ذا ويك| لماذا يخفق خبراء الاقتصاد في التنبؤ بالمستقبل؟


٢٣ يونيو ٢٠١٩ - ٠٧:١٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



 من الصعب بالفعل التنبؤ، لا سيما بما سيجري في المستقبل. وهذا بالتأكيد يتعلق بالظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وإذا كنت لا تصدقني، فسلْ الاقتصادي "بول كروجمان" الحائز على جائزة نوبل، الذي تنبأ في صحيفة "نيويورك تايمز" عشية فوز "دونالد ترامب" في انتخابات نوفمبر 2016، بحدوث ركود عالمي وشيك، لن تتعافى منه الأسواق العالمية "أبدًا"، ونحن ما زلنا في الانتظار. كما يمكن أن نتذكر– على سبيل المزحة – مقولة الاقتصادي الآخر الحائز على جائزة نوبل أيضًا، وهو "بول س. صامويلسون": "تنبأت مؤشرات وول ستريت بتسع فترات من الركود من الخمس فترات الماضية"!

ولم يكن "كروجمان" هو الوحيد في هذا المضمار. ففي نوفمبر 2006، أوضح "آلان جرينسبان"، الذي تنحى في وقت سابق من ذلك العام عن منصبه في مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، أن "الأسوأ قادم" لا محالة حول تراجع سوق العقارات، ولا يمكن أن يكون أكثر خطأ. وبوضوح، حتى الأشخاص الأذكياء غالبًا ما يظهرون ببعض الغباء أو الإحراج عند إدلائهم بتنبؤات أو تخمينات حول ما ينتظرنا في المستقبل.

يحرص البشر على الحصول على معرفة مسبقة بالأشياء، والتبوء له مكانة مهمة في العديد من الأديان، وقد امتد الطلب على العرافين منذ فترة طويلة إلى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث يسعد بعض الأفراد بتقديم مثل تلك الخدمات، وذلك على الرغم من الافتقار إلى طرق آمنة تحميهم من الفشل، بالإضافة إلى عدم القدرة على توفير ذلك النوع من التدريب أو الخبرة التي تضمن النجاح. وأنا كمؤرخ، فإنني مقتنع بأن مخاطر الإدلاء بالتنبؤات يمكن تقليصها عبر توظيف عدد قليل من الأدوات التاريخية البسيطة، ومعرفة المزيد حول الماضي.

قبل الغوص في التاريخ والاستغراق في أدوات المؤرخ، اسمحوا لي أن أشير إلى أن كروجمان وجرينسبان كانا يتبعان تقاليد عريقة في تقديم تنبؤات خاطئة. فعلى سبيل المثال، كتب الخبير الاقتصادي "رافي باترا" كتبًا شهيرة في عامي 1989 و1999 يتنبأ فيها بشكل غير صحيح بالكساد العالمي في عامي 1990 و2000 على التوالي، وفي عام 1992 كتب الخبير الاقتصادي "ليستر ثورو" من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أكثر الكتب مبيعًا يسمى:
( (Head to Head، حيث تنبأ بأن الصين "لن يكون لها تأثير كبير على الاقتصاد العالمي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين."
وحتى لا يدّعي المرء أنني انتقي الاقتصاديين فقط، اسمحوا لي أن أذكر بعض النجوم البارزين من العلوم الاجتماعية الأخرى. وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار العالم السياسي "فرانسيس فوكوياما" الذي يمكن اعتباره المثال الأول والأبرز من حيث تأليف الكتب في الفترة بين عامي 1989 و 1992، حيث أوضح فوكوياما للقراء أن التاريخ قد وصل إلى مرحلته الأخيرة من التطور بانتصار الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق الحرة على السلطوية والاشتراكية، بالإضافة إلة انتشار كل من الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق الحرة في جميع أنحاء العالم.

إن هذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنبؤ في حد ذاته، وهو ما يمكن أن يطلق عليه التصريح الرسمي ذو الآثار القوية. ففي عام 1960، كتب عالم الاجتماع "دانيال بيل" كتابًا يؤكد فيه أن عصر الأيديولوجية قد انتهى في الغرب، وفي نفس العام نشر صديقه عالم الاجتماع السياسي "سيمور مارتن ليبسيت" كتابًا ادعى فيه أن "المشكلات السياسية الأساسية للثورة الصناعة تم حلها". وقبل ذلك بسنوات قليلة في كتاب (مجتمع الأثرياء) "الصادر عام 1958"، تنبأ خبير الاقتصاد بجامعة هارفارد "جون كينيث جالبريث" أن الفقر في الولايات المتحدة لم يعد يمثل مشكلة هيكلية كبرى، ولكن "أكثر من مجرد فكرة طارئة".

وسواء كانت فكرة طارئة أم لا، لنعد إلى التاريخ ومجموعة أدوات المؤرخ، والتي أصبحت لأسباب مختلفة في السنوات الأخيرة لا تأخذ حيزًا كبيرًا من تفكير الاقتصاديين وعلماء الاجتماع الآخرين. وبعد فترة طويلة عرض فيها التاريخ، وأي عمل ذي توجه تاريخي في إطار العلوم الاجتماعية، للتهميش لكونه غير كافٍ نظريًا، ومفرطًا استقرائيًا، وغير بديهي– بل إنه علم متخصص– معنيّ جدًا بـ "القصص" والأحداث "المجردة" والحقائق "المعزولة"، بدلاً من التعميمات المبسطة عمدًا المعروفة باسم "الحقائق النمطية" التي يفضلها العديد من علماء الاجتماع.

كان التاريخ مخصصًا للأثريين، "هكذا بالأمس"، وهي عبارة شائعة بين الشباب في السنوات الأخيرة، قبل أن يصبح المصطلح نفسه ساذجًا، وبالتأكيد ليس مكانًا للرفاهية في الاقتصاد والعلوم الاجتماعية الأخرى. ففي الاقتصاد، ونتيجة لذلك، توارى كلٌ من التاريخ الاقتصادي وتاريخ الفكر الاقتصادي لجيل أو جيلين.

إذًا ما سبب هذا التغيير الأخير في هذا المسار؟
بالنسبة للمبتدئين، كان هناك "الكساد العظيم"– أو "الكساد الأصغر"، كما أطلق عليه كروجمان في عام 2011– والذي بدا لعدد قليل من الاقتصاديين المؤثرين مثل "بن برنانكي"، و"كارمن راينهارت"، و"كين روجوف"، و"باري أيشنجرين"، متشابهين من نواحٍ كثيرة مع أزمات أخرى في الماضي. ولكن كانت هناك عوامل أخرى أيضًا، بما في ذلك التراجع العام عن العولمة، ونبذ كل من الحركات القومية والسلطوية في جميع أنحاء العالم، والتي بدت بمثابة ناقوس الموت لعالم فوكوياما الجديد اللطيف. ثم، أيضًا، كان هناك نجاح عالمي مذهل (إن لم يكن مرجحًا) لكتاب الاقتصادي الفرنسي "توماس بيكيتي"، "رأس المال في القرن الحادي والعشرين" (2013)، والذي يتتبع مسار عدم المساواة الاقتصادية على مدار القرنين الماضيين في إطار تصاعد القضية ضد عدم المساواة حاليًّا. زمع عودة "التاريخ"، هناك أيضًا درجة من القبول للنهج التاريخي بين علماء الاجتماع، الذين يشعرون، رغم غموضه، أنه على الرغم من أن التاريخ قد لا يعيد نفسه، فغالبًا ما يتناغم مع نفسه، كما قال "مارك توين".

لو لم تتخلَّ الاقتصاديات إلى حد كبير عن تاريخ الفكر الاقتصادي، لكان المزيد من الممارسين يتذكرون ما قاله "جوزيف شومبيتر" حول التاريخ. ففي كتابه "تاريخ التحليل الاقتصادي" (1954)، أشار كبير الاقتصاديين النمساويين إلى أن ما يميز الاقتصاديين "العلميين" عن غيرهم هو "مجموعة من التقنيات التي نضعها تحت ثلاثة رؤوس: التاريخ والإحصاءات والنظرية". ووفقًا لشومبيتر: "تُشكّل الرؤوس الثلاثة مجتمعة ما سوف نطلق عليه التحليل الاقتصادي... وأكثر هذه المجالات الأساسية أهمية يأتي التاريخ الاقتصادي الذي يصدر حقائق اليوم ويتضمنها".

ليست النظرية، ولا الإحصاءات، بل هو التاريخ – ماذا حدث؟ ولماذا؟. في حين أن النظرية والإحصاءات يمكن أن تساعد في شرح أسئلة "لماذا"، تأتي أولاً دراسة منهجية حول أسئلة: "مَنْ وماذا وأين ومتى وكيف"، تلك الأسئلة المزعومة المقتبسة التي طرحها العديد من الاقتصاديين لفترة قصيرة. فلو لم يتجاهلوا أو – في أحسن الأحوال– تجاوزوا التاريخ، لشعر الكثير من الاقتصاديين في الفترة التي سبقت الأزمة المالية 2007–2009 أن الوضع، كما أشار رينهارت وروجوف، ربما لم يكن مختلفًا تمام الاختلاف عن أزمات مالية سابقة رغم كل شيء.

وبطبيعة الحال، يستلزم التفكير التاريخي وجود كل من الأبعاد الزمنية والسياقية، وبالإضافة إلى ذلك.. غالبًا ما يتطلب قدرًا كبيرًا من العمل التجريبي. في الواقع، إن إيجاد وتجميع وتحليل واستخلاص استنتاجات دقيقة من كم الأدلة التي يسميها المؤرخون البيانات ليست بسبب ضعف في القلب أو، إلى حد كبير، بسبب ضيق الوقت.

خلاصة القول: سيستفيد المتنبئون الاقتصاديون من التفكير أكثر حول التاريخ قبل التحديق في كراتهم البلورية، أو على الأقل قبل إخبارنا بما يستطلعونه. لا تسيئوا فهمي، فأنا أدرك مدى صعوبة التنبؤات، لا سيما فيما يتعلق بالمستقبل. لذا إذا لم يرغب الباحثون الاقتصاديون في التفكير تاريخيًّا أو استخدام البيانات التجريبية بشكل أكثر دقة، فعليهم على الأقل الحذر من تنبؤاتهم. كما نصحت صحيفة "وول ستريت جورنال" العام الماضي، حدد فرص حدوث شيء بنسبة 40 %. فإذا حدث هذا الأمر في الحقيقة، يظهر المرء بصورة جيدة. أما إذا لم يحدث، يمكن للمرء دائمًا أن يقول: "مهلًا، انظر، كل ما قصدته هو أنه كان احتمال قوي"، ربما كان كروجمان قد تفادى رصاصة قاتلة في عام 2016، لو كان قد اتبع هذا المساق.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ذا ويك

اضف تعليق