ألكسندر دوما.. أكثر الناس سخاءً وطموحًا في العالم

تعرّف الكاتب المسرحي الإنجليزي واتس فيليبس على الكاتب الفرنسي ألكسندر دوما في أواخر حياته، فوصفه قائلا: “هو أكثر الناس سخاءً وطموحاً في العالم، وكان أيضاً أكثر الناس تسليةً وزهواً بالنفس على وجه الأرض. مثل لسانه كمثل طاحونة هوائية لا تعرف متى تتوقف ما أن يتم إطلاقها، خاصة إذا كان الموضوع عن نفسه”.

يعتبر ألكسندر دوما (الأب)، أحد أكثر الكتاب الفرنسيين شهرة على الإطلاق، فقد تُرجمت أعماله إلى ما يقرب من 100 لغة، تم تمثيل رواياته منذ أوائل القرن العشرين فيما يقارب الــ 200 فيلم.

قدم “دوما” الكثير من الأعمال، فكتب مسرحيات حققت نجاحات هائلة منذ البداية، كما كتب العديد من المقالات التي تم نشرها في المجلات وكتب السفر. وخلال أربعينيات القرن التاسع عشر أسس المسرح التاريخي في باريس.

ولد الجنرال توماس ألكسندر ديفي دي لا باليتيري (والد دوما) في المستعمرة الفرنسية سانت دومينيك، لأب فرنسي نبيل وأم من الرقيق ذات أصول أفريقية، وفي سن الرابعة عشر انتقل توماس ألكسندر مع والده إلى فرنسا حيث تلقى تعليمه في المدرسة العسكرية وانضم إلى الجيش عندما كان شاباً.

اتخذ توماس ألكسندر لقب والدته (دوما) بعدما انقطعت علاقته بوالده، تمت ترقيته إلى رتبة جنرال في سن الــ 31، وهو أول شخص تنحدر أصوله من أفارقة الأنتيل يصل إلى تلك الرتبة في الجيش الفرنسي.

تُوفي توماس ألكسندر عام 1806 عندما كان ابنه ألكسندر دوما لا يزال في الرابعة من عمره، فلم تتمكن والدته الأرملة ماري لويز من تحمل نفقات تعليم ابنها، إلا أن “دوما” كان يقرأ كل ما يقع بين يديه وعلّم نفسه اللغة الإسبانية.

حظيت الأسرة بسمعة الوالد المتميزة ورتبته الأرستقراطية -بالرغم من حالتهم المادية الصعبة- وهو ما ساهم في حصول ألكسندر الشاب على فرصة العمل مع لويس فيليب الأول، دوق أورليان. وفي وقت لاحق بدأ العمل ككاتب وحقق نجاحاً مبكراً.

أثناء عمله لدى لويس فيليب، بدأ دوما بكتابة مسرحيات ومقالات للمجلات. عند بلوغه اتخذ لقب جدته (دوما) مثلما فعل والده من قبل، وقد تم إنتاج أول مسرحياته “هنري الثالث وبلاطه” (1829) عندما كان يبلغ من العمر 27 عاماً ولاقت الكثير من الاستحسان، وبعد عام حظت مسرحيته الثانية “كريستين” بنفس الشعبية، فمنحه هذا النجاح الدخل الكافي للكتابة بدوام كامل.

في عام 1830 شارك “دوما” في الثورة التي أطاحت بــشارل العاشر والتي تم فيها تعيين رب عمل دوما السابق دوق أورليان بدلاً منه على العرش حيث حكم تحت لقب لويس فيليب، الملك المواطن. كانت الحياة مضطربة في فرنسا حتى منتصف ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حتى عادت الحياة إلى طبيعتها ببطء، ومع تحسن الاقتصاد ونهاية الرقابة على الصحافة، كانت الفرصة مواتية لبزوغ مهارات ألكسندر دوما الأدبية.

دوماس 780x405 1

تحوّل دوما إلى تأليف الروايات بعد كتابته العديد من المسرحيات الناجحة، ونشر الكثير من رواياته المسلسلة في الصحف، وفي سنة 1838 أعاد كتابة إحدى مسرحياته كأول سلسلة روائية له تحت عنوان “الكابتن بول”. ثم قام دوما بتأسيس استوديو إنتاج، ووظف مؤلفين لكتابة مئات القصص.

كان دوما عادةً لا يعير إلى الدقة التاريخية اهتمامًا في كتاباته، ولا يأخذ بعين الاعتبار إن كان الحدث محتملًا أم لا، وكانت نفسيات شخصياته بسيطة غير معقدة، وكان هدفه الرئيسي خلق قصة مثيرة تدور أحداثها في خلفية تاريخية مليئة بالألوان، وكثيرًا ما اختار القرنين السادس عشر والسابع عشر مسرحًا لرواياته.

أشهر أعمال دوما هي: «الفرسان الثلاثة» (نُشرت سنة 1844 ومُثِّلت سنة 1845)، وهي قصة عن أربعة أبطال متهورين عاشوا في زمن الكاردينال ريشيليو، و«بعد عشرين عامًا» (1845) و«كونت دي مونت كريستو» (1844-1845) و«بعد عشر سنوات أو فيكونت براجيلون» (1848-1850) و«الزنبقة السوداء» (1850).

بمساعدة العديد من أصدقائه، قام خلال الفترة من 1839 إلى 1841 بتجميع أشهر الجرائم في مجموعة مقالات مكونة من ثمانية مجلدات حول أشهر المجرمين والجرائم في التاريخ الأوروبي.

حققت روايات دوما شعبية هائلة، وحقق مكاسب مالية كبيرة، لكنه كان مفلساً في كثير من الأحيان حيث كان يُسرف ببذخ على النساء والمعيشة المترفة. وفي عام 1846 قام ببناء منزل ريفي كبير خارج باريس في ميناء مارلي تحت اسم شاتو دي مونت كريستو، مع مبنى إضافي كاستوديو لكتاباته. وبعد ذلك بعامين اضطر لبيع العقار حيث واجه صعوبات مادية.

على الرغم من خلفية دوما الأرستقراطية ونجاحاته الشخصية، كان يواجه تمييزا عنصريا لكونه مختلط الأعراق. وفي عام 1843 كتب رواية قصيرة بعنوان “جورج” تناول فيها بعض قضايا العرق وآثار الاستعمار. وذات يوم قام رجل بإهانته بسبب أصوله الأفريقية، فقال دوما قائلاً جملته الشهيرة: “كان والدي مولاتو “مُختلِط الأعراق / أسمر البشرة”، وجدتي كانت زنـجية، وأجداد أجدادي كانوا قِردة. تَرى، يا سيدي، عائلتي بدأت حيث انتهت عائلتك”.

بعد عقود، عندما انتخب لويس نابليون بونابرت في سنة 1851، فقد الدعم الذي كان يتمتع به وغادر فرنسا متجهاً إلى بلجيكا حيث أقام هناك لعدة سنوات، بعدها اتجه إلى روسيا وعاش فيها بضع سنوات، ثم انتقل إلى إيطاليا، وفي عام 1861 قام بتأسيس ونشر صحيفة “المستقلة” التي أيدت جهود جمع الشمل الإيطالي، ثم عاد إلى باريس عام 1864.

تُوفي ألكسندر دوما في مثل هذا اليوم 5 ديسمبر 1870 ودُفِن بمسقط رأسه في فيليه كوتريه في مقاطعة أن. لكن غطّت الحرب الفرنسية البروسية وما تلاها من أحداث على وفاته.

ربما يعجبك أيضا