AEON | الشعور بالترابط... كيف يُسهم الغناء في توطيد العلاقات الاجتماعية بين الناس؟


١٥ يوليه ٢٠١٩ - ٠٥:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



في فيلم "بوهيميان رابسودي" الذي عُرض عام 2018، والذي يحكي قصة فرقة "Queen" البريطانية لموسيقى الروك، هناك مشهد علق في ذهني يدور حول حفلة "لايف آيد" (Live Aid) الموسيقية المقامة في لندن عام 1985؛ حيث صدحت فرقة "كوين" بأفضل أغانيها، وغنّى معها الجمهور وتمايل وصفق وضربوا الأرض بأقدامهم. حينها أحسست بوجود شعور بالتضامن القوي بين الجمهور وشعور بالانسجام وسط المعجبين، لا يأتي فقط من شعورهم بمتعة مشتركة من مشاهدة الفرقة، ولكن الأهم من ذلك هو كونهم جزءًا من صناعة الموسيقى. ولا عجب أن الفيلم يُظهر كيف بدأ تزايد التبرعات أثناء الحفل: نحن نعلم أن التضامن الاجتماعي مرتبط بالسلوك الاجتماعي الإيجابي. بوصفي باحثًا، فإني أهتم بكيفية وسبب تشكُّل شعور هذا التضامن من الغناء. 

إن الغناء ظاهرة عالمية؛ هو موجود في كل الثقافات، وبالرغم من الاعتراضات المتعلقة بالجهل بالنغمات الموسيقية، غير أن معظم الناس يستطيعون الغناء، كما أن الغناء غالبًا ما يحدث في سياقات جماعية: الملاعب الرياضية، والشعائر الدينية، واحتفالات عيد الميلاد. وبالنظر إلى هاتين الصفتين، تساءلت أنا وزملائي عما إذا كان الغناء سلوكًا تطوّر ليربط المجموعات معًا.

إن التواجد في مجموعة أمر ضروري لبقاء البشر. في مرحلة الصيد وجمع الثمار في الماضي، ساعدت العلاقات الاجتماعية الداعمة الناس في الحصول على الموارد التي احتاجوها للدفاع عن أنفسهم ضد الدخلاء، والاستفادة من التربية الجماعية للأطفال، ومشاركة وتطوير معرفة ثقافية بشأن بيئتهم وبشأن اختراعات تقنية مفيدة. نحن نعلم الآن أيضًا أن الشعور بأننا مرتبطون اجتماعيًّا بقدر كافٍ، يحمينا من الأمراض العقلية والجسدية، ويُطيل من حياتنا.

المشكلة هي أن المجموعات الاجتماعية البشرية أكبر بكثير من تلك الموجودة لدى أقربائنا من الرئيسيات. فبينما تخلق القرود روابط اجتماعية فيما بينها عبر تنظيف فراء بعضها البعض، فإن أعداد المجموعات البشرية كبيرة للغاية لكي تتمكن من القيام بهذا ويكون لديها وقت كافٍ لتناول الطعام والنوم. لقد كنا بحاجة إلى آلية أكثر كفاءة لخلق انسجام اجتماعي، تمكننا من ربط أعداد أكبر من الأفراد معًا بشكل متزامن. 

ولمعرفة ما إذا كان الغناء بمقدوره أداء ذلك الدور، كنا بحاجة لأن نعرف ما إذا كان هذا النشاط بإمكانه زيادة التقارب بين مجموعات أكبر من الأفراد، ولمساعدتنا على إجابة هذا السؤال، اجتمعنا مع منظمة "بوب كواير" (Popchoir)، وهي منظمة بريطانية تُدير جوقات موسيقية محلية في لندن وخارجها. الشيء العظيم بشأن منظمة "بوب كواير" هو أن هذه الجوقات المحلية المكوّنة من عشرات الأعضاء، تجتمع مع بعضها بصورة دورية لتشكّل "جوقة كبرى" مكوّنة من مئات الأعضاء.

ذهب فريق بحثنا لحضور بعض البروفات لجمع بيانات قبل وبعد غناء هؤلاء الأعضاء معًا، إما في جوقتهم المحلية أو في الجوقة الكبرى المشتركة. تضمّن فريق البحث دانيال واينستين ولورين ستيوارت من جامعة لندن، وروبين دونبار من جامعة أوكسفورد، وجاك لاوني من جامعة برونيل في لندن، وقد وجدنا عمومًا أن شعور الناس بأنهم قريبون من الجوقة الكبرى ازداد كثيرًا أثناء غنائهم معها، مقارنة مع شعورهم أثناء غنائهم مع جوقتهم المحلية.

يُعزى هذا إلى أنه قبل الغناء معًا، شعر الناس بأنهم أقرب لجوقتهم المعتادة من الجوقة الكبرى. وذلك أمر منطقي: الجوقة الكبرى كانت مكوّنة أساسًا من أشخاص لم يلتقوهم من قبل. لكن بعد الغناء سويًّا، شعر الناس بأنهم قريبون بالقدر ذاته من جوقتهم المحلية المألوفة وللجوقة الكبرى غير المألوفة لهم. لهذا، فإن الغناء يمكن أن يخلق انسجامًا في مجموعات كبيرة من مئات الأشخاص؛ ما يدعم فكرة أن هذا السلوك ربما تطوّر ليخلق انسجامًا مجتمعيًّا بين البشر.

لكن الشيء الذي مازلنا لا نعلمه، هو ما إذا كان الغناء ذاته هو حالة خاصة، أو ما إذا كان أي نشاط آخر يوفر فرصًا للمشاركة الاجتماعية يمكنه أن يوطد العلاقات بالقدر ذاته. لمعاجلة هذه المسألة، تعاونّا مع "جمعية تعليم العمال"، وهي مؤسسة خيرية وطنية لتعليم البالغين في المملكة المتحدة. وقد توقعنا أن دروس الغناء ستخلق ترابطًا أوثق بين الدارسين مقارنةً مع الأنواع الأخرى للدروس (سواء كانت الكتابة الإبداعية أو الحرف اليدوية)، لكننا كنا مخطئين؛ ففي نهاية الدورات الدراسية التي دامت سبعة أشهر، خلقت كل الدروس القدر ذاته من الترابط بين الدارسين، لكن بعد أن أمعنّا النظر في البيانات، وجدنا شيئا مفاجئًا؛ حيث بدا أن الغناء خلق ترابطًا بين الجماعات المشكّلة حديثًا بسرعة أكبر بكثير من الأنشطة الأخرى؛ لذا يمكن القول إن الغناء هو شيء مميز: تأثير كسر الحواجز بين الناس.

وبالرغم من أن الغناء يحدث في سياق تعاوني مثل الشعائر الدينية، بيد أنه يمكن أن يكتسي طابعًا تنافسيًا. على سبيل المثال، عندما يحاول مشجعو فريقين رياضيين متنافسين التفوق على بعضهما البعض عبر نشيديهما، أردنا أن نعرف أثر هذا على تأثيرات الترابط الاجتماعي للغناء، وللقيام بذلك جمعنا بيانات من نادٍ اجتماعي شبيه بالأخوية في جامعة أوروبية رئيسية، يتكوّن هذا النادي من "مجموعات" رسمية، كل واحدة منها لديها اسمها وقواعدها للباس. وتنافس هذه المجموعات بعضها على نظم تصنيف مختلفة، مثل وتيرة حضورها لمناسبات النادي، وتعقد مسابقات غناء ورقص للفوز بمواقع مميزة في حانة النادي، وطلبنا من الطلاب المشاركين في دراستنا أن يغنوا بأعلى صوت ممكن في مجموعات صغيرة من أربعة أفراد، إما مع مجموعة أخرى من أربعة أفراد من المجموعة ذاتها، أو مع مجموعة من أربعة أفراد من مجموعة مختلفة. 

عندما كانت المجموعات من نفس الزمرة، لم يكن للغناء التعاوني تأثير: كانت تربطهم بالفعل علاقات وثيقة، لهذا لم يكن هناك مجال لزيادة تقاربهم. لكن عندما غنّى أعضاء المجموعة ذاتها بصورة تنافسية ضد بعضهم، خفّض هذا من شعورهم بالتقارب تجاه بعضهم. وقد أصبحت الأمور أكثر إثارة للاهتمام عندما كانت مجموعتَي الغناء من زمرتين مختلفتين، وهنا وجدنا أن الغناء التعاوني ازداد بصورة كبيرة من مشاعر قُربهم تجاه المجموعة من الزمرة الأخرى. لكننا اندهشنا عندما وجدنا أن الغناء التعاوني فعل هذا أيضًا. بعبارة أخرى، فإن الغناء مع أفراد غير مألوفين، خلق روابط اجتماعية أقوى، حتى عندما كانوا يتنافسون. إنه تأثير كسر الحواجز مجددًا. 

ما الذي يخلق هذا التأثير؟
في اللحظة الراهنة، نحن لا نعرف حقًّا، لكننا نستطيع التخمين. في الرئيسيات غير البشرية، تُسهّل عمليات الاعتناء الترابط الاجتماعي عبر إفراز الإندروفين الذي يتصدّى للألم ويمنحك شعورًا بالنشوة. لقد علمنا أيضًا من التصوير المقطعي بالانبعاث البوزيتروني (PET-scanning) أن اللمسة الاجتماعية من جانب شريك رومانسي مرتبطة بإفراز الإندروفين عند البشر.

لكن ماذا عن السلوكيات التي قد تؤدي لحدوث ترابط متزامن بين المجموعات؟ حسنًا، يبدو أن أنشطة مثل الضحك والرقص المتزامن مرتبطة بإفراز الإندروفين، والأمر ذاته ينطبق على الغناء، ومن المرجح أن تنسيق التنفس المطلوب عند الغناء، والمجهود العضلي المبذول في هذا النشاط المتزامن، يلعب دورًا مهمًا في ذلك.

ثمة اختلاف آخر محتمل بين هذه السلوكيات المتسببة في إفراز الإندروفين، وهو حجم المجموعة التي بإمكانها أن تترابط بصورة متزامنة. يقتصر حجم مجموعات المحادثة فيما يبدو على أربعة أفراد تقريبًا قبل انقسامها لمجموعات فرعية، ونظرًا لأن الضحك يحدث عادة في تجمعات محادثة طبيعية (خارج إطار ظاهرة الكوميديان الواقف حديثة العهد، الذي يملأ جمهوره الملاعب)، ربما يعني هذا أن الضحك هو الأنسب لتعزيز الترابط بين الجماعات الصغيرة. في المقابل، يمكن للغناء أن يعزّز الترابط بين مئات الأفراد في الوقت ذاته، وقد يشمل ذلك الآلاف عندما يكون هناك محور تركيز يجمع الكل سويًّا، مثل فرقة "كوين" لموسيقى الروك. 

نحن مازلنا لا نعلم إن كان فعل الغناء هو الذي يؤدي لهذا التأثير، على سبيل المثال عبر تحفيز إفراز الإندروفين عبر جهد عضلي منسق، أو إن كان الهدف المشترك لإنتاج موسيقى هو الذي يخلق هذا الانسجام. نحن لا نعلم أيضًا ما إذا كان الإيقاع المنسق هو ما يحفز تأثير الترابط، أو ما إذا كان التنسيق المتزايد المطلوب لإنتاج الموسيقى هو ما يزيده. لكن أيًّا كان الحال، فإن جزءًا من نجاح فرقة مثل "كوين" يُعزى إلى تشجيع هذه الفرقة للجمهور للمشاركة في موسيقاها، وهي بذلك نجحت في الاستفادة من آلية تطوّرية لترابط اجتماعي قوي يخلق علاقات قوية بسرعة مع أعداد كبيرة من الناس من كافة أنحاء العالم. 




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية aeon

اضف تعليق