الصحافة الألمانية | يهود الفلاشا في إسرائيل.. بين العنصرية ورفع راية العصيان


٠٧ يوليه ٢٠١٩ - ١١:١٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - عماد شرارة

رصدت وسائل الإعلام الألمانية احتجاجات يهود الفلاشا الأثيوبيين في إسرائيل على نحو متفاوت، فقد اعتمدت التقارير المصورة على الواقع ونقلت عن المتظاهرين، وذلك مثل ما فعلت قناة "شبكة تلفزيون آر تي إل" والذي حمل تقريرها عنوان: "المحتجون اليهود ذوو الأصول الأثيوبية: هل نحن مواطنون إسرائيليون من الدرجة الثانية؟". وذكر التقرير أن الشباب الأسود في إسرائيل عمومًا يعاني التمييز في المعاملة والتوظيف، وأن هذه المشكلة متجذرة في المجتمع الإسرائيلي.

 كذلك الأمر بالنسبة للتقرير المصور لقناة "إيه إر تي إي" الألمانية، والذي جاء بعنوان: "في إسرائيل: اليهود الأثيوبيون يتظاهرون"، حيث سلّط الضوء على مشاكل الأثيوبيين هناك، وعرض جانبًا من عزاء الشاب الأثيوبي المقتول على يد رجال الشرطة، وذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يُقتل فيها شاب على يد رجال الشرطة.

من جانب آخر نجد التقارير المكتوبة تدين المتظاهرين ضمنيًّا، حين ركزت على أن إسرائيل هي من جلبت هؤلاء المحتجين وأنقذتهم من الضياع والجوع والفقر، وقد ذُكرت هذه الجمل غير مرة في التقرير الذي نشرته صحفية "فيلت" بعنوان: حركة "حياة السود مهمة" تظهر في إسرائيل، ورغم أن التقرير غطى جوانب المشكلة، بيد أنه يحاول أن يعطي تبريرًا لإسرائيل.. وفيما يلي تفصيل لما جاء في التقرير:

حركة "حياة السود مهمة" تظهر في إسرائيل

قَدِم اليهود الأثيوبيون إلى إسرائيل هربًا من الفقر، لكن المجتمع الإسرائيلي فشل في دمجهم، ومن ثمَّ فهم يثورون ضد العنف والتمييز وتعدي رجال الشرطة عليهم. ولا يعلم والد فتاة، في العقد الثاني من عمرها، أنها استقلّت حافلة من مدينة "كريات جات" على بعد ساعتين من "تل أبيب" للتظاهر، حيث تقول تلك الفتاة: "ما كانوا ليسمحوا لي بالمجيء إلى هنا بسبب خوفهم عليّ، والسبب هو أنني سوداء، وهذا يعني أنني أكثر عُرضة للإصابة بالنار من قِبل رجال الشرطة بسبب لون بشرتي".

ففي مكان الاحتجاج يقف الشباب اليهودي ذو الأصول الأثيوبية إلى جانب الآلاف من الإسرائيليين السُود من المحتجين الآخرين، وينظر الجميع للغرباء البيض بنظرات الشك والريبة؛ فمن الممكن أن يكونوا مخبرين تابعين للشرطة أو جواسيس، وليسوا محتجين أو داعمين، وهو ما يفسر تردد المشاركين عن الحديث للأجانب أو ذكر أي تفاصيل، فقط يهتفون:" أوقفوا القتل! أوقفوا العنصرية!"، مغلقين الطريق الرئيسي السريع في "تل أبيب" حتى منتصف الليل، وليس هذا الطريق فحسب، بل جرى إغلاق 12 طريقًا سريعًا آخر في البلاد لساعات سادت فيها احتجاجات عنيفة تسببت في رعب أكثر من 50 ألف مواطن إسرائيلي حين عودتهم من العمل.

وهذه التظاهرات جاءت نتيجة لمشكلة اجتماعية كانت مشتعلة منذ عقود، وعندما تدخلت الشرطة تم قذفهم بالحجارة، وحاولت الشرطة تفريق المتظاهرين بالقنابل الصوتية لكنها لم تفلح، بل على العكس ازدادت الاحتجاجات حتى شلّت إسرائيل.

مقتل الشاب "تيكا" يشعل الأزمة من جديد

ما يزال يعاني اليهود السود في إسرائيل من العنصرية حتى بعد مرور ثلاثين عامًا على قدومهم إلى تل أبيب، لا سيما من قبل رجال الشرطة؛ فقد قُتل عشرات الأشخاص على أيدي مسؤولين في جهاز الشرطة في ظروف تدعو للريبة في السنوات الأخيرة، والتي كان آخرها مقتل الشاب الإثيوبي صاحب الـ 19 عامًا، سالومون تيكا، برصاص أحد رجال الشرطة يوم الأحد الماضي، وهو ما أشعل فتيل هذه المظاهرات.

 وقد صار من الواضح بالفعل أن الضابط خالف الأوامر حين أطلق النار صوب الشاب دونما أي خطر أو تهديد على حياة الشرطي، ودون إطلاق رصاصات تحذيرية في الهواء، وعلى الرغم من أنه تم الإعلان عن التحقيق مع الضابط، إلا أنه ما زال حرًا طليقًا، الأمر الذي زاد من استفزار الشباب الأثيوبيين ودفعهم للاحتجاج ضد مؤسسات الدولة "غير العادلة"، وهذا الوضع ينذر بظهور حركة في إسرائيل على غرار حركة "حياة السود مهمة"، والتي ظهرت في الولايات المتحدة للدفاع عن حقوق السود بعد حوادث التمييز والعنصرية التي كانوا يعانون منها هناك.

ويعيش في إسرائيل نحو 150 ألف يهودي أثيوبي يشكلون الطبقة الاجتماعية الأصغر؛ منهم حوالي 20% فقط يحملون شهادات جامعية، بينما يحصل حوالي 35% منهم على أقل من الدخل المتوسط. أما فيما يخص الفرص في التعليم والترقي فيتمتع اليهود السود بنفس الفرص في الحصول على التعليم والترقي، ومع ذلك يظل الملمح الأساسي للتميز ضد السود في إسرائيل هو تعامل رجال الشرطة.

نتنياهو يعد بتطبيق دولة القانون

هل سيصدُق نتنياهو فعلًا في تطبيق دولة القانون؟ وهل سيُساهم هذا الإجراء في القضاء على العنصرية والتمييز ضد السود؟ الواقع يقول غير ذلك؛ فقد استثمرت الحكومة الإسرائيلية مليارات الدولارات في قضية دمج الأثيوبيين الذين أتوا إلى إسرائيل دون تعليم أو مهارات أو رأس مال، وما زالت المشاكل قائمة، بل إن معدل الانتحار بين الأثيوبيين مرتفع، كما أن استجابة الغالبية منهم للنهوض الاجتماعي بطيئة؛ بل تكاد تكون معدومة، وتبقى التحيزات والأحكام المسبقة هي أساس التعامل في المجتمع الإسرائيلي، وهذا ما يفسر صمت الحكومة الإسرائيلية في بداية الأمر، حيث كانت تخشى من احتمالية التصادم بين الشباب والشرطة؛ فسمحت لهم بالتظاهر لتفريغ الغضب والتعبير عن الاستياء.

 لكن في النهاية اضطر نتنياهو للخروج للمتظاهرين والاعتراف بالخطأ، حيث قال: "أعرف أن هناك مشاكل تحتاج إلى حلول، ونحن نعمل بجد على حلها، ونحتاج إلى مزيد من الجهد والعمل، لكنني أطلب منكم شيئًا واحدًا؛ وهو أن تتوقفوا عن إغلاق الشوارع؛ فنحن دولة قانون ولن نسمح بإغلاق الشوارع والطرق".

في حين دعا الرئيس "روفين ريفلين" إلى انتظار نتائج التحقيقات في قضية مقتل الشاب الأثيوبي حتى لا يقع مزيد من القتلى، وأكد ريفلين أن جميع الإسرائيليين إخوة وأخوات يعيشون في وطن واحد للجميع يتساوى فيه الجمع في الحقوق والوجبات. لكن يبدو أن المتظاهرين لم يقتنعوا بمثل هذه النداءات؛ حيث ظلت الاحتجاجات مستمرة، وإن قلت وتيرتها، غير أن الشباب ما زالوا يُصرّون على البقاء في الشوارع حتى تحقيق حلول شاملة، وليس مجرد كلام معسول؛ فأغلب الشباب بدا يائسًا ولم يعد يشعر بأن إسرائيل هي وطنه بالفعل، لا سيما بعد التعامل القاسي من قبل رجال الشرطة مع هذه الاحتجاجات.

انتقادات متحفظة للشرطة

وأدانت بعض عناوين الصحافة الألمانية استخدام العنف من قبل الشرطة الإسرائيلية تجاه المواطنين، حيث نشرت صحيفة "فرنكفوتر ألجمينا" تقريرًا بعنوان: "اليهود الأثيوبيون يتظاهرون ضد عنف الشرطة في إسرائيل"، كذلك نشر موقع "نيو تسورشر تسايتونج" تقريرًا بعنوان: في إسرائيل يحتجُّ آلاف الأثيوبيين اليهود ضد عنف الشرطة وممارسات العنصرية"، لكن في النهاية تظل التغطية الإعلامية للاحتجاجات في إسرائيل متوافقةً مع سياسة المعايير المزدوجة لأغلب الدول الغربية، حيث يتضح من مقارنة تغطية وسائل الإعلام الألمانية لأحداث التظاهر في بعض الدول العربية، كالسودان أو الجزائر، أن النسبة العظمى لعناوين التقارير المصورة والمكتوبة كانت تحمل إدانة للدول والأنظمة ودعمًا للمتظاهرين، وهو ما لم تقم به وسائل الإعلام الألمانية في تغطيتها للأحداث الجارية في إسرائيل!

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق