AEON | جوهر واحد.. ما هي أوجه التشابه بين البوذية والماركسية؟


١٨ يوليه ٢٠١٩ - ٠٧:٢٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



قد يبدو أنه لا يوجد الكثير من القواسم المشتركة بين الماركسية والبوذية. فالأولى عبارة عن نظرية اجتماعية - اقتصادية مادية وضعها رجل ملتحٍ عاش في القرن التاسع عشر في مدينة "ترير" في ألمانيا، بينما الأخيرة هي عبارة عن ديانة نشأت من خُطب أُلقيت تحت شجرة تين من جانب شخص متأمل ومسالم ونحيف عاش فيما يُعرف اليوم بالهند. تاريخيًّا وجغرافيًّا، تعد هاتان الفكرتان متباعدتين للغاية، لكن جوهر تحليلهما الفلسفي لحالة البشر متقارب بشكل مذهل. في الواقع، هما متقاربتان لدرجة أن الميتافيزيقيا البوذية يمكن أن تكمِّل الفلسفة الاجتماعية الاقتصادية الماركسية. وكما قال عالم الأنثربولوجيا "كلود ليفي ستراوس" عام 1955: "الماركسية والبوذية تفعلان الشيء ذاته، لكن في مستويات مختلفة". 

منذ تصريح "تنجين غياستو"، قداسة الدالاي لاما الرابع عشر للتبت، بشأن ميوله الماركسية عام 1993، بات واضحًا أن هناك قاسمًا مشتركًا بين البوذية والماركسية:
"من بين كل النظريات الاقتصادية الحديثة، فإن النظام الاقتصادي للماركسية أُسّس على مبادئ أخلاقية، بينما تهتم الرأسمالية فقط بالمكسب والربح... من وجهة نظري، فإن فشل النظام في الاتحاد السوفيتي السابق، لم يكن فشلاً للماركسية، بل كان فشلاً للطغيان. لهذا السبب، أنا ما زالت أعتبر نفسي نصف ماركسي ونصف بوذي". 

كما أن ماركس هو الآخر كان يعرف شيئًا عن البوذية؛ ففي خطاب لصديق له، كُتِبَ عام 1866، وصف جلسات التأمل التي يقوم بها كما يلي:
"لقد أصبحت مثل العصا المتحركة، أركض صعودًا ونزولاً اليوم بأكمله، وأجعل ذهني في حالة العدم التي يعتبرها البوذيون ذروة النعمة البشرية".
إذًا، هل تكمّل الماركسية والبوذية بعضها الآخر؟ وكيف؟
 
المحور المركزي للفلسفتين هو فكرة "التشخيص والعلاج". تشترك الفلسفتان في التشخص: الحياة تعني أساسًا المعاناة. بالنسبة لماركس، فإن الرأسمالية هي الدافع الرئيس للمعاناة، تخلق الرأسمالية المزيد من المعاناة للطبقة العاملة، بينما يعيش البرجوازيون والرأسماليون حياة مرفّهة نسبيًّا. وبالنسبة لبوذا، فإن الطبيعة المؤقتة والعابرة للحياة تجعل المعاناة أمرًا حتميًّا. هناك مصطلح بوذي هندي - تبيتي لوصف تأثيرات عدم دوام الطبيعة، وهو مصطلح "الدوكخا" (Dukkha)، الذي قد يُترجم إلى "المعاناة"، لكن الألم والإحباط والحزن والبؤس أو السخط ملائمة بشكل أفضل. إن "الدوكخا" هي الأولى بين الحقائق البوذية الأربعة التي طرحا بوذا مباشرة بعد مروره بتجربة التنوير أسفل شجرة بودهي.
 
وليس من الصعب فهم ما يعنيه مفهوم "الدوكخا": الحياة مليئة بالمعاناة - العقلية والجسدية - وفي حالات كثيرة، ليس هناك ما يمكننا فعله حيال ذلك. فنحن نكبر ونخسر روحنا الجسدية والعقلية، ونخسر الناس الذين نحبهم، والممتلكات التي نحتفظ بها والتي يومًا ما لن تكون ملكًا لنا. كل هذا أمر حتمي لأن عالمنا ذو طبيعة هشّة ومؤقتة، وهناك مصطلح بوذي لهذا هو "أنيتيا" (Anitya). فنحن البشر منكوبون بالقلق الناتج عن خوفنا من المرض، أو خسارة وظيفتنا أو خسارة أحد من أحبائنا، أو خسارة أموال، أو خسارة شهرة. 

هذا ينقلنا للحقيقة الثانية من الحقائق النبيلة الأربعة، وهي "ترسنا"، التي غالبًا ما تُترجم إلى "تعطش"، لكن ربما يكون من الأفضل التفكير فيها بأنها "تعلُّق". فنحن متعلقون بوظيفتنا وعائلتنا وممتلكاتنا وأنفسنا. وهذا ليس بالضرورة أمرًا سيئًا، إذ إنه يعزّز الروابط البشرية والاهتمام بالذات، لكنه يُسبب أيضًا المعاناة عندما يقترن بزوال كل شيء نتعلق به. لهذا فإن سبب معاناتنا لا يكمن في طبيعة الحقيقة نفسها، ولكن في سلوكنا تجاهها؛ فنحن نتمسك بالفكرة الخاطئة بأن الأشياء الجيدة ستدوم للأبد، وأن الأشياء السيئة إما أنها لن تحدث مطلقًا، أو أنها إذا حدثت، فسنعود قريبًا للمكان الجيد.

يرى كارل ماركس في كتابه "رأس المال" الصادر عام 1867، أن الرأسمالية هي نظام اجتماعي اقتصادي يتبنّى آلية قوامها المنافسة بين الأفراد من أجل مراكمة الثروة التي لا يصل إليها الناس الذين أنتجوها إلا على نطاق محدود، أو لا يصلون إليها أصلًا. وفي ظل هذا النظام، يتعرض غالبية الناس للاستغلال والخضوع وسوء المعاملة والاغتراب عن جوهرهم الإنساني، ناهيك عن استغلال الطبيعة ومواردها. ويرى ماركس أن الرأسمالية تولّد قدرًا زائدًا من "الدوكخا" غير الضرورية: هي تُبقى الناس فقراء (مقارنة بقيمة عملهم)، وعاطلين عن العمل (لتغذية المنافسة ولربط العمال بالرأسماليين)، وهي تتلاعب بصحة الناس (عبر إجبارهم على العمل في ظروف مؤذية)، وفوق كل هذا، فهي تُبعدهم عن جوهر وجودهم الإنساني (عبر تقسيم العمل، والعمل لساعات طويلة). إن انعدام المساواة الاجتماعية وظروف العمل البشعة تتسبب في الجريمة والعنف والكراهية، وهذا ليس مفاجئًا. وتتسبب الجريمة والفقر والاغتراب والاستغلال في حدوث المعاناة، ولكن ليس عند العمال المُستغلين فقط؛ فالرأسماليون يعيشون في حالة خوف مستمرة من فقدان مكانتهم وآمالهم، لهذا يتعيّن عليهم العمل لحمايتها. 
 
من وجهة نظر البوذيين، فإن مصدر المعاناة يكمن في الصراع بين طريقة نظرتنا للواقع وبين الواقع الفعلي. إذًا، لو أردنا التخلص من المعاناة، فعلينا إدراك الواقع كما هو؛ وهذا يتمثل في نمط التنوير.

ووفقًا لماركس، فإن هناك مصدرًا إضافيًّا للمعاناة في نمط الإنتاج. بالتالي يرى ماركس أن الحل يكمن في تغيير هذا النمط البشع للإنتاج لشيء أفضل. لكن مثلما هو الحال مع التنوير، فإنه من الصعب رؤية المشكلة في المقام الأول، حيث يفعل النظام الرأسمالي كل ما في وسعه لإخفاء شرّه خلف ستارة برّاقة من ثقافة الاستهلاك.

ترى البوذية أن المُحرّك الرأسمالي تغذيه أهم نقيصة بشرية: "الترسنا" (التعطش). فهم ماركس أن النظام الاقتصادي بأكمله قائم على الاستهلاك، وتعرف وكالات التسويق كيف تدفع الـ "ترسنا" لحدود التحريف الكامل؛ ما يساهم في استمرار الاستهلاك والعمل. لقد خُدع الناس ليصدقوا أن دُمية "فوربي" وأجهزة الآيباد وبقية المنتجات والخدمات عديمة الجدوى ضرورية لحياة سعيدة مُرضية. لقد استُبدل الإحساس بـ "المعنى" بسعادة فورية مؤقتة تحت الطلب.

يعرف البوذيون صعوبة تحقيق السعادة. ونظرًا للزوال الحتمي للحياة، فإن هدف البوذيين ليس أن يكونوا سعداء طوال الوقت، ولكن أن يعيشوا حياة ذات معنى. يقول ماركس إن الحياة تصبح ذات معنى للعامل من ناحية أنها تساعد العامل بشكل أو بآخر من الحد من المعاناة لدى شخص آخر، لأن الرأسمالية تدفع العامل إلى التخصص، ولن يصبح الجميع ممرضًا أو طبيبًا أو أخصائيًا اجتماعيًا أو مُعلّمًا وما إلى ذلك.

وتتمحور الرأسمالية حول الرغبة البشرية للحصول على حياة ذات جدوى، لكنها تقدم سعادة قصيرة الأمد فقط. لماذا لا نزال نحن نتوق للسلع الاستهلاكية عديمة الجدوى؟ لأنه جرى إقناعنا أن امتلاك هذه السلع يحدد هويتنا. وصف عالم النفس "فيليب كوشمان" بدقة عام 1990 لعبة البينغ بونغ بين الاستهلاك المُسرف ومصدر المعاناة، وهو التعطش (ترسنا) لتحقيق الذات الحقيقية: "تتعامل الرأسمالية مع البشر كأنهم أوعية فارغة لا تمتلئ مطلقًا، وغير متشابهة، وليس لديها هوية ثابتة، وتحتاج لأن تُملأ بالسلع". إن الثقافة الاستهلاكية من المفترض أنها تملأ فجوة – شعور بالنفس والهوية والجوهر- محفورة في النفسية البشرية بفضل ظروف العمل الاغترابية الموجودة في الرأسمالية. 

إن العقلية الاستهلاكية ليست هي العلاج. للأسف، أصبحت البوذية التي تأخذ شكل تطبيقات "ممارسة التأمل وسراويل اليوغا" على الهاتف الذكي، أحدث بلسم لعلاج الإرهاق الذي يعاني منه الرأسماليون. قال أشهر أكاديمي ماركسي في عصرنا "سلافوي جيجيك" ذات مرة: إن "النهج التأملي "البوذي الغربي" ربما يكون أفضل وسيلة لنا للمشاركة بشكل كامل في الديناميات الغربية، والاحتفاظ في الوقت ذاته بمظهر السلامة العقلية".

نحن بالطبع لسنا مجرد أوعية فارغة. لكن ماذا نحن بالضبط؟ إن مفهوم ماركس للنفس هو مسألة تخضع لنقاش كبير وسط العلماء الذين يدرسون فكر ماركس. كتب عالم النفس الاجتماعي "إيريك فورم" عام 1961 أن "ماركس لم يؤمن، مثل العديد من علماء الاجتماع وعلماء النفس المعاصرين، أنه لا يوجد هناك شيء اسمه طبيعة الإنسان، وأن الإنسان عند ولادته يكون مثل الصفحة البيضاء التي تدوِّن عليها الثقافة نصّها"؛ مع هذا يجب أن تكون هناك نفس، وإلا ما كنا لنشعر بالاغتراب عنها، ولكن هل النفس وعاء فارغ يتطلب إعادة التزود بالوقود؟

في عام 1845 كتب كارل ماركس عن زميله في المذهب الهيغيلي "لودويغ فورباخ" قائلاً: إن فورباخ "يُذيب الجوهر الديني في الجوهر الإنساني. ولكن الجوهر الإنساني ليس تجريدا ملازما للفرد المنعزل، فهو في حقيقته مجموع العلاقات الاجتماعية كافة". ووفقًا للمادية التاريخية لماركس، فإن العلاقات الاجتماعية التي تحدد النفس، يجري تحديدها، كما نعلم، عبر "نمط الإنتاج". بالتالي فإنه عندما يتغير نمط الإنتاج، تتغير معه الطبيعة البشرية. 

في المقابل، ووفقًا للفلسفة البوذية، فإن النفس ليست كيانًا، ولكن مجموعة فضفاضة من العلاقات. في الدوائر التي عاشت في مرحلة لاحقة للبوذية، اكتسب مصطلح جديد أهمية كبيرة: "سابهافا" (Svabhava). عادة ما يُترجم هذا المصطلح لـ"الطبيعة الخاصة"، لكننا سنترجمها هنا إلى "الجوهر". ما هو الجوهر؟ دعونا نفكر في الجوهر بوصفه شيئًا أساسيًّا وثابتًا وضروريًّا ومكتفيًا ذاتيًّا ومتماثلاً. هناك أمثلة بارزة على الجوهر مثل: الله والروح العالمية والعقل والمادة.

ومن السهل التفكير في الصورة البوذية التي وُصفت في الأعلى بأنها عدميّة بشكل ميؤوس منه، لكن إنكار عدم وجود جوهر للنفس، بالمعنى الميتافيزيقي العميق، لا يعني أنه ليس هناك شيء يعمل كنفس. وفي الواقع، لم يرغب البوذيون في التخلص من النفس بشكل كامل ونهائي، كذلك لم يفعل ماركس. ومن دون وجود شيء يعمل كنفس، فلن يكون هناك شيء يعاني تحت الرأسمالية أو نتيجة إلقائه في العالم العابر؛ وبالتالي يكون تحليل ماركس الاجتماعي السياسي عديم الجدوى، وتكون البوذية بلا حافز. يجب أن يكون هناك شيء يعمل كمحور للمعاناة؛ لذا دعونا نتطرق الفكرة البوذية المعروفة باسم "سونياتا" (الخواء).

لو كان هناك شيء خاوٍ من الجوهر، فستكون العلاقات التي تحدد الشيء. بعبارة أخرى، فإن كل شيء هو ما عليه بسبب العلاقات المحددة التي تربطه بأشياء أخرى. إن كل شيء لديه مجموعة فريدة من العلاقات مع أشياء أخرى، ما يجعل هذا الشيء متميزًا من دون أن يكتسي جوهرًا فريدًا وفرديًّا. أنت مرتبط بعلاقات لا حصر لها مع والديك وزوجتك، ولكنك مرتبط أيضًا بسيارتك وحسابك المصرفي. إن الانطباع بأن أشياء مثل المنازل أو الأنفس أو الزوجات أو الحسابات المصرفية.. إلخ، هي مستقلة تمامًا عن شبكة العلاقات، هو في الواقع وهم مفاهيمي، هذا باختصار هو الفكرة البوذية عن الخواء. إن فكرة الخواء تشمل أيضًا النفس، فالنفس خاوية من حيث أنها تُحدَّد حصريًّا بعلاقاتها، وليس بالجوهر الأساسي، وتلك فكرة اللاذات (No-self). 

تؤكد فكرة الاعتماد المتبادل على الجانب المجتمعي للحياة البشرية، وينبغي لهذه الفكرة أن تكون الأساس الميتافيزيقي للفلسفة الماركسية. إن الفكرة الماركسية للنفس تُعرّف بعلاقاتها البيولوجية والنفسية والاقتصادية مع الآخرين، ونقصد هنا كل الآخرين في عالم الكائنات الحية والأشياء الجامدة. وهذا بدوره يخلق اعتمادًا متبادلاً شاملًا أو "تعايشًا متبادلاً" (interbeing) كما أطلق عليه الراهب البوذي "ثيت نات هانه" في الستينيات. 

يرى البوذيون أن إدراك فكرة التعايش المتبادل والخواء (وهما وجهان لعملة واحدة) يولّد عاطفة، ولو كان صحيحًا أنني مرتبط بالأشخاص الموجودين حولي، فإنني سأحجم عن إيذائهم، وإلا فإنني سوف أؤذي نفسي نتيجة لأفعالي. تشوِّش الرأسمالية على هذا الاعتماد المتبادل عبر تبنّي نهج فردي أسطوري متهور، لكن الاعتماد المتبادل يعدّ فكرة شائعة في الفكر الماركسي. لهذا، فإن الميتافيزيقيا البوذية المتعلقة بالخواء ينبغي أن تكون أساسًا للفكر الماركسي. فالهدف هو "تحرر المجتمع من المعاناة"، كما يقول الدالاي لاما.

إن وجود مجتمع قائم على فكرة العطف البوذية، سيجعل من تطبيق الماركسية أمرًا ممكنًا. في الواقع، هناك بالفعل العديد من المحاولات لتسييس البوذية. إن ما يطلق عليه الراهب "ثيت نات هان" اسم البوذية الفاعلة هو مثال على ذلك، وهناك مثال آخر وهو "أوشياما غودو" (1874-1911)، ذلك الراهب من طائفة "سوتو زين" البوذية، والذي روّج للحركات الاشتراكية في عصر "الميجي". ربما كان "غيرو سينو" (1890-1961) أبرز البوذيين الماركسيين، وهو بوذي ياباني تابع لطائفة "النيشرين"، وقد ناصر في الثلاثينيات حركة إعادة إحياء البوذية، والتي كانت خليطًا من الأفكار الاقتصادية الماركسية ومدرسة "الأرض الطاهرة" في الديانة البوذية. حتي أنه نُقل عن "سينو" قوله إن "النظام الرأسمالي يولّد المعاناة، وبالتالي يخالف روح البوذية". 

دعونا نُطلق على النظام الاجتماعي الاقتصادي الماركسي القائم على الميتافيزيقيا البوذية اسم "الماركسية الرحيمة". إن تركيز الماركسية الرحيمة يجب أن ينصبّ على ما يعرف بـ "أهيسما"، أو اللاعنف؛ حينها فقط يمكن أن تكون الماركسية محصّنة من التسلط والطغيان، وبذلك لن تكون عُرضة لتكرار تاريخها. سواء ذكر ماركس بأن الثورة هي بالضرورة عنيفة، أو لو كانت هناك إمكانية لتحوّل سلمي، هو مسألة طال النقاش فيها. لكن في الفترة بين 1844-1849، قال ماركس إن الثورة العنيفة ضرورية بالفعل؛ نظرًا للبنية الصارمة للنظام البرجوازي.

إن جدوى المشروع الماركسي مبنية على الطبيعة الجماعية الخيرية للبشر، وقد يجادل البعض بأن الفكرة القائلة بأنه بمجرد تحقيق البشرية للترابط فيما بينها، فإنها ستبتعد عن الوحشية وتتجه نحو التراحم، هي مجرد فكرة قائمة على التمنّي، وهذا اعتراض مبرر. وقد اعتبر الفيلسوف الألماني الذي عاش في القرن الثامن عشر "إيمانويل كانت" أن الوحشية والكراهية هما خطأ كل فرد، وأنهما مترسختان في طبيعة الوجود البشري، ولا شك أن هذا التفكير شائع اليوم وتدعمه دراسات في علم النفس الإكلينيكي. لكن بالنسبة لماركس، فإن الظروف الاجتماعية الاقتصادية هي المسؤولة عن الوحشية والكراهية والجريمة. فالبشر، من وجهة نظره، خيّرون ورحيمون بطبيعتهم.. فرأي مَن الأصوب؟ 

من المرجّح أن ماركس وقع فريسة لما يُعرف بـ "وهم جسد السبّاح": السبّاحة لديها جسد مثالي ليس بسبب أنها سبّاحة، هي سبّاحة لأنها تمتلك الجسد المثالي للسباحة. بالمثل، فإن البشرية ليست شريرة لأن النظام الاقتصادي شرير، فالنظام الاقتصادي شرير لأن البشرية شريرة. في النهاية، نحن العناصر الأساسية للاقتصاد والتجارة. إن الاقتصاد يعتمد علينا وليس العكس، ويشير التاريخ إلى أن المشاريع الجماعية المشتركة - مثل مجتمع North) American Phalanx) الطوباوي الاشتراكي العلماني الذي تأسس في نيوجيرسي عام 1840- هي عرضة للكراهية وعدم الثقة والرشوة والفساد، وعلى سبيل المثال، في نهاية الستينيات والسبعينيات، أشارت تجربة "ميلرغام" وتجربة سجن "ستانفورد" إلى أننا نعيش تحت طغيان الرأسمالية، إما لأننا كائنات استبدادية بطبيعتنا، أو لأننا ببساطة مطيعون؛ فالنظام الرأسمالي مناسب لنا. وتشير كل الدلائل إلى أنه ليس لدينا القدرة على امتلاك عاطفة خيّرة عامة، غير ملوثة بالميل نحو الشر والكراهية والمنافسة، كما أنه لا يمكننا جميعًا العيش كرهبان، حتى لو كان هذا يضمن أن يقوم المجتمع برعاية حاجاتنا المادية الأساسية. 

لكن هل يمكننا أن نكون استبداديين ومرتبطين بعلاقات متبادلة؟ يمكن للممارسات البوذية أن تساعدنا في التغلب على الجوانب الشريرة لطبيعتنا، وتعزيز الجانب الرحيم داخلنا. كما يمكن للنظام الاجتماعي الاقتصادي للماركسية الرحيمة أن يكون أرضًا خصبة للتراحم، ويمكن أن يكون التراحم محركًا لنظام اجتماعي اقتصادي به قدر قليل من المعاناة. 

إن العمل على ترويض الوحش بداخلنا سيُفيد الذين يعانون من الرأسمالية، أي كل الناس، وفقًا لماركس وبوذا، في حين تكمن مشكلة النشطاء اليساريين في أنهم يعتقدون أن النظام الاجتماعي الاقتصادي وحده هو المسؤول عن الشر (وتلك مشكلة ماركس أيضًا) من دون أن يفهموا كيفية عمل هذه العوامل داخلنا. يقول الدالاي لاما إن "التغيير الاجتماعي يتطلب تغييرًا داخليًّا والتخلص من الأنانية". المسألة ليست مَن نحن؛ لأننا من وجهة نظري كائنات شريرة. السؤال هو ماذا نريد أن نكون؟    




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية aeon

اضف تعليق