ناشيونال إنترست | مُختصر تاريخ إمبراطوريات الشرق الأوسط


١١ يوليه ٢٠١٩ - ٠٥:١٠ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



تُعدّ منطقة الشرق الأوسط مهد الحضارة، وهي تحتل موقعًا مركزيًّا بين كل المناطق الرئيسية الأخرى لأوراسيا وأفريقيا. وكانت هذه المنطقة دومًا مسرحًا لعمليات التجارة والغزو ومُنطلقًا لها أيضا؛ لذا كان لابد أن تحتضن تلك المنطقة بعض أبرز وأقوى الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ. ومع ذلك، كانت هذه المنطقة دائمًا محفوفة بالمخاطر والصراعات على السلطة لبناة الإمبراطوريات المحتملين: صعدت الدول وهوى نجمها بشكل سريع ومفاجئ. 

إليكم خمسة من أقوى الإمبراطوريات التي شهدها الشرق الأوسط:
الإمبراطورية الآشورية
كانت الإمبراطورية الآشورية، التي استمرت من العام 900 إلى العام 612 قبل الميلاد، أول إمبراطورية حقيقية في العالم، حيث حكمت مجتمعًا متعدد الأعراق ومساحات واسعة من الأراضي، وفي ذروة قوتهم، بسط الآشوريون سيطرتهم على الهلال الخصيب (بلاد الرافدين وسوريا وبلاد الشام) وأجزاء من إيران والأناضول، وحتى مصر لبعض الوقت.

تميّزت تلك الإمبراطورية بالوحشية الشديدة - حتى بمقاييس زمنها - إذْ قضت معظم تاريخها في خوض الحروب واستعباد معظم أمم الشرق الأوسط في ذلك الوقت. لم تكتفِ الإمبراطورية الآشورية بمجرد هزيمة أعدائها، لكنها حاولت أيضًا تدميرهم تدميرًا كاملاً ونهائيًّا، عبر ترحيل وتهجير المجتمعات المهزومة ونقلها إلى جميع أرجاء أراضيها الشاسعة. وبهذه الطريقة، اختفت من التاريخ العديد من الأمم القديمة التي عاشت لآلاف السنين، مثل العيلاميين. 

واحد من العوامل المهمة التي ساهمت في صعود مملكة آشور ونجاحها، هو سيطرتها على المعادن النفيسة في الأراضي الجبلية الواقعة فيما يُعرف اليوم بإقليم كوردستان، إذ استخدمت تلك المواد لصناعة الأسلحة. وعلى النقيض من ذلك، لم يمتلك معظم جيران مملكة آشور، الذين عاشوا في أراضٍ منبسطة، إلا قدرًا قليلاً من تلك المعادن. مع هذا، خلقت تلك الإمبراطورية لنفسها العديد من الأعداء، ونتيجة للإنهاك الذي أصابها بفضل الحروب المستمرة، سقطت آشور في نهاية المطاف على أيدي تحالف من القوى في عام 612 عقب معركة نينوى. 

الإمبراطورية الفارسية الأخمينية
كانت الإمبراطورية الفارسية الأخمينية أول إمبراطورية عالمية رئيسية في التاريخ، حيث اتسعت رقعتها لتشمل معظم العالم المتحضر، وضمّت أربعة وأربعين بالمائة من سكان العالم في ذلك الوقت، وهي نسبة لم يتم تجاوزها مطلقًا منذ ذلك الحين. تمكّنت الإمبراطورية الفارسية بنجاح من حُكم معظم أراضي الشرق الأوسط ووسط آسيا وأجزاء من جنوب آسيا وأوروبا لمئات السنين.

تأسست تلك الإمبراطورية عام 550 قبل الميلاد على أيدي "قورش العظيم"، الذي اشتهر بوضع بعض السياسات التي ساهمت في نجاح امبراطوريته. على سبيل المثال، منح "قورش" المجتمعات غير المتجانسة في الإمبراطورية حرية ثقافية ودينية. وقد قلّل هذا من إمكانية اندلاع ثورات، وجعل للعديد من قوميات تلك الإمبراطورية مصلحة في استمرار وجودها. كما وصف العهد القديم "قورش" بأنه "مُبارك من الرب". 

استفادت الإمبراطورية الفارسية أيضًا من كونها مرتبطة جيدًا بشبكة من الطرق، ومن استخدامها للغة رسمية موحّدة، وامتلاكها لنظام بيروقراطي، فضلًا عن تأسيسها للعديد من السمات البارزة الأخرى التي ميّزت الإمبراطوريات التي أتت من بعدها. مع هذا، كان سقوط الإمبراطورية على أيدي الإسكندر الأكبر في عام 330 قبل الميلاد مذهلاً في سرعته. ربما كان ذلك نتيجة للتدهور الحتمي الذي يصيب كل الإمبراطوريات. وكما حذر قورش العظيم الفرس، فإن الترف والثروة الناتجين عن حكم إمبراطورية ناجحة، يخلقان في نهاية المطاف شعبًا ليّنًا.

الخلافة الأموية
بعد وفاة الرسول محمد، حقق الخلفاء الراشدون الأربعة الذي حكموا بعده انتصارات باهرة على البيزنطيين والفرس، مؤسسين إمبراطورية عربية إسلامية أكبر من نظيرتها الرومانية. لكن موجة التوسُّع العربي التي قام بها الخلفاء الراشدون كان يمكن أن تكون مؤقتة لولا خلفائهم الأمويين، الذين وسّعوا الإمبراطورية العربية وعززوها، جاعلين من الإسلام قوة دائمة في الشرق الأوسط.

وصل الأمويون للسلطة بعد تولي "معاوية" الحكم عام 661 ميلادية، حيث سيطر بطريقة مثيرة للجدل على حكم الإمبراطورية، وأسس لخلافة وراثية. حكم الأمويون انطلاقًا من دمشق، ناقلين مركز السلطة إلى خارج الجزيرة العربية، ومؤسسين لوجود عربي دائم في بقية الشرق الأوسط. 

وأثناء فترة حكم الخلافة الأمويّة، توسّعت الإمبراطورية لتشمل شمال أفريقيا، ودويلة سمرقند الواقعة اليوم في أوزبكستان، وإقليم السند الواقع اليوم في باكستان، فضلًا عن إسبانيا. وواجه الأمويون في كل مكان ذهبوا إليه مقاومة متواصلة، لكنهم كانوا شديدي الثبات وتغلّبت مثابرتهم على أعدائهم. لقد قيل إن مدينة بُخارى الواقعة اليوم في أوزبكستان، انتفضت على الأمويين ثلاث مرات قبل أن يتمكنوا من إخضاعها في نهاية المطاف. كما قضت ملكة بربرية لُقبت بـ "الكاهنة" ثلاثة عقود وهي تقاتل العرب في شمال أفريقيا في أواخر القرن السادس الميلادي قبل أن تُهزم في نهاية المطاف. 

وبعد اندلاع ثورة ضدهم، حلّ العباسيون محل الأمويين في منصب الخلافة عام 750 ميلادية، لكن وحدة العالم الإسلامي تحطّمت بعد وقت قصير. لم يحكم العباسيون بصورة فعّالة إلا قرنًا من الزمان، إذ انبثقت مجموعة من دول الخلافة والسلطنات والممالك والإمارات من تلك الدولة العربية الممزقة، وكانت العديد من تلك الدول تحت حكم الترك والفرس والكُرد والبربر وآخرين.

الإمبراطورية السلجوقية
تأسست الإمبراطورية السلجوقية على أيدي المرتزقة الأتراك القادمين من آسيا الوسطى، والذين غزوا أولاً خراسان ثم فارس وأخيرًا العراق. بدأ صعودهم للسلطة عام 1040 ميلادية بعد أن هزموا "الغزنويين" الذين كانوا القوة المهيمنة في العالم الإسلامي الشرقي (أفغانستان، وشرق إيران) في معركة دندنقان. وبداية من عام 1055 ميلادية، بات الخليفة في بغداد مجرد دمية للسلطان السلجوقي. وفي الواقع، كان السلجوقيون سُنّة متشددين استجابوا لطلب الخليفة العباسي لتحرير بلاده من البوهيين الشيعة الفارسيين. 

كما ألحق السلاجقة الهزيمة بالفاطميين الشيعة المصريين في بلاد الشام، ما أسفر عن سيطرتهم على القدس عام 1073. لقد قيل إن وحشيتهم وتحرّشهم بالحجاج، كانا سببًا في إطلاق الحملات الصليبية. وتحت حكم السلطان "ألب أرسلان"، استطاع السلاجقة سحق البيزنطيين، وهو أمر عجز عنه العرب، ما أسفر عن سيطرتهم على معظم الأناضول بعد معركة "ملاذكرد" عام 1071. بهذا تمكّن السلاجقة من تأسيس أكبر إمبراطورية في الشرق الأوسط منذ العباسيين الأوائل، ممتدة من الحدود الصينية الراهنة حتى أبواب مدينة القسطنطينية. 

لقد ترك السلاجقة إرثًا مهمًا. تحت حكمهم، بدأ تتريك أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط أو استعمارها من جانب الأتراك، لا سيما في الأناضول وأذربيجان. تعاظمت هيمنة الإسلام السُنّي في منطقة الشرق الأوسط، مع تراجع نفوذ الشيعة. كان السلاجقة رعاة للغة الفارسية والثقافة الملكية - بالرغم من كونهم أتراكًا - وفي عهدهم تواصل تراجع مكانة الثقافة العربية في العالم الإسلامي. كانت فارس هي مركز حكم السلاجقة، وقد أعادوا إحياء العديد من تقاليد فن الحكم الفارسية. كما ساهمت حماستهم للغزو في تزايد حدّة المواجهة مع أوروبا المسيحية. 

الإمبراطورية العثمانية
تُعدّ الإمبراطورية العثمانية مذهلة بفضل طول عمرها واتساعها. أسّس الترك تلك الإمبراطورية في الأناضول عام 1299 ميلادية، وتوسّعت بسرعة عبر غزوها القسطنطينية (إسطنبول) وتحويلها لعاصمة لها عام 1453، واستمرت هذه الإمبراطورية حتى عام 1923. وبالإضافة لتوليه منصب السلطان، كان الحاكم العثماني يُعترف به على نطاق واسع في العالم الإسلامي السُنّي باعتباره خليفة للمسلمين بعد عام 1517. 

كان العثمانيون أول دولة إسلامية تغزو البلقان وتحكمه، بعد هزيمتهم للصرب والبلغار والبيزنطيين والهنغاريين. ومثلت تلك المناطق الحدودية أول مرحلة للتوسُّع العثماني. وبعد سقوط القسطنطينية عام 1453، غزا الأتراك العديد من الإمارات التركية في الأناضول، ومعظم المناطق الكُردية، وحتى العراق، بعد هزيمتهم للصفويين الفرس في معركة "جالديران" عام 1514. مع هذا، فإن النصر العثماني الكبير كان عام 1516-1517، عندما هزم العثمانيون مماليك مصر. وقد أسفر ذلك، ليس فقط عن خضوع مصر وسوريا الثريتين لسيطرة العثمانيين، ولكن أيضًا خضوع الحجاز، التي احتضنت مدينتي مكة والمدينة المقدستين. وواصل العثمانيون توسيع نفوذهم ليسيطروا على القرم وشمال أفريقيا، وباستثناء إيران، هيمن العثمانيون على الشرق الأوسط لقرابة أربعة قرون، وفرضوا حصارًا شهيرًا (لكن غير ناجح) على فيينا في عامي 1529 و1683، وكانوا على وشك الدخول إلى وسط أوروبا.

لكن لماذا حققت الإمبراطورية العثمانية هذا النجاح الكبير، وعاشت كل هذه الفترة الطويلة؟
كان هناك العديد من العوامل التي أسهمت في ذلك؛ أحدها هو قدرتها على العمل مع الحكام المحليين واستمالتهم، عوضًا عن محاولة السيطرة على الأرض مباشرة؛ غير أن سيطرتها على هؤلاء الحكام المحليين انتهت بحلول القرن التاسع عشر، وتبنّى العثمانيون استراتيجية أخرى تتمثل في الاستعانة بفرقة عسكرية كان ولاؤها الوحيد للدولة، وهم الشراكسة. كان هؤلاء عبارة عن عبيد أُخذوا قسرًا من عائلات مسيحية، وتربّوا كجنود، كما استفاد العثمانيون أيضًا من الممارسات البيروقراطية الناجحة والواسعة النطاق للبيزنطيين. 

وبالرغم من أن الإمبراطورية العثمانية كانت تحتضر في منتصف القرن التاسع عشر، بيد أنها بقيت حتى عام 1923، غالبًا بسبب رغبة القوى الأوروبية المختلفة لإبقائها على قيد الحياة لمنع أية دولة أخر، لا سيما روسيا، من كسب ميزة غير مستحقة من انهيارها.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق