مُخترع رحلات الطبقة العاملة والوسطى.. تعرف على تاريخ توماس كوك رائد السياحة الحديثة


١٩ يونيو ٢٠١٩ - ٠٥:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



كان توماس كوك رجلاً شغوفًا وُلد في عالم كان يعمل فيه معظم أفراد الطبقة العاملة ستة أيام في الأسبوع، ولم يسافروا مطلقا لمسافة تزيد عن 20 ميلاً من مسقط رأسهم. بدأ توماس العمل وهو في سن العاشرة في حديقة خضروات مقابل بنس واحد في اليوم، لكن بكثير من العزيمة والعمل الجاد، تمكّن ذلك الرجل المنتمي للطبقة العاملة في نهاية المطاف من بناء واحدة من أكبر شركات السفر في العالم.

مَن هو توماس كوك؟
ولد توماس كوك عام 1808 في بلدة "ملبورن" الصغيرة في إنجلترا، لكنه اشتهر بالوقت الذي عاشه في مدينة "ليستر". أنهى توماس تعليمه المدرسي في العاشرة من عمره للبدء في العمل، غالبا مقابل بنس واحد فقط في اليوم، لمساعدة عائلته. على مدار حياته، عمل توماس واعظا للكنيسة المعمدانية ونجارًا وصانع أثاث وصاحب مطبعة وناشرًا وناشطًا سياسيًا ومُنظِّم سفر.

 بعد رؤيته للآثار السلبية للإفراط في الشراب في سن مبكرة، تشكّلت لدى توماس كوك قناعة بأن الإدمان على الكحوليات كان من أهم أسباب المشاكل الاجتماعية في العصر الفيكتوري، لهذا قرر كوك تكريس أغلب وقته ومواهبه في دعم "حركة الاعتدال" (Temperance Movement) في إنجلترا لبقية حياته (وهي حركة تدعو للاعتدال في شرب الخمر أو الامتناع عنها تماما). في الواقع، فإن بدايات كوك كمُنظّم للسفر ستحدث بفضل معتقداته الخاصة بحركة الاعتدال. في عام 1841، جهّز كوك قطارًا خاصًا لنقل 500 شخص من ليستر إلى "لوفبوره" لحضور اجتماع لحركة الاعتدال. مقابل شلن واحد، حصل الركاب على رحلة ذهاب واياب بالقطار وعروض ترفيهية وشاي بعد الظهيرة وطعام. ليست صفقة سيئة!

مولد شركة "توماس كوك وابنه"
ثم في عام 1845 نظّم كوك أولى رحلاته عبر القطار بغرض الربح، وفي العام التالي بدأ كوك في عرض رحلات خارج إنجلترا إلى أسكوتلندا، البلد الذي سحر كوك وبقى واحدًا من الوجهات المفضلة له. بالنسبة لركابه الأوائل، كانت تلك أول مرة لهم على متن قطار، وأبعد مسافة سافروا إليها بعيدًا عن موطنهم. ظلت رحلاته تكبر أكثر فأكثر، وفي عام 1850 حصل كوك على فرصة تنظيم رحلات بالقطار وتجهيز مساكن للأشخاص المسافرين من الأقاليم باتجاه لندن لحضور "المعرض العظيم" الذي نظمه الأمير ألبيرت. نقل توماس كوك ما يزيد على 150 ألف شخص إلى لندن أثناء فترة الستة أشهر التي استغرقها المعرض. كان ذلك أحد أكبر الأحداث في إنجلترا وأحد أكبر التنقلات البشرية داخل بريطانيا. حتى ذلك الوقت، كان من غير المرجح أن يسافر الناس إلى مدينة تبعد عشرين ميلاً عن موطنهم، ناهيك عن الذهاب لمدينة لندن. لابد أن الأمر كان صادمًا للعديد من الأشخاص الذين ربما لم يحضروا مطلقا حدثا أكبر من معرض زراعي على مستوى المقاطعة.

كانت رحلاته الأولى يجري تسويقها للطبقة العاملة، لكن لاحقا نظمت شركته رحلات للطبقة المتوسطة وحتى للأمراء وأعضاء الجيش وشخصيات أخرى مهمة وذلك بعد أن ذاع صيته واشتهر بقدرته على تنظيم رحلات سفر بكفاءة. المثير للاهتمام أن نسبة كبيرة من مسافري شركة كوك كن نساءً عازبات أو بدون رفيق، كن على الأرجح غير قادرات على السفر بمفردهن، لكن مشاركة هؤلاء النساء في جولة ضمن مجموعة زوّدهم بالحماية والاستقلال.

وسّع كوك من عمليات شركته، ونظّم رحلات عبر أوربا وأمريكا الشمالية، حتى أنه قاد أول رحلة تجارية حول العالم. لكن ربما لم تكن هناك وجهة أكثر قداسة بالنسبة لكوك من رحلاته إلى مصر والشرق الأوسط. فهناك كان بمقدور كوك أن يشهد بشكل مباشر الأراضي المقدسة التي قرأ ووعظ بشأنها طيلة حياته.

عقبات وتحديات في طريق كوك
بالرغم من أن شركة "توماس كوك وابنه" ازدهرت وأصبحت واحدة أكبر من وكالات السفر في العالم، إلا أن الأمور لم تسر على ما يرام في حياة كوك الشخصية. إذ توفي والد كوك عندما كان صغيرًا للغاية كما توفي زوج والدته، وتولت والدته الأرملة تربيته. وبعد أن صار بالغًا، توفيت ابنته الوحيدة "آني" بشكل مفاجئ ومأساوي، وكانت "آني" شابة على وشك الزواج وتمتعت بعلاقة وثيقة مع والديها. عانت زوجة كوك لفترة طويلة من المرض عقب وفاة ابنتها، وتوفيت في نهاية المطاف وتركت توماس وحيدًا يعاني تدهورًا في صحته، ما جعله أعمى تقريبا.

في سنواته الأخيرة، توترت علاقته للغاية بابنه الوحيدة وشريكة التجاري "جون ماسون كوك". شعر كوك أنه يجري تهميشه في شركته، وفي نهاية المطاف سيطر "جون ماسون كوك" على كل عمليات الشركة من والده. لم يتصالح الأب وابنه مطلقا، وقضيا وقتا قليلا جدا مع بعضهما حتى نهاية حياة كوك. بالرغم من أن ضعف صحته وبصره زاد الوضع صعوبة، إلا أن كوك واصل نشاطه في مجال السفر و"حركة الاعتدال" حتى قرب نهاية حياته.

كيف كان السفر أثناء العهد الفيكتوري؟
عاش توماس أثناء عهد الملكة فيكتوريا، وبالرغم من أن التخيلات الرومانسية بشأن قضاء وقت على متن قطار أورينتال إكسبرس الشهير، والإبحار على متن سفن "وايت ستار لاين" البخارية الفاخرة، والإقامة في فنادق كبيرة وفاخرة، كانت حقيقية جزئيًا بالنسبة للمسافرين الأثرياء، إلا أن هذه الأمور كانت أبعد ما يكون عن وسائل الراحة التي كان يتوقعها المسافرون من ابناء الطبقة العاملة أو المتوسطة.

قبل انتشار النقل عبر القطار، كانت مركبة السفر هي أسرع وسيلة للتنقل وكان الأثرياء لوحدهم هم مَن يستطيعون تحمّل تكلفتها. لهذا كان الفقراء يمشون أو يحصلون على توصيلة مجانية على ظهر عربات الخيول، ولو حالفهم الحظ، كانوا يركبون الأحصنة والحمير. في الأيام الأولى للسفر بالقطار، كانت أقسام الدرجة الثالثة في القطارات عبارة عن عربات مفتوحة، بعضها بلا مقاعد، حيث كان يتعين على الركاب أن يقلقوا بشأن الرياح والشمس والتراب ودخان القاطرة والجمر الساخن المتوهّج. أثناء رحلات كوك –لا سيما رحلاته الأولى- كان يتعين عليك ان تقلق بشأن الجراثيم والأمراض، إذ لم يعلم الناس حينها إلا القليل بشأن الجراثيم، كما أن عدم وجود التبريد والماء الساخن زاد من فرص الإصابة بالأمراض.

مع ذلك، لم تكن الأمور كلها سيئة. أثناء فترة حياة توماس، تغيّر الكثير ما جعل السفر أسرع وأرخص وأكثر راحة من قبل. إذ أن التحسينات التي شهدتها الخدمات البريدية واستخدام المحرك البخاري وافتتاح قناة السويس والتوسع العظيم في السكك الحديدية، ساعد كوك على إنجاز أمور لم يكن ممكنا تحقيقها في الجيل الذي سبقه.

لقد ساعدت رحلات كوك، بأسعارها الجماعية المخفّضة، الكثير من ابناء الطبقة العاملة والمتوسطة في السفر لأول مرة. كان كوك يعتقد أن السفر يمكن أن يساعد في تعليم وتنوير الناس الذين، مثله تماما، لم يحصلوا غالبًا على تعليم مدرسي مناسب، والقضاء على التحيّز والتعصب، وتوفير بديل ترفيهي صحي عن زيارة الحانات وصالات القمار وبيوت الدعارة. غير أن فرص السفر الجديدة المتاحة للطبقات الدنيا لم ترق كثيرًا للمنتمين للطبقات العليا في المجتمع. حتى القرن التاسع عشر، كانت الوجهات السياحية الشهيرة حكرًا تقريبًا على الأثرياء القادرين على تحمّل العطلات الطويلة والتكلفة الباهظة للسفر.

نظرًا لتقديم توماس كوك رحلات رخيصة لوجهات سياحية شهيرة مثل منازل الريف الإنجليزي ونهر الراين ووادي النيل والريفييرا الفرنسية وأهرامات مصر وجبال الألب السويسرية، اشتكى مسافرون أثرياء مما اعتبروه حفنة من العوام الجاهلين الأفظاظ الذين يغزون جنانهم السياحية. ربما تسبب هذا الانتقاد في جرح لدى توماس كوك الذي وبالرغم من أنه كان يؤمن بقوة بحق جميع الناس في السفر، إلا أنه كان يسعى بقوة لأن يُقبل به داخل الطبقات العليا في المجتمع. مع ذلك، وبالرغم من نجاحه، لم يُقبل به لأنه لم يُولد في طبقة أرستقراطية، بل كان رجلاً عاملاً ومعمدانيًا في بلد كان ما يزال خاضعًا بشكل كبير لسيطرة الانجيليين الأثرياء. مع هذا، وبالرغم من كل الانتقادات، تواصل الطلب على السفر المنظم الرخيص في الازدياد. إذ ارتفع عدد المسافرين من لندن الذين عبروا القنال نحو القارة الأوربية من 165 ألف عام 1850 إلى 951 ألف بحلول 1899.

لماذا كان توماس كوك رائدًا في مجال السفر؟
كان توماس كوك رائدًا في مجال السفر، وبنى أحد أكبر شركات السفر في العالم، وقد بدأت تلك الشركة بتواضع كوسيلة لنقل المسافرين لاجتماعات حركة الاعتدال المعقودة في مناطق قريبة. تمكّن توماس من "تنظيم رحلات سفر كما لم تُنظم من قبل" وبمساعدة القطارات والمحرك البخاري، استطاع أن ينظم الرحلات على نطاق لم يكن ممكنا في السابق. وبالرغم من أنه لم يكن أول شخص يطرح معظم تلك الأفكار، إلا أن توماس كوك هو من جعل أشياءً مثل قسائم السفر وشيكات المسافر والكتيبات التوجيهية المطبوعة شائعة وواسعة الانتشار.

استخدم توماس مواهبه كصاحب مطبعة لطبع إعلانات ونشرات ومجلات وكتيبات السفر وجداول القطارات. في الواقع، تواصل نشر جداول توماس كوك القارية Thomas) (Cook Continental Timetables من العام 1873 حتى 2013، وكانت تلك الجداول بمثابة كتاب مقدّس لمسافري القطارات الأوربيين. لقد دفعته حماسته الدينية للسفر لمناطق غريبة مثل الشرق الأوسط، كما أن عزيمته ساعدته في افتتاح مكاتب عديدة لشركة "توماس كوك وابنه" حول العالم.

قد يكون إرثه الأكبر هو أنه مكّن مجموعة جديدة من الناس من المشاركة في رحلات ترفيهية. فهم كوك جيدًا عبء العمل الشاق وسعي المرء لدعم نفسه اعتمادًا على دخل ضئيل، ولهذا وفّرت رحلاته فرصة للطبقات العاملة والطبقات المتوسطة الدنيا لاستكشاف عالم كانوا سيكتفون بالقراءة عنه فقط. اليوم ماتزال شركة توماس كوك وابنه موجودة بشكل ما، وتقدم رحلات سفر، لكنها لم تعد شركة عائلية. لقد مكّن توماس كوك "الملايين من السفر" وما يزال اسمه من بين الاسماء المرتبطة غالبا بمجال السفر، وقد أطلق عليه لقب: "أبو السياحة الحديثة".

ماذا تعلمت من قراءتي لقصية حياة توماس كوك؟
كان توماس كوك رجلاً عصاميًا استثنائيًا. وأدى العديد من المهن والمشاريع التجارية وواجه العديد من الانتكاسات والإخفاقات، وحتى إعلان الإفلاس في مرحلة ما، لكنه كان مثابرًا للغاية ولم يستسلم. كان رجلاً شغوفًا وحارب من أجل عقيدته المعمدانية وإيمانه بالمساواة بين كل الناس وضرورة الاعتدال في شرب الخمور. بالإضافة إلى انبهاري بروح العزيمة والابتكار لدى توماس كوك ذاته، كنت مندهشا للغاية إزاء الطرق التي تغيّر بها السفر والطرق التي لم يتغيّر بها. لقد قطعنا شوطًا طويلاً منذ قيام توماس كوك برحلته الأولى، إذ بات بمقدورنا الآن السفر بطريقة أخفّ وأسرع وأكثر ملاءمة مقارنة مع كان متاحًا للمسافرين في العصر الفيكتوري، الذين كانوا يقبلون البقاء في عربات قطار غير مزوّدة بتدفئة وعبور المحيط في شهر والتواجد في فنادق لا تتوفر فيها مياه ساخنة.

مع هذا، هناك بعض الأشياء التي لم تتغير كثيرًا. ماتزال هناك انتقادات تُوجّه للسفر المنظم، مع وجود رأي يقول إن السفر المستقل أفضل، كما يحب الناس إجراء تمييز غير موضوعي بين "المسافر" و"السائح". وماتزال هناك أيضا مناطق مقصورة على الأثرياء لوحدهم، وإن كان الوضع لا يشبه مطلقا الوضع السائد في زمن الملكة فيكتوريا. ما يزال السفر يشهد حالة من الفصل الطبقي، إذ بإمكان القادرين هل تحمّل التكاليف، السفر في مقاعد الدرجة الاولى، والذهاب إلى أفخم المطاعم على متن السفن، والنوم في أفضل المقصورات، من دون الحاجة لقضاء وقت كثير مع ركّاب الطبقات الدنيا. واحدة من الأمور التي أرى ربما أنها الأكثر إثارة للاهتمام هي أن الوجهات السياحية التي روّجت لها شركة توماس كوك ماتزال اليوم، مع استثناءات قليلة، وجهات سياحية رئيسية.

يعتبر منزل "تشاتسورث هاوس" الريفي واحدًا من أبرز المنازل الريفية في إنجلترا اليوم، ومايزال الناس يتدفقون إلى المرتفعات الأسكتلندية وباريس ووادي نهر الراين وجبال الألب السويسرية ومصر ومدينة بترا القديمة وأستراليا ومعظم الوجهات السياحية الأخرى التي روّجت لها شركة توماس كوك في القرن التاسع عشر. وبينما تغيّرت الأمور تغيرًا جذريًا بطريقة ما، إلا أن العديد من عجائب العالم ووجهاته العظيمة تواصل إبهار الزوّار كما أبهرت من قبل السياح الأوائل بقيادة توماس كوك.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق