«خبز على طاولة الخال ميلاد».. الانتصار للفرد في وجه الأفكار الجماعية القاتلة

شيرين صبحي

كيف وصل الكاتب الليبي الشاب محمد النعّاس لمرحلة التتويج بجائزة البوكر العربية؟


“خبز على طاولة الخال ميلاد”، الرواية التي كانت حصنًا لمؤلفها من الإصابة بالجنون، حين كان مقيمًا في مدينة طرابلس الليبية، محاصرًا بالموت بين الوباء والحرب.

وتدور أول رواية ليبية تفوز بجائزة البوكر في مجتمع قروي منغلق يبحث فيه ميلاد الأسطى عن تعريف الرجولة المثالي حسب ما يراها مجتمعه، وبعد محاولات عديدة، يفشل في أن يكون رجلًا، فيقرر أن يكون نفسه وأن ينسى هذا التعريف بعد لقاء حبيبته زينب.

ثيمة الحب

محمد النعاس

يتزوج ميلاد من زينب، ويعيش أيامه داخل البيت يقوم بأدوار تخص المرأة في نظر المجتمع، فيغسل، وينظف، ويحضر كل ما يلزم البيت دون تذمر، في حين تعمل حبيبته على إعالة البيت، وهكذا يقلبان الأدوار الاجتماعية. ويسخر المجتمع من ميلاد الذي يجهل تلك الحقيقة، حتى يخبره ابن عمه بما يقال عنه.

وثيمة الحب، هي المفصل الأهم في الرواية، فهي تحكي قصة حب تجمع بين زينب ابنة المدينة الجامعية المثقفة، وميلاد الشاب القروي النحيل، صانع الخبز.

رواية خبز على طاولة الخال ميلاد

حين نتابع الطريقة التي تقبلت فيها زينب عرض ميلاد بكل سهولة وتزوجته، نتعرف على مشكلات المجتمع الليبي، من خلال تلك القرية المنغلقة، وجدلية الخيانة، وعلاقة الأخوّة، والنظرة الدونية للمرأة، ومواجهة البيئة وتحديات الفقر، وكيف يُصنع الخطأ الذي يُصنع هو الآخر مثل الخبز ليصبح إما للأكل أو سامًا.

في الأخير، يلجأ ميلاد إلى “المدام” -إحدى شخصيات الرواية- انتقامًا من زوجته زينب، التي لا نعرف هل بالفعل خانته لتستحق القتل، أما أن موتها يدخل ضمن الجرائم التي تذهب ضحيتها المرأة، لأنها أرادت أن تتشارك الحقوق والواجبات ذاتها مع الرجل؟

مفهوم “الجندر”

blank

غلاف الرواية

بحسب الناشر، تعيد هذه الرواية مساءلة التصورات الجاهزة لمفهوم “الجندر”، وتدين القوالب النمطية الجاهزة التي تحصر وظائف كل من المرأة والرجل في أطر محددة، إذا تخطاها أحدهما تخطى الحد الذي سُطر له. ويقول إنها رواية الانتصار للفرد في وجه الأفكار الجماعية القاتلة، ورواية الانتصار للتجربة الإنسانية إزاء كل التوصيفات الثابتة.

صناعة الخبز

يرصد الكاتب نفسية البطل ميلاد من خلال الخبز: “إن مزاجي مربوط دائمًا بالخبز.. لم أرتبط بأي شيء آخر في حياتي بأكملها كما فعلت معه”، فيصنع بدقة من التفاصيل التي تدور حول الخبز تفاصيل وحكايات أخرى. واستلهم المؤلف فكرة روايته من مثل شعبي يقول “عائلة وخالها ميلاد”، فتخيل ذلك الخال وعائلته، حتى بدأ في تعلم تقنيات صناعة الخبز.

ويقول في حوار لموقع جائزة البوكر: “كنت أضحي يوميًّا بما يقارب كيلوجرامًا من الدقيق، وساعات من التجربة والانتظار والكتابة، وأنا أدون ملاحظاتي، وعندما تطورت مهاراتي في صناعة الخبز، صرت مطمئنًا لكتابة الرواية.”

blank

أرشيفية

خبايا الروح والجسد

ما يميز الرواية الفائزة بجائزة البوكر لهذا العام، هي الجرأة في السرد، والاقتصاد فيه، والانفتاح على مسارات من القص لا توصد الأبواب، وتدفق اللغة التي تنساب الفصحى في عروقها بألق لا مبالغة فيه، للتعبير عن خبايا الروح والجسد بلا تكلّف أو ابتذال، كما قال رئيس مجلس أمناء الجائزة العالمية للرواية العربية، ياسر سليمان، في أثناء حفل الإعلان عن الجائزة.

وجاء في حيثيات منح الجائزة أن رواية خبز على طاولة الخال ميلاد تقدم نقدًا عميقًا للتصورات السائدة عن الرجولة والأنوثة، وتقسيم العمل بين الرجل والمرأة، وتأثيرهما النفسي والاجتماعي. إنها رواية تقع في صلب التساؤلات الثقافية الكونية بشأن قضايا الجندر.

الحجر الصحي

كتب الشاب محمد النعّاس، روايته الأولى هذه في 6 أشهر في أثناء فترة الحجر الصحي، ففي العام 2020 عندما شهد العالم جائحة كورونا، ما تزامن مع توقف النعاس عن العمل، عزم على ألّا يعمل خارج الأدب والكتابة. وبدأ في تعلم ما تحتاجه روايته، حتى بدأت القصة تتشكل أمامه من دون جهد كبير، فكان يغيب فيها وفي عوالمها كامل اليوم من دون أي شعور بما يحدث في العالم الخارجي.

طرابلس ساحرته ومعذبته

blank

فوز رواية خبز على طاولة الخال ميلاد بالبوكر

عندما وصلت روايته للقائمة القصيرة، كتب النعّاس عبر صفحته بموقع “فيسبوك”: “أهدي هذا الفوز للأدب الليبي، للكتاب الليبيين والكاتبات الليبيات والشعراء والشاعرات من بلدي، ولكل حرف ليبي علمني كيف أكتب عن ليبيا دون أن يعلم”.

وأضاف: “كما أهديه لطرابلس، مدينتي وساحرتي ومعذبتي، أنت بالنسبة إليّ، إلهامي الأول والأخير. أهديه لبلدتي، لتاجوراء، أمي ومرتع طفولتي ومعلمتي. أنت “ليبيتي” كما تقول أمّي وجدتي من قبلها. أهديه لأبي ولأمي اللذين شكلاني وأفراد عائلتي.. لزوجتي الغالية ولأصدقائي الصيّع ولقرائي الذين أحبهم”.

الهوية الليبية

محمد النعّاس قاص وكاتب صحفي ليبي من مواليد عام 1991. وحصل على بكالورويس الهندسة الكهربائية من جامعة طرابلس، وصدرت له المجموعة القصصية “دم أزرق”، ورواية “خبز على طاولة الخال ميلاد”.

والنعاس المحاصر بتدفق الأفكار وضيق الوقت، يعمل الآن على رواية تناقش قضية الهوية الليبية، وتدور أحداثها في قرية “الخال ميلاد”، وترتبط بشخصية “لطفي” المخرج الذي عاد من المهجر إلى الوطن.

ربما يعجبك أيضا