Psychology Today | دعم غير مقصود..كيف تسهم سلوكيات الاستجابة للصدمة في مساعدة التنظيمات الإرهابية؟


٠٨ أغسطس ٢٠١٩ - ٠٩:٥٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس



يتملَّك كثير من الناس خوف قاتل من الهجمات الإرهابية. وهذه بلا شك طبيعة إنسانية، ولكن قبل أن ننتقل إلى الاستنتاجات القائلة بأن الحياة كما نعرفها قد تغيرت إلى الأبد، يجب أن نحاول النظر إلى هذه الأحداث بطريقة أكثر عقلانية. وهذا لا يقلل بالطبع من رعب هذه الهجمات أو الخسارة الفادحة في أرواح الأبرياء، فليس هناك ما يبرر هذا الإرهاب، غير أننا جميعًا نحتاج إلى الوقوف والتفكير في كيفية التعامل نفسيًّا مع هذه الأحداث الأخيرة؛ لأنني أعتقد أننا سنواجه المزيد من الأحداث في المستقبل؛ ولذلك يجب أن نكون مستعدين في أذهاننا لفهم كل ما يتعلق بهذا الموضوع.

ربما يكون لدى بعض الأشخاص الذين يشاهدون هذه الأحداث على شاشات التلفزيون مخاوف مفرطة من هجمات مستقبلية، ربما تراودهم كوابيس، ربما يجفلون فجأة دون سبب واضح، وربما يخافون من أناس "يبدو أنهم مسلمون"، ذلك لأن جزءًا من هدف الإرهاب هو غرس الخوف في هؤلاء الناس الذين يشاهدونه أو يسمعونه، والإرهاب سلاح سياسي ونفسي أكثر منه استراتيجية عسكرية حقيقية لتحقيق إخضاع "العدو" وهزيمته.

كيف نفكر في المخاطر؟
من المحتمل أن يشعر الأشخاص، الذين شهدوا الحدث والذين كانوا بالقرب من خط النار، بالصدمة. وخلال الشهر التالي، لن يشعر الكثير من هؤلاء الأشخاص بصدمات نفسية، وسيبدأون في الشعور بأن الحياة قد عادت إلى طبيعتها. قد تعكس "استجابة ما بعد الصدمة" الأولية ما يسمى "اضطراب الإجهاد الحاد"، ولكن معظم هؤلاء الأشخاص سيجدون أنَّ قلقهم قد تراجع خلال الشهر أو الشهرين التاليين. ولا يمكن تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة إلا بعد شهر من حدوث صدمة، وأفضل ما يفعله الأشخاص الذين تعرضوا لحدث صادم، هو الانخراط التدريجي حتى تعود حياتهم لطبيعتها قدر الإمكان، والعودة لما كانوا يفعلونه قبل الحدث، وذلك يتضمن السفر والذهاب إلى الأماكن التي قد تُشعرهم بالقلق، ومحاولة جعل حياتهم طبيعية قدر الإمكان. ولكن هناك خطر متزايد إذا لجأ هؤلاء الأشخاص إلى الكحول أو المخدرات للتغلب على قلقهم، فالناس في الواقع لديهم القدرة على التكيف، غير أن أغلبهم تقريبًا يرتد مرة أخرى. 

أعيش وأعمل في مدينة نيويورك، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان الكثير من الناس يخشون من وقوع هجوم مدمر آخر. ومع ذلك، فجميع من أعرفهم تقريبًا، تراجعت هذه المخاوف لديهم خلال الأشهر التالية، فكلما زاد تطبيع حياتك، شعرت بحياة بأكثر طبيعية، وكلما تجنبت المواقف التي تجعلك تشعر بالقلق، طالت مدة بقائك.

علينا أن نفهم أن الهدف من الإرهاب هو تخويف الناس وجعلنا جميعًا نعتقد أننا في خطر وشيك، ولكننا لسنا كذلك، فاحتمالية أن تموت من سرطان الجلد أكثر من موتك بسبب عمل إرهابي، سواء كنت تعيش في الولايات المتحدة أو فرنسا أو إيطاليا . الرد العقلاني هو تقدير احتمال وقوعك ضحية للإرهاب.

المشكلة هي أن الناس يميلون إلى المبالغة في تقدير مخاطرهم على أساس عدة عوامل غير عقلانية، وهي:
أولاً: نميل إلى الاعتقاد بأن شيئًا ما سيكون أكثر خطورة إذا حدث أمر خطير في فترة قريبة جدًا. هذا صحيح بعد أعمال الإرهاب أو حوادث الطائرات أو "أزمة الإيبولا". تؤدي حداثة الحدث إلى زيادة الخوف من تكرار الحدث.

ثانياً: نميل إلى المبالغة في تقدير المخاطر إذا كان الحدث دراماتيكيًا، لا سيما إذا رأينا صورًا على الأخبار على مدار 24 ساعة في اليوم. لا نرى صورًا عن أخبار سرطان الجلد أو سرطان الثدي أو أمراض القلب أو حوادث السيارات أو آثار السمنة أو إدمان الكحول، رغم أن هذه الأمراض أكثر خطورة وتقتل المزيد من الناس.

ثالثًا: لا نشاهد شيئًا في الأخبار "سوى الحوادث". فعلى سبيل المثال، لا نرى أشخاصًا يقومون بأعمالهم العادية، ويصلون بأمان، ويذهبون إلى المتاجر، ويقومون بأشياء يقومون بها دائمًا. هذه "الأحداث العادية"، والتي تشكّل "حقيقة" لا تتصدر نشرات الأخبار؛ ذلك لأن هذه أحداث مألوفة. ولكن تلك هي الطريقة التي يجب عليك تقييم المخاطر بها، كم عدد مَن لم يتعرضوا للهجوم في أوروبا أو أمريكا؟ 600 مليون.

رابعًا: نحن نبالغ في تقدير المخاطر إذا كان سببها غير مرئي. لذا، وعلى سبيل المثال، هناك تقدير متزايد للمخاطر؛ لأننا نعتقد أننا لا يمكننا رؤية الإرهابيين وهم متجهون نحونا، تمامًا كما كان هناك تقدير متزايد للمخاطر المتعلقة بالإيبولا، والذي يبدو أنه أيضًا يمثل تهديدًا غير مرئي.

خامساً: نبالغ في تقدير المخاطر إذا اعتبرنا الجناة أشرارًا خبثاء، لذلك نرى الإرهابيين يكرهوننا ويحاولون قتلنا، لكن النية الخبيثة لا تؤثر على الاحتمالات الفعلية للموت من هذا الفعل. السرطان وأمراض القلب ليس لديها نوايا خبيثة، لكنها أكثر فتكًا.

سادسًا: نميل إلى المبالغة في تقدير المخاطر عندما يبدو الخطر غير مؤكد. لكننا نعيش مع "حالات عدم اليقين المقبولة" يوميًّا، بما في ذلك القيادة إلى العمل، وتناول الطعام في المطاعم، وعبور الشارع، والجلوس بجوار شخص يعطس. العقل القلِق يساوي عدم اليقين مع الخطر، وهذا غير منطقي.

الطريقة العقلانية لتقدير المخاطر هي النظر في النسبة المئوية للسكان الذين يموتون بالفعل. ووجهة نظري هي أن المخاطر في الواقع منخفضة للغاية، لكننا مرعوبون من كوننا هدفًا لهجومٍ ما.

ما هي أهداف الإرهاب؟
الطريقة التي يعمل بها الإرهاب هي تخويف الجميع من كونهم هدفًا. فعندما نكون قلقين، ربما نقول: "نعم، أعلم أن الخطر واحد من كل مليون شخص، لكن ماذا لو كنت أنا هذا الواحد؟" أعتقد أن هذه هي الطبيعة البشرية التي تقلق من أن تكون أنت هذا الشخص، ولكن النهج العقلاني هو النظر في الاحتمال، وهو منخفض جدًا.

ومع أن هذا الهجوم الأخير كان مروعًا وغير مبرر، إلا أنه لم يكن يمثل تهديدًا وجوديًّا لفرنسا أو أوروبا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية. فالإرهاب هو السلاح النفسي لمن لا يملكون أسلحة أكثر فتكًا، وإذا كان لدى الإرهابيين أسلحة أكثر فتكًا، لكانوا قد استخدموها. فأنت لا تربح الحرب بقتل 16 شخصًا؛ ما يجعل أمة بأكملها وكثير من العالم يصطفُّون ضدك.

وتتمثل استراتيجية داعش في جعل التنظيم ملائمًا وقويًّا؛ فهناك أكثر من 300 مليون شخص في الاتحاد الأوروبي، و300 مليون شخص في الولايات المتحدة، ولا يوجد لدى أي منا تقريبًا أي شيء يخشاه. لقد رأينا السياسات الفاشلة للإرهابيين على مدار عشرات السنين، بما في ذلك الجيش الجمهوري الأيرلندي، والكتائب الحمراء، وبادر ماينهوف، الطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي، والفهود السود، لقد كانوا إرهابيين لأنهم يفتقرون إلى الأفكار والسياسات التي يرغب العالم في تبنيها، لقد كانوا إرهابيين وليسوا ممثلين ديمقراطيين؛ لأن ما يمثلونه كان شيئًا لا يريده أحد تقريبًا. فأنت إذا تمكنت من الفوز في الانتخابات، فلن تشارك في الإرهاب.

ومن خلال تخويف الناس، وتصدر نشرات الأخبار، وإثارة الشكوك والمخاوف، وضرب أهداف رمزية، يغيِّر الإرهابيون الرواية مؤقتًا، فهم يصبحون أقوياء، ومهمين، ويأخذهم الجميع على محمل الجد. لكنهم لا يمثلون تهديدًا وجوديًّا. لن يتم "غزو" فرنسا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة عبر تنفيذ هذه الأعمال، لكن للحظة وفي الوقت المناسب، تضع هذه الأعمال مجموعة صغيرة من المتطرفين المتحمسين على نفس مستوى الدول القومية، وعندها يحدث "التعادل" اللحظي.

هدف آخر للإرهابيين هو خدمة وظيفة التعبير عن المظالم التي يتقاسمها الكثيرون. سواءً كانت المخاوف المتكررة بشأن السياسات في العراق أو أفغانستان أو إسرائيل أو دعم الأنظمة يستخف بها الكثيرون، عندها يصبح الإرهابيون صوتًا للاحتجاج؛ وهو ما يعطيهم بعض الشعبية، لكن أعمال الإرهاب ذاتها تقوض شرعيتها.

وهناك هدف إضافي للإرهاب وهو تجنيد إرهابيين جدد؛ ففي مكان ما في الولايات المتحدة أو فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا، سيقول فرد محبط وبائس: "يمكنني أن أفعل شيئًا ما". هذا أحد الأهداف الرئيسية: التوظيف. من المحتمل أن يكون هؤلاء الشباب يعتقدون أنه من البطولي الانضمام إلى "قضية" على الرغم من احتمال تعرضهم للقتل في رمال الصحراء ونسيانهم إلى الأبد. سينضمون للأسف إلى رابطة القضايا الخاسرة.

نصيحتي هي إدراك أن المخاطر منخفضة للغاية، ولهذا السبب يحب الإرهابيون أن يكونوا في صدارة الأخبار. أشك فيما إذا كانت الرسائل البدائية والكراهية التي يبثها تنظيم داعش ستنتصر في النهاية في معركة الأفكار. فالإرهاب تكتيك سياسي ونفسي، لكن الصورة الأكبر هي الفوز في المعركة من أجل أفكار حول كيفية عمل المجتمع. إذا أردنا الفوز في هذه المعركة، نحتاج إلى إثبات أن هناك قيمة في الحرية، والمؤسسات الديمقراطية، والتعبير الحر والسلمي عن الأفكار، وحقوق المرأة، وكرامة كل شخص مثلي الجنس في العيش كما يود أن يعيش، وقوة الحقيقة العقلانية. هذا ما يخشاه الإرهابيون، فهم من ينقادون وراء خوفهم. إنهم يعلمون أن هناك جاذبية واسعة في جميع أنحاء العالم من أجل الحرية الفردية، والتحرر من الاضطهاد الديني، والسعي إلى أسلوب حياة أفضل.

وفي النهاية؛ ما قد نعتبره الصورة الأكبر هي المعركة بين الرؤية التي تم التعبير عنها لأول مرة في عصر التنوير ورؤية الظلام التي نرغب جميعًا في تجاوزها. إنني أراهن على التنوير.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق