ناشيونال إنترست | البديل الأكثر تنظيماً.. تعرف على قدرات حركة مجاهدي خلق الإيرانية المُعارضة


٠٨ يوليه ٢٠١٩ - ٠٥:٢٨ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



بالنسبة إلى مؤيديها, إنها البديل الأكثر تنظيمًا وانضباطًا للنظام الديني الحالي في طهران, والوحيد القادر فعلًا على إقامة نظام علماني وديمقراطي هناك. وبالنسبة إلى معارضيها, فإنها تمثل عنصرًا ثانويًّا يروّج لرؤية غير شعبية وغير قابلة للتطبيق لمستقبل إيران.

حتى بالمعايير العنيدة لسياسة المعارضة الإيرانية, "مجاهدي خلق" كيان مثير للجدل،  كيان كثيرًا ما يُساء فهمه من صُنّاع السياسة الأمريكيين ويُشيطنه منافسوه، غير أنه جزء مهم من أي حوار جاد عن مستقبل إيران, مثل ذلك الذي يحدث الآن في العاصمة واشنطن، حيث تسيطر بجدية حملة "الضغط الأقصى" التي تمارسها إدارة ترامب على الجمهورية الإسلامية. 

مَن هم مجاهدو خلق بالتحديد؟   
حركة مجاهدي خلق, التي تأسست في منتصف الستينيات كحركة "عدالة اجتماعية," شرعت في بداية السبعينيات في حملة واسعة النطاق ضد ما اعتبرته حكمًا استبداديًّا وفاسدًا بصورة متزايدة للشاه محمد رضا بهلوي. توازت أنشطتها (من نشر المقالات السياسية النقدية إلى المؤامرات إلى تخريب الأهداف الحكومية) مع أنشطة القوى الإسلاموية التي كانت متكتلة حينها حول آية الله الخميني. وشهد التقارب التكتيكي الناتج دورًا كبيرًا لمجاهدي خلق في تضخيم الصخب السياسي الذي أدى في النهاية إلى عزل الشاه عن السلطة.

بيد أن التعايش أثبت أنه قصير الأجل؛ فانقلب الخميني على رفقاء السلاح, حيث شن حملة قمعية مشددة على أعضاء الجماعة ومؤيديها, كجزء من تعزيزه للسلطة بعد الثورة. وسمى المرشد الأعلى المُعيّن حديثًا وأتباعه حركة مجاهدي خلق – التي لم تؤيد الإملاءات الدينية المتشددة للحكم الديني – بالمتطرفين أيديولوجيًّا و"الكفار," وهمّشهم في الجمهورية الإسلامية الوليدة.

وشهدت الفترة اللاحقة قمعًا واسع الانتشار لمجاهدي خلق من الموالين للخميني, حملة ممتدة لسنوات من العنف والتي بلغت أوجها بمجزرة النظام عام 1988 لحوالي ثلاثين ألف سجين سياسي. وفي ظل عدم وجود مسار سياسي واضح, هرب قادة الجماعة إلى باريس ثم إلى العراق, حيث لقوا ترحيبًا من نظام صدام حسين, الذي كان مشتبكًا حينها في حرب دموية استمرت لثمانية أعوام مع الجمهورية الإسلامية. 

في المنفى, خضعت حركة مجاهدي خلق لنوع من التطور السياسي, حيث شكلّت منظمة شاملة تُعرف بالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، لكنها واصلت أيضًا أنشطتها المناهضة للنظام داخل إيران, حيث ظهرت في صورة الخصم الأكثر قدرة وقوة للنظام الديني، "العدو الأول" لآيات الله في إيران.

وفي أواخر التسعينيات, باتت حركة مجاهدي خلق لاعبًا أساسيّا في السياسة الأمريكية تجاه إيران عندما أدرجتها إدارة كلينتون كتنظيم إرهابي أجنبي بموجب القانون الأمريكي – مستشهدةً بدور الحركة في موت عدة أمريكيين في السبعينيات. وشككت "مجاهدي خلق" في التُهمة بقوة وأصروا على أن إدراجهم على القائمة السوداء كان مدعومًا بجهود البيت الأبيض تحت حكم كلينتون لإشراك النظام الإيراني ورئيسه "المعتدل" الجديد, محمد خاتمي. لكن الإدراج ووصمة العار المرتبطة به أثبتا استمراريتهما؛ واستغرق الأمر أكثر من عقد لكي تلغي وزارة الخارجية التصنيف لأنها كانت عاجزة عن تقديم الإثبات لمحكمة فيدرالية على أنه ينبغي الاستمرار في تصنيف الجماعة كجماعة متطرفة. 

وطوال تلك الفترة, ومنذ ذلك الحين, عملت حركة مجاهدي خلق بإصرار لكي تغير التصورات العامة عن طبيعتها وأنشطتها. كانت حملة التوعية الخاصة بالحركة ناجحة على نطاق واسع, حيث حصلت على تأييد نجوم الجناحين السياسيين في الولايات المتحدة وفي غرفتي الكونجرس الأمريكي. وبشكل ملحوظ, دعم المطلعون في إدارة ترامب، مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون ورودي جيولياني, المحامي الشخصي للرئيس, علنًا مجاهدي خلق، مساهمين في التصور العام بأنها تمثل الآن البديل المفضل لترامب إذا سقط النظام الحالي في طهران.

غير أن حركة مجاهدي خلق مهمة لسبب آخر أيضًا هو: دورها الجوهري في فضح أنشطة إيران العالمية الخبيثة. ففي أوائل العقد الأول من الألفية الثانية, قدمت الحركة للعالم أول لمحة حقيقية عن الجهود النووية للنظام التي كانت سرية حينها, مشعلة جهدًا يقارب العقدين من أمريكا وحلفائها لمنع إيران من التسلح النووي. ومنذ ذلك الحين, استمرت الحركة في تقديم نظرة توضيحية للمجتمع الدولي عن الأعمال الداخلية للجمهورية الإسلامية, من الإمبراطورية المالية الممتدة للحرس الثوري الإيراني، إلى القدرات السيبرانية المتنامية للنظام. 

وفي حين أن مصدر هذه الإفشاءات هو موضع بعض الجدل, فإن قيمتها ودقتها الكلية ليست كذلك. ويعترف المسئولون الأمريكيون بشكل عام بأن حركة مجاهدي خلق قدمت مساهمة كبرى في فهمنا للتهديد المعاصر الذي تشكله الجمهورية الإسلامية.  وتجادل الحركة بأن القضاء على ذلك التهديد يتطلب تغيير النظام في طهران، وفي حين أن الكثير من نشطاء المعارضة يناصرون "العصيان المدني" لتحقيق هذا الهدف, غير أن مجاهدي خلق مقتنعة بأن النظام الإيراني أكثر وحشية وتحصينًا وانهماكًا في الحفاظ على قبضته على السلطة من أن يُعزل بطرق سلمية فقط. وقد يكون البديل هو المعارضة المسلحة, وهنا تحظى حركة مجاهدي خلق بميزة واضحة في حالة أصبح هذا الإجراء ضروريًّا؛ بسبب الهيكل العسكري السابق وانضباط كوادرها وبفضل نجاحاتها السابقة ضد النظام. 

لكن ماذا بعد؟ كيف يمكن أن تدير حركة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إيران في حالة حدوث تغيير للنظام؟
يُلقّب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية نفسه بـ"حكومة المنفى"، ولديه خطة مدروسة للحكم المؤقت في "فترة انتقالية" من عام ونصف عقب سقوط النظام الحالي في إيران. وسوف تترأس مريم رجوي, القائد السياسي والوجه العام الحالي للتنظيم, هذا الترتيب كرئيسة منتخبة. وتلك الصيغة أثارت غضب عناصر المعارضة الإيرانية الأخرى, الذين يجادلون بأن حركة مجاهدي خلق تنوي تنصيب نفسها بصورة أحادية مكان آيات الله في إيران. 

وتؤكد الحركة على شيء مختلف تمامًا. في 2002, دعا المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إلى تشكيل جبهة تضامن وطنية ضد النظام الإيراني، وأعلن أنه "مستعد للتعاون مع القوى السياسية الأخرى" بشرط أن تسعى لشكل جمهوري من الحكم وتلتزم برفض الثيوقراطية الإيرانية الحالية، فبرنامج المجلس الوطني  المعاصر, الذي وضعته رجوي لأول مرة منذ عقد تقريبًا وأعلنه ممثلوها, يرتكز على عشرة مفاهيم أساسية:

أولًا: انتخابات تقوم على مبدأ التصويت العمومي.
ثانيًا: نظام سياسي تعددي بحرية التجمع, وحرية التعبير واحترام حريات الأفراد.
ثالثًا: إلغاء عقوبة الإعدام.
رابعًا: فصل الدين عن الدولة وحظر التمييز الديني.
خامسًا: المساواة الكاملة بين الجنسين للمرأة.
سادسًا: تحديث نظام العدالة الإيراني, وإلغاء العمل بالشريعة, وإجراء إصلاحات توفر مجموعة كبيرة من الحمايات القانونية الحديثة.
سابعًا: الالتزام بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية الأخرى التي تكرس الحمايات للسكان, والالتزام بالمساواة بين جميع الجنسيات (خاصة الحكم الذاتي لكردستان الإيرانية). 
ثامنًا: حماية الملكية الخاصة, والاستثمار والتوظيف, ودعم اقتصاد السوق.
تاسعًا: سياسة خارجية قائمة على مبدأ "التعايش السلمي" مع البلدان الأخرى.
عاشرًا: رفض التطوير النووي وامتلاك أسلحة دمار شامل.

ونظريًّا, ينبغي أن تخدم هذه الأفكار لكي تقرّب المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية/مجاهدي خلق أكثر إلى الحوار الرئيسي لعناصر المعارضة الإيرانية الأخرى، إلا أن تلك الفصائل تبقى مرتابة بشدة في المنظمة, مستشهدةً بطبيعتها المنعزلة الإقصائية وزاعمة أنها ينقصها الدعم في "الشارع" الإيراني, من ضمن أمور أخرى.

من جانبها, ترفض حركة مجاهدي خلق ذلك التأكيد, قائلة إن سجلها الطويل من "المقاومة" لم يكن سيصبح ممكنًا دون الدعم المحلي المكثف. إن إعلان وزارة الاستخبارات الإيرانية هذا الربيع عن القبض على المئات من نشطاء مجاهدي خلق, وإقرار كبار المسئولين الإيرانيين بشكل متكرر وجود دور للحركة في الانتفاضات على مدار العام ونصف الماضيين, يمنحان بعض المصداقية لذلك الادّعاء. علاوة على ذلك, تلك المقاومة تأتي بوضوح بثمن باهظ جدًا، وبحسب مسئولي مجاهدي خلق, من المقدر أن حوالي 120 ألفًا من أعضاء ومؤيدي الجماعة قد ماتوا على يد النظام الإيراني منذ 1979.

لكن حركة مجاهدي خلق لا تسعى لتقارب شامل مع الشتات الإيراني، بل تتجه لرؤية عناصر المعارضة الأخرى كنقّاد للنظام أكثر من كونهم بدائل صالحة له. وببساطة شديدة, تعتقد حركة مجاهدي خلق أنها بعد أربعين عامًا من المقاومة النشطة لديها "استثمار" أكبر من أي شخصية أو فصيل آخر في الصراع ضد الجمهورية الإسلامية. 

إن أعضاءها ومؤيديها مقتنعون أيضًا بأنهم الوحيدون الذين يمتلكون تنظيمًا ورؤية وانضباطًا تمكّنهم من الاستمرار في الصراع ضد آيات الله في إيران.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق