الصحافة العبرية| شهادات موثقة من الداخل الإسرائيلي.. القصة الكاملة لاحتجاجات يهود الفلاشا


٠٧ يوليه ٢٠١٩ - ٠٦:١٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد فوزي ومحمود معاذ
 
في يوم الأحد 30 يونيو الماضي؛ أعلنت الصحافة الإسرائيلية مقتل شاب يهودي أثيوبي يدعى "سلومون تيكا" على أيدي شرطي كان يتنزه مع زوجته وأطفاله، مدعيًا أنه أطلق النيران عليه خوفًا على حياته، بينما كشفت الكاميرات مع شهود العيان أن الشرطي لم يواجه أي خطورة على حياته؛ الأمر الذي لم يستدعِ إطلاقه النار، وقد أمرت المحكمة بإطلاق سراح الضابط ووضعه تحت الإقامة الجبرية لحين انتهاء التحقيقات.

في أعقاب ذلك، اندلعت احتجاجات وتظاهرات عنيفة خرجت اعتراضًا على مقتل الشاب "سلومون"، وهو الحادث الذي يجسّد العنصرية الموجّهة ضد ذوي الأصول الأثيوبية، أو ما يطلق عليهم "يهود الفلاشا"؛ ما أدى إلى إصابات كبيرة في صفوف الشرطة واعتقال عددٍ كبيرٍ من المحتجين.

معاناة الجالية الأثيوبية في إسرائيل.. شهادات من الداخل الإسرائيلي

 
أجرت صحيفة "هآرتس" تحقيقًا وحوارًا مع عينة من أبناء الطائفة اليهودية الأثيوبية تحت عنوان: "هذا هو سبب احتجاجنا"؛ وافدو إثيوبيا يتحدثون عن العنصرية، عدم المساواة والخوف من الشرطة"، أوضحوا خلاله المعاملة التي يتلقونها من السلطات الإسرائيلية وكذلك أفراد المجتمع بثقافاتهم المختلفة.

في البداية، قالت "ياتمورك مكوريه": "أتحدث بقناعة تامة مثلي مثل باقي أبناء طائفتي، الشرطة تتحرش وتضايق كل فتى وصبي أثيوبي، لا يفرق معهم بيته ووالديه، فقط لون جلده يحوِّله في أعينهم بشكل تلقائي لمشتبه به"، وأضافت مكوريه أنها رغم انتقادها لعنف الاحتجاجات إلا أنها تعرف تمامًا أن الدولة ستتجاهل الحادث وعنف الشرطة لو مر الحدث على الأثيوبيين مرور الكرام.

وتابعت: "لا يضمن لي أي شخص أن ابني لن يكون الضحية القادمة، كل الشباب الأثيوبي يهرب دون سببٍ بمجرد وصول الشرطة لأنهم يعلمون أنهم سوف يلقون القبض عليهم بأية ذريعة، أقرأ ردود فعل المجتمع على احتجاجنا وقلبي ينزف دمًا! بأي حق تحكمون على طائفة كاملة! متى كان لديكم الاستعداد للتحدث مع الشباب والأمهات لمعرفة مشاكلهم؟ يعتقدون أننا كنا جوعى في أثيوبيا لذا جئنا إلى هنا، وأخيرا أؤكد، لو كان لسلومون عينان زرقاوتان لما تجرأ الشرطي على رفع السلاح الناري في وجهه".

أما الأثيوبي الآخر "كوبي تافرا" فقال: "أكثر من يمارس ضدنا العنصرية هم من يسمونهم الناجون من المحرقة، جميع هؤلاء ممن عانوا من عنصرية في أوروبا، أتَوا إلى هنا ومارسوا نفس هذه العنصرية ضدنا، المجتمع ضدنا، حتى أنهم اعترضوا على إعفاء عسكري من الجيش رغم أنه سبّ أحد الأثيوبيين قائلا إنه "زنجي نَتِن"، وأضاف تافرا: "الشرطة تجنّد أتباعها من المؤسسات الإعلامية لتشويه صورتنا وعرض نسختها الخاصة من الأخبار، ولكن سيبقى سلومون تيكا رمزًا للعنف الشرطي ضد الأثيوبيين".

أما "إيريز نوجا"، وهو محام من ذوي الأصول الأثيوبية، فقال "إنه لا يوجد الكثير من المحامين في إسرائيل ينتمون للطائفة الأثيوبية، وعند دخولي للمحاكم لأداء عملي، غالبًا ما يتم استقبالي بنظرات تملؤها الغرابة، وهو ما يشعرني بأنني غريب ومختلف عن الباقين". وبصفته أحد المحامين الموكلين للدفاع عن المعتقلين جراء الأحداث الأخيرة قال: "رأيت اليوم أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عامًا تم اعتقالهم إثر المظاهرات، رأيتهم مكبلي الأيدي في المحكمة".

أما الضابطة السابقة بالجيش الإسرائيلي "عيدن زيمرو" فأكدت على العنصرية التي طالما تعرضت لها في كافة مراحل حياتها في المجتمع الإسرائيلي كونها يهودية أثيوبية وتابعت: "لقد نشأت مع عبارات عن لون بشرتي منذ سن مبكرة، وعلى الرغم من إيماني بكون الاندماج سوف يحدث لا محالة طالما تمسكت به، إلا أنه مع مرور السنين وتوالي المواقف البغيضة، أدركت أن كل ذلك هو محض خيال لا أكثر". وأضافت أنها لا يمكنها نسيان السخرية التي طالما تعرضت لها في المدارس والشارع، وكيف أنه عليها إظهار بطاقة هويتها في كل مرة للشرطة إذا تصادف مرورها بجانبها دونًا عن غيرها من زملائها.

فيما أبرز "تسيون جيتسون" حالة الانهيار التي كانت فيها أسرته الصغيرة حينما شاهدوا الأخبار بمقتل سولومون، حتى أن ابنته الصغرى ذات العشر أعوام لم تصدق أن شرطيًّا يهوديًّا قتل مواطنًا يهوديًّا بكل بساطة، حتى أنها قالت: "ربما انتحل عربي صفة ضابط شرطة ليقتل سولومون"، وأضاف تسيون: "أي نوع من الأطفال نربيهم في هذا البلد، وما هي الرسالة التي ننقلها إليهم؟ هل سيُدمج أطفالنا في المجتمع أم يستمرون في الشعور بالتهميش؟ هذا أكثر ما يحزنني".

ردود فعل كُتّاب الرأي

 
اختلفت صحفات مواد الرأي الإسرائيلي في تناولها لاحتجاجات الأثيوبيين، فمنها من تحدث عن التناول الإعلامي الخبري للأحداث وردود فعل أطياف المجتمع، ومنها من أشار إلى دور الحكومة غير الموجود في حماية الأثيوبيين والاهتمام بمشاكلهم، وذهب كتّاب آخرون للحديث عن العنصرية الإسرائيلية بشكل عام، وكيف كان الفلسطينيون من الفصائل التي عانت من العنصرية والعنف اليهودي.

حيث قال الكاتب "اينو فاردا سانباتو" في مقال له بصحيفة "إسرائيل اليوم": إن الإعلام الإسرائيلي قدم أداءً مخزيًا ومحزنًا لبلد يوصف بالمستنير، مبديًا اعتراضه على العناوين الرئيسية للقنوات الإسرائيلية والصحف الكبرى والتي جاءت على شاكلة: "الأثيوبيون يتظاهرون"، وكأنهم يتحدثون عن مواطني دولة أخرى، تم سلبهم الجنسية الإسرائيلية بمنتهى البساطة، مشيرًا إلى أن تلك الأفعال القائمة على التصنيف والعنصرية هي السبب الرئيس لحالة الاحتقان وضعف الاندماج لليهود ذوي الأصول الأثيوبية.

وأضاف الكاتب، وهو يهودي إسرائيلي ينحدر من أصول أثيوبية، أن تلك التوصيفات لم يجد لها مثيلاً في حالات مشابهة، كتغطية الإعلام لتظاهرات اليهود المتدينيين، حيث لن تجد الإعلام يصنّف المحتجين من اليهود المتدينين طبقًا لبلدانهم الأصلية، ولكن نرى أن هذا يحدث بكل سهولة مع اليهود ذوي الأصول الأثيوبية.

ووجّه الكاتب رسالة من خلال مقاله استهدف بها الحكومة الإسرائيلية وباقي أطياف الشعب الإسرائيلي بأنه يجب عليهم أن يفهموا أن المظاهرات والاحتجاجات ليست خروجًا على الإجماع؛ وإنما هي وسيلة تهدف إلى التعبير عن الألم والحزن على القتل والنزيف الذي يوجد في أجساد وأرواح اليهود الأثيوبيين في إسرائيل.

فيما برّر الكاتب "مردخاي جولدمان" بموقع "المونيتور" ردة الفعل العنيفة من الطائفة الأثيوبية بأن الانفجار القوي والثورة العارمة هي تعبير عن حالة التجاهل والتهميش التي يعيشها اليهود القادمون من أثيوبيا، وأضاف الكاتب أنه في السنوات الأخيرة قُتل 11 أثيوبيًّا بالرصاص دون ملف جنائي من قِبل الشرطة، كما أنه قبل ستة أشهر تم تنظيم احتجاج منظم في أعقاب مقتل يهودي أثيوبي على يد ضابط شرطة، وحضره نحو 20 ألف شخص في تل أبيب، ولكن لأنها كانت منظمة للغاية، لم تحرك الدولة ساكنًا، ولم يتم النظر في أسباب تظاهرهم، أو فتح تحقيق عادل وإعطاء كل ذي حق حقه، كما أن باقي مكونات المجتمع لم تظهر التضامن المطلوب لهم، الأمر الذي أكد للمتظاهرين أن العنف هو الحل، وأن المجتمع والحكومة الإسرائيلية بحاجة لردة فعل صادمة ومزلزلة أملاً في تحريك المياه الراكدة.

وعقبت الكاتبة "جودي نير موزيس" بصحيفة "يديعوت أحرونوت" على حركة الاحتجاجات العنيفة والموسعة بالقول: إن العنصرية في إسرائيل واضحة، فهناك عنصرية ضد المهاجرين من أثيوبيا والمهاجرين من روسيا والمهاجرين من شمال أفريقيا والعرب، مؤكدة بأن ذلك مثير للاشمئزاز ويجب التخلص منه، وفي الوقت ذاته اعتبرت الكاتبة ردود الفعل من الطائفة الأثيوبية مبالغًا فيها، لاسيما وأن التحقيق لم ينته بعد، إذ قام المحتجون بإغلاق الطرق والاعتداء على السائقين وإلقاء الحجارة وحرق السيارات وإثارة الفوضى، ولكن المبرر الوحيد لرة الفعل العنيفة هو عدم ثقة المجتمع الأثيوبي في إسرائيل في الحصول على الإنصاف والقصاص المطلوب.

أما الكاتبة اليسارية بصحيفة هآرتس "رافيت هاكت" فصبّت جام غضبها على الحكومة واليمين الإسرائيلي الذي اتهم اليسار بـــ"التسبب في تصعيد المظاهرات وتحولها للعنف"، مشيرة إلى أن الإجراءات الحكومية وعدم متابعة أحوال الأثيوبيين الاجتماعية تسببت في خروج الأثيوبيين عن صمتهم ليزأروا لكرامتهم وإنسانيتهم التي راحت ضحية في مجتمع لم يحترمهم.

وانتقدت "رافيت" تعامل المجتمع الإسرائيلي مع الاحتجاجات، مشيرةً إلى أن المواطنين الذين تعاطفوا في البداية مع المتظاهرين، تحول تعاطفهم لرفض لمجرد أن المتظاهرين أغلقوا طريقًا لمدة ثلاث ساعات، ناسين كمِّ  المعاناة والعنصرية التي يُعامَل بها مواطنون مثلهم، وأوضحت أن أغلب أطياف المجتمع ترى ضرورة أن يكون الأثيوبيون مثل الدمية فيما يسمونه "بوتقة الصهر" للاندماج مع باقي الأطياف، بينما في الوقت ذاته ينتقدون زواج صديقهم الأبيض بعد زواجه من أثيوبية ويقولون: "كيف تنام مع سوداء؟!"، بينما يعاني الصبية الأثيوبيون من أن يقبلهم زملاؤهم بالمدرسة في الفريق للعمل سويًّا في إعداد الأبحاث المطلوبة.

وفي افتتاحيتها، ساندت صحيفة "هآرتس" المحتجين وتساءلت: "لِمَ لَمْ يتم القبض على تيكا أو على الأقل لم يطلق الشرطي النيران على قدم الشاب ذي الأصول الأثيوبية"، مشيرة إلى أن لجنة وزارة العدل من قبل أعلنت وجود مئات القضايا المفتوحة ضد شرطيين إسرائيليين بسبب تعرضهم لصبية وشباب من أصول أثيوبية دون وجه حق، الأمر الذي كان يستدعي فتح وزارة الداخلية تحقيقًا شاملًا مع أولئك الشرطيين، ورأت الصحيفة أنه لو أن هناك صعوبات في دمج الهجرات الأثيوبية مع باقي أطياف المجتمع، فإن المشكلة في ذلك تقع على عاتق الحكومة ورئيسها ووزرائه وليس أبناء الفلاشا أنفسهم، موضحةً أن مثل هذه القضايا لا تلقى اهتمام الحكومة ولا تتواجد في جدول أولوياتها؛ الأمر الذي يُنذر بمزيد من الضحايا مستقبلًا.

فيما تناول الكاتب اليساري الشهير "جدعون ليفي" الأزمة بشكل مختلف، حيث تحدث عن معاناة الفلسطينيين، فبدأ مقاله بالقول: "لو أطلق النار على يهودي أثيوبي، فهذا ليس عدلاً، لو أطلقت النار على عربي إسرائيلي فهذا مُبرَّر، أما لو أطلقت النيران على فلسطيني في الضفة الغربية والقدس، فهذا هو قمة العدل الإسرائيلي!".

وأوضح الكاتب أن الإسرائيليين دائمًا ما يخيّلون لأنفسهم أن هناك وجهين للعنصرية والعنف، فيمكن أن تشجع العنصرية والعنف ضد طائفة كالفلسطينيين لمجرد اختلاف قوميتهم ودينهم عن اليهود الإسرائيليين، بينما تُندِّد إسرائيل ذاتها بالعنصرية ضد أناسٍ لاختلاف ألوانهم.

وتوقع "ليفي" في مقال له بصحيفة "هآرتس" أن تنادي القيادات الشرطية في الوقت الحالي بالتوقف عن استعمال العنف ضد الأثيوبيين، بينما يستمرون في انتهاكاتهم ضد الفلسطينيين دون رادع، مشيرًا إلى أن محاولات إسرائيل الادّعاء بأنها الديمقراطية الوحيدة الموجودة في المنطقة، تعود لتنفجر في وجهها بعد انكشاف وجهها الحقيقي الذي يمتلئ بالعنصرية والعنف.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق