أستاذ صراع عالمي يشرح: لماذا لن تنتهي الحرب الروسية الأوكرانية قريبًا؟

على مدار القرنين الماضيين.. دامت معظم الحروب من 3 إلى 4 أشهر فقط، فماذا عن الحرب الروسية الأوكرانية؟


دخلت الحرب الروسية الأوكرانية شهرها العاشر، من دون بادرة أمل تنبئ بنهاية وشيكة، وسط توقعات باستمرارها لأشهر، وربما سنوات.

وعندما شنت روسيا ما تسميه “عملية عسكرية خاصة” بأوكرانيا، في فبراير 2022، لم يتوقع سوى بعض المراقبين أن تستمر حتى اليوم، حسبما قال أستاذ دراسات الصراع العالمي بكلية هاريس للسياسات العامة بجامعة شيكاغو، كريستوفر بلاتمان.

حرب طويلة

في مقال مطول نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، يوم الثلاثاء 29 نوفمبر 2022، عزا بلاتمان استمرار الحرب على نحو غير متوقع إلى أن الروس لم يأخذوا في الحسبان المقاومة الأوكرانية الشديدة، أو الدعم الهائل، الذي تلقته ولا تزال، أوكرانيا من أوروبا والولايات المتحدة، أو أوجه القصور في الجيش الروسي.

وتابع الاقتصادي الكندي، في مقاله: “الآن بعد 9 أشهر من المكاسب والخسائر للأراضي، يتخندق كلا الجانبين في مواقف دفاعية، استعدادًا لحرب طويلة، قد تستمر لأشهر، إن لم يكن سنوات، بحسب ما يرى خبراء كثر في النزاعات الدولية”.

الخيار الأسوأ

بحسب بلاتمان، فإن النزاعات عادة ما تكون قصيرة الأمد، في حين دامت معظم الحروب على مدار القرنين الماضيين من 3 إلى 4 أشهر فقط، انطلاقًا من حقيقة أن “الحرب الخيار الأسوأ لتسوية أي خلافات سياسية”. وأضاف: “عندما تتضح تكاليف القتال، يبحث الخصوم عادة عن تسوية”.

لكنه لفت إلى وجود 3 أسباب استراتيجية قد تدفع نحو إطالة أمد الحرب، أولها اعتقاد القادة أن الهزيمة تهدد بقاءهم، وثانيها إغفال مواطن قوتهم وقوة خصمهم، وأخيرًا التخوف من تنامي قوة الخصم مستقبلًا. وأضاف: “في أوكرانيا، كل هذه الديناميكيات تجعل الحرب مستعرة”.

تجذر أيديولوجي

بيد أن هذه الأسباب لا تفسر سوى جزء بسيط من القصة، وفق الكاتي، الذي أشار إلى أن الحرب متجذرة أيديولوجيًا لدى كلا الطرفين. من جهة، ينكر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الهوية الأوكرانية. ويتحدث مطلعون عن حكومة روسية مشوهة، معلوماتها مضللة، ومتعصبة في التزامها بالاستيلاء على الأراضي.

ومن جهة أخرى، تتشبث أوكرانيا بمثلها العليا، في وقت أبدى فيه قادتها وشعبها عدم استعدادهم للتفريط في حرية بلادهم أو سيادتها “للعدوان الروسي” مهما كان الثمن. ومن ثم، فإن كلا الجانبين يخوضان الحرب دفاعًا عن مبادئهما، لا استنادًا إلى ما يعرف بـ”السياسة الواقعية”، وفق المقال.

فكرة بغيضة

من هذا المنطلق، يجادل الكاتب بأن المعتقدات الأيديولوجية تقف وراء إطالة أمد حروب عديدة، وتُحيل التنازلات إلى فكرة بغيضة، في تعنت يكمن وراء عديد من حروب الغرب في القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، عندما ظنت واشنطن أنها تدافع عن مبادئ وقيم راسخة، ما جعل السلام بعيد المنال.

وعلى المنوال ذاته، فإن الحرب الروسية الأوكرانية تمثل أحدث مثال على أن القتال يتجدد، ليس فقط بسبب معوقات استراتيجية، بل أيضًا لأن الجانبين ينظران إلى التسوية السياسية على اعتبارها فكرة بغيضة.

أوكرانيا 1

اعتبارات محسوبة

ربط بلاتمان، في مقاله، استمرار بعض الحروب بفكرة خاطئة مفادها أن “تحقيق المكاسب مرهون بالقتال لا الدبلوماسية”، مشيرًا إلى اعتبارات تحفّز عادةً إطالة أمد الحرب، منها أن الحكام الذين يخشون زوال السلطة يفضلون البقاء في ساحة المعركة.

وعليه، إذا ظن بوتين أن الهزيمة على يد أوكرانيا من شأنها أن تطيح بنظامه، من المرجح أن يواصل القتال مهما كانت عواقبه على الروس. ومن الاعتبارات الأخرى، بحسب المقال، عدم اليقين الذي قد يكتنف الحرب، حينما يتملك الجانبان غموضًا بشأن مواطن قوتهما أو يستخفان بعواقب الصراع.

التزام صعب

في حالات كثيرة، يتبدد هذا الغموض بعد بضعة أشهر من المعركة، بما قد يمهد الطريق أمام الخصمين لتسوية تنهي الحرب. أخيرًا، ينقل المقال عن علماء سياسة ومؤرخون أن أطراف الحروب الطويلة يواجهون صعوبة في الالتزام، بموثوقية، باتفاقيات سلام، أخذًا في الاعتبار التحولات المتوقعة في ميزان القوى.

ويطلق على هذه الحالة “فخ ثوسيديديس” أو “الحرب الوقائية”، التي يشن خلالها أحد الجانبين هجومًا للحيلولة دون تغيير موازين القوى. واستشهد المقال، في هذا الصدد، بجهود ألمانيا لمنع روسيا من الصعود في العام 1914، وكذلك رغبة الولايات المتحدة في عدم تحول العراق إلى قوة نووية عام 2003.

لا صفقة وشيكة

استنادًا إلى ذلك، يرى المقال أن طرفي الحرب الروسية الأوكرانية يواجهان صعوبة في الالتزام بتسوية تنهي القتال، معللًا ذلك بأن أي دعوة أوروبية أو أمريكية لأوكرانيا بالتفاوض مع روسيا، يقابلها رد أوكراني بأن “بوتين لا يمكنه الالتزام باتفاق سياسي”، وتحذير من معاودة موسكو تنظيم صفوفها لتجديد الهجوم على كييف.

ومع ذلك، فإن مشكلات الالتزام التقليدية لدى روسيا أو أوكرانيا، لا تنبع من حسابات استراتيجية أو اعتبارات تتعلق بموازين القوى، مع وجود قوى غير مادية تجعل الاتفاق صعبًا، ولهذا استبعد بلاتمان إبرام صفقة وشيكة، “لأن كلا الجانبين يفضل القتال على التنازل”.

تعنت معهود

التعنت الأوكراني تجاه أي مقترح للتسوية ليس غريبًا، وتكرر على مر التاريخ في دول متفرقة، لأسباب عديدة، أبرزها السخط والرغبة في الدفاع عن مبادئ راسخة. مع ذلك، أشار المقال إلى أن الوضع في أوكرانيا لم يبلغ النقطة التي يمكن فيها للأوكرانيين قبول تسوية.

وفي الآونة الأخيرة، حث واقعيون مثل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، أوكرانيا على التغلب على حواجزها الأيديولوجية، والتقايض بشأن درجة من السيادة نظير السلام. لكن الأمر لا يزال يتعلق بكلفة التنازلات، التي قد يتعين على كييف تقديمها، وصولًا إلى تسوية.

ربما يعجبك أيضا

العربية English