ناشيونال إنترست | تسييس الاستخبارات... كيف لفقت الولايات المتحدة حادثة خليج تونكين؟


١٩ يونيو ٢٠١٩ - ٠٥:٠٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



إن التشابهات المُقْلِقَة بين الفترة التي سبقت حرب العراق 2003 وعدوانية إدارة ترامب تجاه إيران لا زالت مستمرة في التراكم. إنها تشمل الخطاب المروِّج للحرب الذي يبدو مستمدًا من نفس السيناريو، لكن في بعض النواحي, أوجه الشبه مع الحاضر مميزة أكثر بحادثة وقعت منذ أكثر من نصف قرن, متجاوزة الذاكرة الحية لمعظم الأمريكيين.

كان الزمان هو أغسطس 1964, والمكان المياه القاتمة لخليج تونكين.حينها, مثلما هو الحال الآن, أرادت الإدارة الأمريكية إظهار الصلابة أمام دولة آسيوية تعتبرها خصمًا. كان ليندون جونسون, الذي أصبح رئيسًا قبلها بتسعة أشهر عقب اغتيال جون كينيدي, يواجه باري جولدواتر في الانتخابات الرئاسية، فيما كان على جونسون موازنة موقفه بصفته المرشح الأكثر حبًا للسلام مع دليل على أنه يمتلك العزم على استخدام القوة في الوقت المناسب. وفي حوار هاتفي مع وزير دفاعه, روبرت ماكنمارا, فسّر جونسون البيئة السياسية بهذه الطريقة بينما بدأت حادثة تونكين في التكشف: "إن الأشخاص الذين يتصلون بي جميعهم يشعرون بأن البحرية ردت بطريقة رائعة ... لكنهم يريدون التأكد من أنني لن أسحبهم وأهرب. هذا هو ما تريده البلاد؛ لأن جولدواتر يثير الكثير من الجلبة حول كيف سيقضي عليهم".

حينها, مثلما هو الحال الآن, كانت الولايات المتحدة تنشر قواتها العسكرية بشكل جازم, لدرجة سياسة حافة الهاوية, في الفناء الخلفي لمن سيصبح خصمًا. كانت القوات البحرية الأمريكية والفيتنامية الجنوبية تجريان عمليتين في ذلك الوقت في خليج تونكين؛ واحدة منهما هدفت لجمع معلومات استخباراتية من طرف السفن الحربية الأمريكية, وتشمل المدمرتين اللتين ستشتركان في الحادثة, مادوكس وترنر جوي.

والثانية كانت سلسلة من الغارات وعمليات التسلل الفيتنامية الجنوبية على طول الساحل الفيتنامي الشمالي. وعلى الرغم من أن العمليتين كانتا منفصلتين, إلا أنه من غير المرجح أن الفيتناميين الشماليين رأوها بتلك الطريقة.

حينها, مثلما هو الحال الآن, رحّب صُناع السياسة في الإدارة الأمريكية بوقوع حادثة كأساس منطقي للغارات الجوية ضد الخصم, في ظل غياب أي شيء آخر تفعله شمال فيتنام يمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية.

 لم يكن هناك أدنى شك في أنه في يوم 2 أغسطس 1964, أطلقت قوارب الدورية الفيتنامية الشمالية النار على مادوكس, التي كانت تعمل بالقرب من ساحل شمال فيتنام. وحينها تراجعت مادوكس سريعًا إلى المياه الأكثر بُعدًا في الخليج، وبعدها بيومين أورد طاقما مادوكس وترنر جوي القلقان أنهما يتعرضان للهجوم مجددًا, مستشهدَين بإشارات الرادار والسونار وجهود البحارة على ظهر السفينة لإدراك بصيص الضوء في المياه المظلمة التي تجتاحها الرياح. وإذا كانت قد وقعت هجمة في 4 أغسطس بالفعل, فإنها ستكون أكثر أهمية من الهجمة السابقة لأنها تشير إلى أن شمال فيتنام كانت لديها نوايا عدوانية تمتد لأبعد من حماية ساحلها.

وقد أظهرت دراسة شاملة لاحقة للموضوع أنه لم تكن هناك هجمة ثانية. لكن إدارة جونسون تركت استنتاجها المفضل يسبق الأدلة، وصعّبت التسريبات الصحفية الفورية حول تقارير عن وقوع هجمة ثانية على الإدارة حجب الحكم عن الحادثة الواردة أو توجيه ضربة عسكرية انتقامية دون أن تُتهم بالتستر بشكل جبان على هجوم على القوات الأمريكية، وأصدر البنتاجون بيانًا أكد بشكل قاطع أن شمال فيتنام قد هاجمت مادوكس وترنر جوي في المياه المفتوحة لخليج تونكين.  

وكان البحث عن أدلة لدعم هذا التأكيد مُغرضًا بلا خجل، وأوضحت رسالة من هيئة الأركان المشتركة يوم 6 أغسطس هذه النية: "توجد حاجة مُلحة لإثبات ودليل على الهجوم الثاني الذي شنته الوحدات البحرية الفيتنامية الشمالية ... يجب أن تكون المواد من النوع الذي يُقنع منظمة الأمم المتحدة بأن هجومًا ثانيًا قد وقع بالفعل".

وبات خبراء المخابرات متأكدين من أن المهمة كانت إقامة حُجة حول الاعتداء الفيتنامي الشمالي وليس التركيز على أي قصور في الأدلة. تذكّر أحد ضباط السي آي إيه الذي حضر الاجتماعات حول الموضوع, "لقد علمنا أن ما كنا نحصل عليه من الأسطول السابع ادعاءات كاذبة, لكن قيل لنا أن نقدم الوقائع فقط دون توضيح لطبيعة الأدلة. ... لقد عرف الجميع إلى أي مدى كان ليندون جونسون متقلبًا، ولم يكن يحب التعامل مع الأمور غير المؤكدة".

لقد عمل المحللون في وكالة الأمن القومي المكلفون بتفسير الاتصالات الفيتنامية الشمالية الغامضة في نفس البيئة. وانتقدت دراسة لاحقة لمؤرخ في وكالة الأمن القومي عملهم بسبب سوء تفسير الاعتراضات القليلة التي أصبحت جزءًا من حُجة الإدارة وعدم إرسال قدر أكبر من المواد التي تعارضت مع الحُجة. وذكر المؤرخ أنه "ربما كان هناك الكثير من الضغط على الموظفين بوكالة الأمن القومي لكي يُصدروا ’الإثبات‘".  

وقد كان التسييس كافيًا لتحقيق النجاح، فمرّر الكونجرس قرار خليج تونكين, الذي أصبح تفويضًا من الكونجرس لشن ضربات جوية أمريكية على المنشآت البحرية الفيتنامية الشمالية وأيضًا لحرب برية لقي فيها ثمانية وخمسين ألف أمريكي حتفهم.

اليوم, تلفيق حادثة ما لكي تصبح أساسًا منطقيًا لعمل عسكري هجومي من المرجح أن يشمل من كان مسئولًا عنها، وليس فقط ما إذا كانت قد حدثت. 

وكما حدث مع فيتنام في 1964, بات رجال السياسة معرّضين لأن تستحوذ عليهم حالة من الانتقام والعداء. وفي الحالة الحالية, الحزبية التابعة للقائد سوف تُبرز هذا الميل بين أعضاء حزب الرئيس.

وأيضًا كما حدث في حالة فيتنام في 1964, من المرجح أن يصبح التفسير المسيس وانتقاء معلومات استخباراتية مجتزأة وغامضة جزءًا من التلفيق. لقد كانوا جزءًا منه في الترويج لحرب العراق في 2002-2003, حيث تضمن الضغط زيارات متكررة لنائب الرئيس ريتشارد تشيني إلى مقر السي آي إيه من أجل محاولة دفع المحللين للتوصل إلى أي شيء من شأنه أن يدعم "التحالف" الخرافي الذي تزعمه الإدارة بين العراق وتنظيم القاعدة. الآن, يعقد مستشار الأمن القومي جون بولتون اجتماعات في مقر السي آي إيه لبحث موضوع إيران، ولم يُكشف عن الموضوعات محل النقاش, لكن بالنظر إلى تاريخ بولتون الشخصي الذي يحمل محاولات لتسييس المخابرات, فمن المرجح تكرار شيء مثل خدعة تشيني.

أما الكونجرس – الذي على عكس العامة يمكنه الاطّلاع على المعلومات السرية – فهو يحمل المسئولية الرئيسية عن مواجهة تلك المناورات المدمرة. إن متوسط أعمار أعضاء الكونجرس الحالي ثمانية وخمسين في مجلس النواب واثنين وستين في مجلس الشيوخ, ما يعني أن العضو المتوسط كان طفلًا صغيرًا وقت حادث خليج تونكين، وربما ليس لديه ذكريات مباشرة عنه. وقد يساعد بعض الانتباه لهذا الجزء المؤسف من التاريخ الأمريكي في تجنب فصل إضافي مؤلم ومدمر في ذلك التاريخ.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق