الصحافة الفرنسية| مأساة يهود الفلاشا تتصاعد في إسرائيل.. والحكومة تدعو للتهدئة


٠٩ يوليه ٢٠١٩ - ٠٧:٣٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - محمد شما


سلطت الصحافة الفرنسية الضوء على ما يمر به الداخل الإسرائيلي من اضطرابات وأعمال عنف كبيرة شهدتها معظم المدن الإسرائيلية، فما السبب وراء هذه الأحداث؟



أعمال الشغب في إسرائيل التي مزقتها مأساة اليهود السود 


بدايةً ذكرت جريدة "ماريان" الفرنسية أن أعمال شغب ضربت الدولة العبرية عقب مقتل شاب إسرائيلي من أصل أثيوبي برصاص الشرطة؛ لتعيد هذه المأساة نكأ جراح الجالية اليهودية السوداء بعد ٣٥ عامًا من وصولها إلى الأراضي الإسرائيلية قادمةً من أديس أبابا.


فبعد عملية النبي موسى التي شهدها عام 1984، بات اسم "سالومون تكاه"، البالغ من العمر 19 عاما – أو "سليمان" كما يسمى باللغة الأثيوبية، رمزًا للمأساة بعد أن تعرّض للقتل أوائل هذا الشهر على يد "كريات حاييم" ضابط الشرطة الذي كان خارج الخدمة، وقد بدأ تحقيق فوري بسبب تلك الحادثة.
 
وعقب ذلك هزت أعمال شغب الدولة العبرية؛ ما أسفر عن إحراق عدد من السيارات أمام برج أزريللي التجاري في تل أبيب، كما ألقيت زجاجات المولوتوف على مركز الشرطة الذي يعمل به رجل الشرطة، وتم قطع طريق أيالون بالكامل، وطريق الوصول والخروج من تل أبيب، كما تم إشعال شموع الحداد في المدن الجنوبية: وها هو المجتمع الإسرائيلي الأسود يبكي مرة أخرى غضبًا وألمًا وخيبة أمل.


اندماج اليهود الأثيوبيين السود


ويبلغ عدد اليهود من أصل أثيوبي في إسرائيل نحو 140 ألفًا، وُلِدَ نحو خمسين ألفًا منهم، مثل "سليمان"، على الأراضي الإسرائيلية؛ تلك الأراضي التي مشى إليها آباؤهم وأجدادهم عبر الصحاري طوال فترة الثمانينيات في رحلة درامية مليئة بالموت جوعًا وعطشًا امتدت من غوندار إلى أديس أبابا، ثم استقلال الناجين في هذه الرحلة طائرات الشحن والهبوط على الأرض الموعودة وسط اندهاش العالم بأجمعه أمام مصيرهم. وبالنسبة لإسرائيل، أثبت إنقاذ اليهود السود حيوية الصهيونية وضرورتها، وكانوا يطلقون عليهم عن طريق الخطأ اسم "فالاتشا"، الذي يعني "بلا أرض" باللغة الأمهرية، تلك الصفة التي تم صياغتها في القرن الخامس عشر بعدما استولى الملوك المسيحيون على أراضي القبائل اليهودية. 


وعلى غرار كافة الاندماجات التي حدثت في إسرائيل، كاندماج السفرديم (اليهود الشرقيين) تتم عملية إدماج اليهود السود بشكل متناقض؛ ففي حين يصل العديد منهم إلى أعلى الرتب في الجيش، تحدُث في الوقت نفسه حالات انتحار بسبب عدم القدرة على تحمل عنصرية بعض الضباط. ولمواجهة مثل تلك الفضائح؛ أدرج الجيش الإسرائيلي دورة تدريبية عن الثقافة الأثيوبية مدتها ساعتان في برنامج تأهيل الضباط. 


كارثة إسرائيل التي يحكمها التيار الديني المتطرف


ولا تعد أعمال الشغب التي شهدتها الأيام الأخيرة بالأمر الجديد على المجتمع الإسرائيلي؛ لأنها تشهد على المعاناة الهائلة للموجة الأخيرة والقديمة من المهاجرين الذين لا يحملون أمتعة. وفي يناير الماضي، خرج الأثيوبيون إلى الشوارع بعد مقتل أحدهم في مشادة مع ضابط شرطة. نعم لقد باتت الشرطة العدو الأول لهم، بالرغم من أن العديد من الأثيوبيين اختار العمل في مهنة الشرطي! 


واليوم، وبعد وفاة الشاب تيكا، اعتذر وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، غير أن حالة الغضب تضخمت وأسفرت الاشتباكات عن إصابة 111 فردًا من ضباط الشرطة، وعدة عشرات من المتظاهرين. ويقول العديد من المحررين إن هذه ليست مشكلة أثيوبية بل مشكلة شرطية بامتياز، أما بالنسبة لكلمة "عنصرية" فنسمعها على شفاه الجميع، وهذا أمر ليس مفاجئًا؛ حيث إن إسرائيل، مثلها مثل المجتمعات الأخرى، تواجه حراكًا عنصريًّا. 


اضطرابات ومظاهرات في إسرائيل.. جريمة عنصرية وحشية  


وعلى عكس غالبية الصحف الفرنسية، اعترف موقع "فرانس تي في إنفو" بأن ما حدث كان جريمة قتل واصفًا إياها بالوحشية شرطية التي أدت إلى إثارة غضب اليهود الاثيوبيين الذين يرون أنهم يتعرضون لسوء المعاملة وإساءة الفهم.


لقد أغضب موت سليمان تيكا الأمة اليهودية الإثيوبية، التي يقول الكثيرون منها إن الشباب يعيشون في خوف دائم من إساءة معاملة الشرطة لهم بسبب أنهم من أصحاب البشرة السوداء.


اندماج ثقافي واجتماعي متعثر رغم نجاح البعض




يقول "ميكي روزنفيلد" المتحدث باسم الشرطة: إن " الشرطة لم تقم بأية اعتقالات"، والتزمت التهدئة حتى لا تتسبب بتأجيج العواطف. وأضاف روزنفيلد "أن الشرطة تجري حوارًا مع قادة الجالية الأثيوبية لتهدئة الوضع".


لقد اعترفت السلطة الدينية الإسرائيلية بمجتمع الفلاشا كيهود في وقت متأخر، وأقامت إسرائيل جسرًا جويًّا لإنقاذهم من المجاعة والنظام العسكري للرئيس منغيستو في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، غير أن الاندماج الاجتماعي لهؤلاء اليهود الأثيوبيين لا يزال صعبًا، على الرغم من نجاح البعض.


وفي يناير 2019، خرج الآلاف أيضًا إلى الشوارع في تل أبيب بعد أن قُتل شاب على يد ضابط شرطة، زعم أنه كان يركض نحوه بسكين. وقال روزنفيلد: إن الضابط المتهم في الحادث الأخير وضع رهن الإقامة الجبرية وتم إجراء تحقيق في إدارة مراقبة ضباط الشرطة.


بعد وفاة أحدهم.. غضب عارم لليهود الأثيوبيين في إسرائيل 


ومن جانبها تحدثت صحيفة "لاكروا" المتخصصة في الأديان عن الحادث، وذكرت أنه بعد يومين من وفاة شاب "الفلاشا" في أعقاب مشادة مع رجل شرطة، قام آلاف الإسرائيليين من أصل أثيوبي بقطع الطرق واشتبكوا مع شرطة الدولة العبرية.


لماذا خرج يهود الفلاشا إلى الشوارع؟


إطارات محترقة، وزجاجات حارقة وحجارة وغيرها من أعمال العنف التي اندلعت احتجاجًا على "عنصرية الشرطة" في الشمال، حيث تم تشييع الشاب الأثيوبي الذي تعرض للقتل، وكذلك أيضًا في القدس وتل أبيب وفي الجنوب بالقرب من أشدود. وردد المتظاهرون هتافات: "أوقفوا عمليات القتل.. أوقفوا العنصرية". ووفقًا لآخر تقديرات للشرطة، فقد ألقت القبض على 136 متظاهرًا وأصيب عشرات آخرون؛ فيما بلغت بلغت الإصابات في صفوف الشرطة 111 جريحًا جراء أعمال العنف.


وتساءلت الصحيفة: هل تسبب التمييز العنصري بهذه القضية؟ لقد ذكرت الشرطة في روايتها الأولية أن المسؤول الشرطي حاول التدخل في مشاجرة مع هذا الشباب. وبعد أن علموا مهنته، ألقوا الحجارة عليه؛ ما دفع الشرطي لإطلاق النار في نهاية المطاف. ولكن وفقًا للصحافة الإسرائيلية، فإن أسرة الضحية اعترضت على هذا السيناريو، ويؤيدها في ذلك أحد شهود العيان، ولذلك سيكون على التحقيق الداخلي إثبات ما إذا كان الضابط في وضعية دفاع عن النفس أم لا.


ما هو رد السلطات بعد هذه الاشتباكات الأخيرة؟


طالب الرئيس روفن ريفلين في الأول من الشهر الجاري الجميع بتحلي "المسؤولية"، ودعا إلى الوحدة الوطنية في هذا المناخ الذي تسوده التوترات الشديدة، وقال ريفلين: "نحن لن نقبل بوضع يخاف فيه الوالدان من السماح لأطفالهم بالخروج من المنزل، حتى لا يتم استهدافهم بسبب لون بشرتهم؛ فنحن لسنا في حرب أهلية أو صراع مشترك بين الإخوة والأخوات، لا بد أن نعمل من أجل مستقبلنا جميعًا"، فيما قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: "أعلم أن هناك مشاكل يجب حلها. ولقد عملنا بجد وما زال علينا أن نعمل على حلها، ولكننا في دولة يسودها القانون، ولن نتسامح مع قطع الطرق".


وتحدثت النسخة الفرنسية من موقع "روسيا اليوم" الروسي، عن تلك الحادثة أيضًا؛ وقالت إنه في أعقاب وفاة الشاب، عبّرت الجالية الأثيوبية في إسرائيل عن جام غضبها، وشهدت مدن مختلفة اشتباكات أصيب فيها متظاهرون ورجال شرطة. 


وبدأت الاحتجاجات في الأول من يوليو في بلدة كريات حاييم الشمالية، بالقرب من حيفا، حيث لقي الشاب حتفه، واستمرت لليوم التالي، يوم جنازته. وعلى موجات الأثير الإسرائيلية وصف ابن عم الضحية، أمير تيكا، الحادثة بأنها "جريمة قتل"؛ ما أعاد إحياء اتهامات بعنصرية الشرطة ضد المجتمع الأثيوبي.


حرب مدن


أما صحيفة "جيروسالم بوست" فسلطت الضوء على إغلاق المتظاهرين للطرق والتقاطعات في تل أبيب، وإحراقهم الإطارات ومهاجمتهم للسيارات وللشرطة وقيامهم بأعمال تخريب وانتهاكات صارخة للنظام العام أسفرت عن إصابة عدد كبير في صفوف الشرطة الإسرائيلية. كما أظهرت العديد من الصور، التي نُشرت على شبكات التواصل الاجتماعي، سيارات مشتعلة وحواجز جرى نصبها في عدد من الطرق.




هل نحن أمام جريمة قتل عنصري؟


يقول أحد المتظاهرين ويدعى "مينجيستو"، يبلغ من العمر 26 عامًا، لوكالة الأنباء الفرنسية: "علينا أن نفعل كل ما بوسعنا لجعل الشرطة تتوقف عن قتل الناس بسبب لون بشرتهم، نحن بحاجة إلى تأكيدات من الدولة أو الشرطة بأن هذا لن يتكرر مرة أخرى".


أما عن طبيعة الحادث فاعترفت الشرطة في البداية بأن الشرطي، الذين لم يكن في الخدمة وقت وقوع الحادث، حاول التدخل في مشاجرة كان الضحية طرفًا فيها. وبعد أن عرّف نفسه بأنه ضابط شرطة، تعرّض لوابل من الحجارة، وقام بعد ذلك بفتح النار بسبب شعوره بالتهديد، حسبما ذكرت الشرطة. لكن بحسب ما ذكره شهود عيان في مكان الحادث، لم يتم الاعتداء على الشرطي، كما ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية.


الحكومة تهدئ الأوضاع


وعبر شبكات التواصل الاجتماعي، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التهدئة، قائلا إنه "يأسف للموت المأساوي للشاب سليمان تيكا"، مضيفًا أن "المشكلات تحتاج إلى حل" وحث المتظاهرين على "التوقف عن قطع الطرق". وأضاف: "يجب علينا أن نتوقف، وأكرر نتوقف، ونفكر معًا فيما يمكننا القيام به من الآن فصاعدا [...] ويجب أن نسمح بمواصلة التحقيق في وفاة سليمان، ويجب أن نمنع وقوع حالات موت أخرى".


في حين قال وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي جلعاد أردان: إن الاحتجاجات "مشروعة" لكنها وصلت إلى "نطاق ودرجة من العنف لم يسبق لهما مثيل". وأضاف: "إنني على علم بالمعاناة التي يشعر بها عشرات الآلاف من المواطنين وأشعر بأسف كبير على ذلك". كما أشاد بضبط النفس "الاستثنائي" لضباط الشرطة.


مجتمع تحت ضغط


لقد أغضبت وفاة سليمان تيكا جالية الإسرائيليين الإثيوبيين، المعروفين أيضًا باسم "فلاشا"، الذين يقولون إنهم يعيشون في خوف دائم من معاملة الشرطة بسبب لون بشرتهم. وأثناء جنازة الشاب قال عساف غابانا، أحد أقارب الضحية: "لم نأت إلى إسرائيل ليُقتل أطفالنا. نحن لم ندفع ثمنًا باهظًا للهجرة إلى هذا البلد الحبيب حتى يُقتل أطفالنا أمام إخوانهم".


أما موقع "راديو فرنسا الدولي" فالتزم الخط ذاته ووصف الحادث بأنه حالة وفاة، وأشار إلى تصاعد غضب الإسرائيليين من أصل أثيوبي بعد دفن أحد شبابهم قُتل على يد شرطي يوم الأحد 30 يونيو، واندلعت احتجاجات عفوية في عدة مدن في جميع أنحاء البلاد، ويدين المتظاهرون العنصرية التي يقولون إنهم ضحايا لها. 


وعاد شبح أعمال الشغب التي وقعت في عام 2015 للظهور من جديد، ولليوم الثاني على التوالي قطع المتظاهرون الطرق الرئيسية، ما تسبب باختناقات مرورية ضخمة، وازداد حجم التظاهرات بعد أن شارك آلاف الأشخاص في الشمال، حيث وقع الحادث، وحول تل أبيب والقدس وحتى الجنوب حتى أشدود.


وقال والد الضحية: "نحن نريد العدالة ونطالب بحصول القاتل على ما يستحقه". وخوفاً من تفاقم الغضب، سمحت الشرطة إلى حد كبير بالقيام بهذه التظاهرات، غير أنها ستقوم بمنع أي مظاهرات غير معلنة للحيلولة دون تصاعد أعمال العنف.


وفي حين أن الجالية الأثيوبية تلقت في الآونة الأخيرة تأييد معظم الأحزاب السياسية، حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إظهار التضامن، بينما كان يتصرف بحزم: حيث قال: "نعانق الجالية الأثيوبية. وهذه ليست مجرد كلمات". إلا أنه قال أيضًا: "لن نتسامح مع قطع الطرق مرة أخرى".

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق