في تسعينيات القرن الماضي؛ ما يمثل تهديدًا مباشرًا لشركات في أوروبا وأماكن أخرى.

وتأتي هذه العقوبات، إضافة إلى مجموعة من الإجراءات التجارية القاسية، بداية من فرض رسوم هائلة على الصين هدفها إجبار الصين على تغيير نظامها الاقتصادي بأكمله، وصولاً إلى التهديد بفرض رسوم على المكسيك بغرض إجبار هذا البلد على تغيير سياساته الخاصة بالهجرة، ناهيك عن حملة إدارة ترامب لإقناع دول حول العالم بحظر شركة "هواوي" الصينية، التي تعدّ أكبر مُصنِّع لمعدات الاتصالات في العالم.

لقد استطاعت واشنطن ممارسة كل هذا التسلّط لأن الدولار الأمريكي ما يزال عملة الاحتياط العالمية، والعملة الأكثر استخدامًا في المعاملات العابرة للحدود. مع هذا، تخاطر إدارة ترامب عبر لجوئها لهذا السلاح المالي بجموح قلّما شوهد من قبل، حسبما يقول "جون سميث"، الذي استقال العالم الماضي من منصبه كرئيس لقسم العقوبات في وزارة الخزانة الأمريكية.

يقول "سميث" الذي يعمل الآن رئيسًا مشاركًا في مجموعة الأمن الوطني في شركة "موريسن وفوريستر" للمحاماة: "ما يدعو للقلق العميق أنه كلما زادت الولايات المتحدة من دفعها الأوروبيين بعيدًا عن السياسة المشتركة، زادت رغبة الأوروبيين في البحث عن بدائل حقيقية للنظام المالي الأمريكي" الأمر الذي سيُضعف في نهاية المطاف من قوة أمريكا الاقتصادية وقدرتها على استعمال العقوبات بصورة فعّالة.

وحتى الآن، تُعزز ردود الأفعال السلبية تجاه الإجراءات المالية الأمريكية من حظوظ اليورو قليلا، فيما خلص البنك المركزي الأوروبي في تقريره السنوي الصادر يوم الخميس بشأن استخدام اليورو، إلى أنه “يبدو أن تنامي القلق بشأن تأثير التوترات التجارية الدولية والتحديات أمام النهج المتعدد الأطراف، دعم وضع اليورو عالميًا" على مدار العالم الماضي.

وبالرغم من أن حصة اليورو من المعاملات العابرة للحدود بقيت كما هي تقريبًا (أقل من ثلث كل المعاملات) غير أن حصة اليورو من احتياطيات العملات الأجنبية العالمية، زادت في العام الماضي، بينما انخفض نصيب الدولار إلى مستواه الأدنى في عشرين عامًا تقريبًا. وذكر البنك المركزي الأوروبي أن بعض البنوك المركزية تقلل من التعرض للدولار بسبب خطر الإجراءات الأحادية.

في هذا الأسبوع، رفض وزير المالية الفرنسي "برونو لو مير" الضغوط الأمريكية لحظر شركة هواوي، مشيرًا إلى ضرورة حماية السيادة الفرنسية. وفي هذا الشهر، طالب محافظ البنك المركزي الفرنسي، المتنافس على منصب الرئيس الجديد للبنك المركزي الأوروبي، بدور أكبر لليورو في استعادة سيادة أوروبا المالية. في غضون ذلك، احتجّ مشرّعون فرنسيون ضد العقوبات الأمريكية العابرة للحدود، وعبّروا عن قلقهم بشأن مستقبل التحالف الأطلسي. حتى إسبانيا عبّرت عن غضبها الشديد إزاء إعادة الولايات المتحدة إحياء العقوبات ضد كوبا؛ الأمر الذي يهدد شركاتها الرئيسية.

ويقول "سميث" إنه بالرغم من أن الولايات المتحدة استخدمت بشراسة موقعها المركزي في النظام المالي العالمي لفرض عقوبات على جهات مارقة منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أن ما يفعله الرئيس ترامب الآن بلغ مستوىً جديدًا.

ويقول سميث إن "إدارة ترامب أكثر استعدادًا بكثير لمواجهة حتى الحلفاء، والسعي لفرض تغييرات في سياساتهم الخارجية، مستخدمة التهديد بالعقوبات، بالإضافة إلى التهديدات التجارية"، مضيفًا: "نحن نسمع الآن من فرنسا وألمانيا ما كنا نسمعه من الصين وروسيا".

إن مشكلة حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا وأماكن أخرى، الذين يسعون للالتفاف على القبضة المالية الأمريكية، تتمثل في أنهم يواجهون مشكلة صعبة للغاية في إنهاء الهيمنة العالمية للدولار المستمرة منذ ما يزيد على سبعة عقود. وما يزال النظام المالي الأمريكي هو النظام العصبي المركزي للجزء الأكبر من المعاملات المالية، وهذا يمنح صنّاع السياسات الأمريكيين القدرة على الضغط على دول أخرى، وهي قدرة لا مثيل لها في أي مكان آخر، بالرغم من الجهود المتفرقة في العقود الماضية من جانب دول مثل اليابان والصين ودول أخرى لجعل عملاتهم وأنظمتهم المصرفية بديلاً للنظام المالي الأمريكي.

ويتجلّى هذا بصورة خاصة في جهود أوروبا لمواصلة التجارة مع إيران عبر ما يعرف بـ "إنستيكس"، وهي آلية مالية خاصة تهدف للسماح بممارسة تجارة محدودة في البضائع الإنسانية والدواء بالرغم من العقوبات الأمريكية. وبعد عام من المحاولة، لم تتمكن أوروبا وإيران حتى الآن من تفعيل هذا النظام. وبعبارة أدقّ، مهما كانت رغبة الحكومات الأوروبية (وبروكسل) للوفاء بالتزاماتها تجاه إيران بموجب الاتفاق النووي المبرم عام 2015، إلا أن الشركات الأوروبية لديها حساباتها الخاصة - وهذه الحسابات لا تتضمن الدخول في مواجهة مع وزارة الخزانة الأمريكية.

يقول "باري آيكنغريين" أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا (بيركيلي)، إن "الشركات، حتى الروسية والصينية منها، تفعل ما يخدم مصالحها. وحتى في الصين وروسيا، فإن هذه الشركات لا تُخضع مصالحها الخاصة لرغبات الحكومة". ويضيف آيكنغرين: "حتى اللحظة، لا يزال استخدام الدولار أمرًا مناسبًا واقتصاديًا من وجهة نظر الشركات".

هذا أحد الأسباب التي تفسر سبب مضاعفة الأوروبيين لجهودهم منذ العام الماضي لخلق دور دولي أكبر لليورو، الذي يُعد ثاني أهم عُملة على المستوى العالمي.

في الخريف الماضي، دعا رئيس المفوضية الأوروبية "جان كلود يونكر" لإجراء إصلاحات اقتصادية ونقدية أعمق لتعزيز دور اليورو في الاقتصاد العالمي؛ ما سيساعد في تحصين أوروبا من "النزعة الانفرادية الأنانية" التي تتبعها دول أخرى، واستطرد يونكر قائلا: إن "اليورو يجب أن يصبح واجهة وأداة لأوروبا جديدة وذات سيادة أكبر".

وفي العام الماضي، وضعت المفوضية الأوروبية خارطة طريق لتعزيز دور اليورو الدولي، بما في ذلك بناء اتحاد نقدي حقيقي بعد عشرين عامًا من إطلاق العملة الأوروبية، وذلك عبر إنشاء قطاع مصرفي وأسواق رأسمال أوروبية حقيقية، وهي أسواق لا تزال مقسّمة على أسس وطنية. كما أن هناك عنصرًا مهمًا آخر يتمثل في الإكثار من استخدام اليورو، والتقليل من استخدام الدولار في قطاع الطاقة. وبالرغم من كونها أكبر مستورد للطاقة في العالم، تدفع أوروبا بالدولار مقابل مشتريات النفط والفحم والغاز الطبيعي.

في هذا الأسبوع، ذكرت المفوضية الأوروبية أن المشاورات مع طيف واسع من الصناعات أظهرت وجود "دعم واسع لتقليل الاعتماد على عملة عالمية واحدة مهيمنة"، بالإضافة إلى "الإقرار بأن الاتحاد الأوروبي، عبر عملة اليورو، يمكنه تعزيز سيادته الاقتصادية". ووجدت المفوضية أن اليورو هو العملة الوحيدة التي باستطاعتها التنافس من الناحية الواقعية مع الدولار.

لكن أوروبا لا تزال تكافح لجعل عُملتها العملة المفضلة، وذلك لأسباب تبدو منطقية، مثل مبلغ الـ 300 مليار يورو الذي تنفقه القارة سنويًّا على واردات الطاقة، حيث إن الحصة الأعظم من هذا المبلغ تُدفع بالدولار، ويمر هذا المبلغ عبر المصارف الأمريكية تحت مرأى السلطات الأمريكية. ويشدّد مسؤولو المفوضية الأوروبية على أنه يجب إحراز قدر أكبر من التقدم بخصوص إنشاء الاتحاد المصرفي والنقدي الأوروبي، لا سيما إنشاء سوق رأسمال أوروبي حقيقي، لتحسين القدرة على التنافس مع الدولار والقوة المالية الأمريكية.

يقول الأستاذ "آيكنغرين": "ما الذي يعيق اليورو؟ لا تزال الأسواق المالية الوطنية في أوروبا تفتقر لحجم وسيولة الأسواق المالية الأمريكية لأنها مجزّأة على أسس وطنية". ويستكمل "آيكنغرين" حديثة بالقول: "لكن روما لم تُبن في يوم. إن هذه المشاريع التجريبية تبشّر بما هو آتٍ. الأمر سيستغرق بعض الوقت للوصول إلى الهدف".

لقد انخرطت الولايات المتحدة وأوروبا سابقًا في العديد من الخلافات الاقتصادية العميقة، بداية من النزاع بشأن السياسة التجارية والنقدية في السبعينيات، وصولاً إلى النزاعات التي استمرت لعقود بشأن الزراعة والمعونات الصناعية والرسوم. لكن إصرار أمريكا الأخير على استخدام قوتها المالية لإجبار حتى أقرب حلفائها على الامتثال لرغباتها، يُعد تطورًا جديدًا؛ ما قد يُسفر عن آثار دائمة، حسبما يقول "سميث".
ويضيف سميث: "لقد دفعت الولايات المتحدة أوروبا إلى حافة الانهيار فيما يتعلق بهذه المسألة، إذْ باتت العواصم في أوروبا تبحث عن بدائل، وفي مرحلة ما، ستؤتي هذه البدائل ثمارها".  
 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق