شعراء الإمارات.. عندما يصبح الشعر قضية حياة

شيرين صبحي

أعطوا الشعر كل شيء فأعاده إليهم بأفضل مما أعطوه، ومنحهم رؤية أوسع، وحيلة لمغالبة الحياة


لقي الشعر اهتمامًا عظيمًا من المسؤولين في الإمارات، وشهد تطورًا كبيرًا بفضل الرعاية التي أولاها المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان للشعراء بإنشاء مجالس ومنتديات لهم.

وانتشرت مجالس الشعراء في كل إمارة، وأغدقت الدولة عليها من رعايتها المادية والمعنوية، حتى صارت الحركة الشعرية، خلال العقدين الماضيين، في خطى سريعة نحو إثبات الذات، وبرز العديد من الشعراء المرموقين، معلنين، في عطائهم، رفعة الحركة الشعرية في الإمارات.

حبيب الصايغ.. الأب الشرعي للقصيدة الحديثة

الشاعر حبيب الصايغ

حفرة العمر/ سحيقة ومظلمة/ وأنا أنزل فيها/ درجة درجة/ حتى لا تتعثر رجلي/ وأقع على ظهري/ من شدة الضحك.

كان الموت عند الشاعر الراحل، حبيب الصايغ مرادفًا للحب، وكان يرى أنه تظل في حياتنا سيرة ناقصة لحياة ناقصة، لا تكتمل إلا بالموت، فالموت هو تتويج لكل الذي يحدث. والصايغ ابن بيئة دينية وعلمية، فجده شاعر، وأبوه مغرم بالأدب والعلم، وعمه غارق في التراث.

بدأ الصايغ المولود عام 1955، قراءاته للتراث، فقرأ للجاهليين والإسلاميين والعباسيين، والكتب الجامعة، ودرس الآداب والفلسفة، ويقول في حوار لمجلة “نزوى“: “عندما بدأت كتابة الشعر كنت ضد الحداثة، وظننت أن الأصالة تنحصر فقط في تمثل التراث وكتابته، بعد ذلك تطور مفهوم تمثل التراث عندي، فأصبح هضمي له يساعدني على الإبداع أكثر”.

هكذا رأى الصايغ الحزن

وُصف الصايغ بالأب الشرعي للقصيدة الحديثة، وعن هذا يقول: “تميزي يأتي من إيماني بالشعر أصلًا، فالشعر ليس عبثًا، إنه قضية حياتي وهاجسي اليومي والتاريخي”. عالم الصايغ الشعري هو مزيج من موروثات عربية مختلفة، مضافًا إليها روافد الأدب الغربي، ما بين القديم والجديد، وفقًا لـ”العربية“.

وكان يرى أن “الحزن قضية رئيسة في حياتنا، ويجعل للفرح طعمًا، وما دمنا نعيش في هذا الواقع، فلماذا نكابر؟ بالتأكيد ما نعيشه ينعكس في الشعر، في الحب، حتى الحب عندنا ليس ناعمًا تمامًا، لا بد أن تجد فيه المنقصات، الفرح مطرز بالمنقصات في الوطن العربي، وهذه قضية اجتماعية بالأساس أكثر منها شعرية”.

مانع سعيد العتيبة.. البنان

blank

مانع سعيد العتيبة

مُسْتَقِيلٌ وَبِدَمْعِ العَيْنِ أَمْضِي/ هذِهِ الصَفْحَةُ مِنْ عُمْرِي وَأَمْضِي/ لَمْ يَعُدْ صَدْرُ الحَبِيبِ مَوْطِنِي/ لا وَلا أَرْضُ الهَوَى مَهْدٌ لِأُرْضِي

ينتمي الشاعر مانع العتيبة إلى عائلة من كبار تجار اللؤلؤ، وفي 1952 عندما حدث كساد لسوق اللؤلؤ، ورحلت عائلته إلى قطر، بدأ مشواره الدراسي، وعاش حياة صعبة لتوفير لقمة العيش. وكانت التجارب القاسية التي مر بها الشاعر المولود عام 1946، واحدة من أهم الأسباب التي ساعدت في شهرته، والإشارة إليه بلقب “البنان”.

تركة العتيبة

أضاف العتيبة إلى المكتبة العربية، عديد الدواوين في عدة مجالات، فكتب الشعر في الاقتصاد، والسياسة، بجانب الغزل والمواقف الاجتماعية. وقدم أكثر من 33 ديوانًا بالفصحى والعامية. ويعد “المسيرة”، من أشهر دواوينه وفيه يعبر عن معاناة الشعب الإماراتي قبل ظهور النفط، وفترات تاريخية متنوعة، مر بها شعبه، بداية من العصر الذي سطعت به تجارة اللؤلؤ.

والكثير من قصائده، لحّنها وغناها عدد من المطربين، منهم “أحلام، وحسين الجسمي، ومحمد البلوشي، وراشد الماجد، وكاظم الساهر، وديانا حداد”. وبعيدًا عن الشعر، أصدر عددًا من الروايات، أهمها “كريمة”، التي تحولت إلى مسلسل تليفزيوني.

ظبية خميس.. امرأة قناديل الفرح

blank

ظبية خميس

“أكرر نفسي/ في درب الوحشة/ لا شيء يعجبني/ وأحيانًا، لا أبالي/ بما يعجبني، وبما لا يعجبني”

كتبت الشاعرة ظبية خميس قصيدتها الأولى وعمرها 12 عامًا، بعنوان “الربان”، وكانت عن جدها الذي نشأت على رائحة قهوته وسيفه المعلق على جدار البيت. ثم بدأت قصائدها تتوالى وتأخذ طريقها للنشر.

ولها عديد الدواوين منها “خطوة فوق الأرض، والثنائية: أنا المرأة الأرض كل الضلوع، وصبابات المهرة العمانية، وقصائد حب، وعروق الجير والحنة، والسلطان يرجم امرأة حبلى بالبحر، انتحار هادئ جدًّا”. ويصفها الكاتب عبد الله المدني بقوله: “لدى تصور بأنها امرأة قناديل الفرح، فذلك الانطلاق في صوتها يعبر عن حضور أنثوي جميل، تنسال منه قناديل الحياة المشتعلة التي لا تنطفئ”.

إبراهيم محمد إبراهيم.. مذاق البحر

blank

الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم

كساقيةٍ فوقَ هذا اليبابِ/ تفيضُ بِدهرٍ منَ الصَّمْتْ/ تُقاسِمُكَ الرِّيْحُ وحشتَها والمَدى/ والعيونَ اللَّواتي اشترينَكَ/ من ألفِ عامْ/ أتيتَ وقد فَسَدَ المِلْحُ/ لَمْلَمَتِ الأرضُ أطرافَها للرَّحيلِ.

من حياة خصبة بمشاهد البحر، واختلاط الزرقة بصفرة الرمل، كتب إبراهيم مذاق البحر وخرج من القصيدة مبللًا، كأنه استعاد البحر في يومه أو جره إلى النص بكامله، بملحه وانعكاس الضوء فيه ووحشته المظلمة. وهكذا يصوغ إبراهيم قصيدته، بحسب وزارة الثقافة والشباب الإماراتية، لا يحضر المفردات البعيدة فيه، بل يقترب من نفسه ومكانه ليكتب شعرية حقيقة تنقل واقعية ملموسة إلى عوالم القصيدة.

ويقول إبراهيم، الفائز بجائزة الدولة التقديرية، في حوار لصحيفة “الاتحاد“: “أعطيت الشعر كل شيء فأعاده إليّ بأفضل مما أعطيته له، منحته وقتي وحصة بيتي وعملي فمنحني رؤية أوسع، تفاؤلًا، وحيلة لمغالبة الحياة ومقاومة منغصاتها، ومكنني من ابتكار مدينتي الخاصة التي ألجأ إليها كلما ضاقت بي هذه الحياة”.

ربما يعجبك أيضا