أسرار صناعة العود.. سيد الآلات وروح الموسيقى العربية

أماني ربيع

لصناعة العود أسرارها التي تحتاج إلى صبر وتأني لإتقانها، فما هي مكونات الآلة الشرقية؟ وما مراحل صناعتها؟.


العود هو سيد آلات التخت الشرقي وأهمها، وهو آلة وترية كان للعرب دور كبير في تطويرها، وتعد جزءًا أصيلًا من تراث الموسيقى العربية والشرقية.

والكثير من كبار الملحنين والمطربين في الماضي أجادوا العزف ببراعة على العود، مثل رياض السنباطي وفريد الأطرش والقصبجي، ومحمد الموجي، ولكن قبل وصول هذه الآلة إلى الأنامل المبدعة، تولت أصابع ماهرة لحرفيين بدرجة فنانين، صناعة العود، فما أسرار هذه المهنة؟

أسرار صناعة العود

منذ صغره، كان أحمد مصطفى الحديري محبًّا لآلة العود، ومع دراسته لعلوم الحاسب وعمله بنفس المجال، صمم على الدراسة في بيت العود، وأصبح ماهرًا في العزف عليه، ودفعه الشغف بالآلة الشرقية إلى تعلم صناعتها بنفسه، فلجأ الحديري إلى عازف العود العراقي الشهير، نصير شمة.

أحمد الحديري يعزف على آلة العود

 وبدوره أرسله نصير شمة إلى صانع العود الرائد، عمرو مصطفى. يقول الحديري لـ”شبكة رؤية الإخبارية”: “لم يبخل عني مصطفى بأي معلومة عن أسرار الصناعة التي استغرقت نحو عام لإتقانها”، مشيرًا إلى أهمية الخبرة في إتقان الحرفة، ومع كل يوم كان يتعلم الجديد.

مم تتكون آلة العود؟

تتكون آلة العود من “القصعة” أو صندوق الصوت على شكل بيضاوي، والوجه وفتاحت الصوت و”الفرسة” التي تلصق على الوجه وتشد عليها الأوتار، وكل وتر يتكون من فردتين لتحفيز الاهتزاز والصوت، والرقبة التي يضغط عليها العازف للتنقل بين النغمات المختلفة، والمقامات عن طريق تقصير الوتر واختلاف مواضع الأصابع.

blank

إحدى آلات العود من صناعة الحديري

 

ومن أجزاء العود أيضًا “البنجق” الذي توجد فيه مفاتيح العود، ووظيفتها ضبط “الدوزان” المطلوب، والمرايا التي يفضل أن تصنع من خشب صلب مثل خشب الأبانوس، ويوضح الحديري هنا الفارق الذي تصنعه جودة الخامات، فالخشب اللين الذي يوضع فوق الرقبة يؤثر في جودة الآلة.

مراحل صناعة العود

يشير الحديري إلى أن الخامات مهما بلغت جودتها، لا تصنع حرفيًّا ماهرًا في صناعة العود، فالأهم هو الفنان الذي يتقن صنعته، مشيرًا إلى أن الحاج فتحي أمين الذي يعد من أعلام صناعة العود في المدرسة المصرية، كان يقدم أفضل الأصوات من أخشاب عادية، لكن مهارته كانت هي الفيصل.

blank

من أجزاء العود

 

ومراحل صناعة العود عديدة، بدءًا من “القصعة” ثم ثني الضلع وتجميع الضلوع بعرض 3 سم مثلًا، وتسخين هذه الضلوع بمكواة مخصصة لهذا الغرض، حتى يصل إلى الشكل شبه الدائري، وبعد ذلك تبدأ صناعة الرقبة والبنجق وتخريم الفتحات و”تسقيط الوش” بالأركيت اليدوي، وتركيب الجسور تحتها، ثم تعشيق الرقبة في القصعة.

صناعة تحتاج إلى التأني

المرحلة التالية في صناعة العود هي نظافة العود، أو كما تعرف بين أهل المهنة بنجارة العود، ويلي ذلك الدهان ثم تركيب الأوتار والمفاتيح والعظمة التي تكون في أول الرقبة وتعبر عليها الأوتار الآتية من المفاتيح، وتكون بداية طول الوتر، مشيرًا إلى أن الأوتار الحادة “الجوابات” تصنع من النايلون، في حين أن “القرارات” تصنع من الحديد المجدول بمعدن.

blank

الحديري مع عازف العود نصير شمة

 

ويوضح الحديري أن كل مراحل صناعة آلة العود بحاجة إلى التركيز مهما كانت بساطتها، فهي آلة تحتاج إلى الدقة والتأني في صناعتها، ولا بد من أن تستغرق الوقت المناسب ليكون شكل وصوت العود في أكمل صورة، ذلك أن الاستعجال لا يجعل للدقة والإتقان وجودًا في هذه الحرفة.

الاختلاف بين العود المصري والتركي

أساسيات صناعة العود ثابتة في الغالب، بحسب الحديري، والاختلاف يكون في القوالب والمقاسات، ويوجد اختلاف بين مدارس العود المتنوعة في مصر والشام والعراق وتركيا، فمثلًا طول الوتر في العود المصري 60 سم، في حين أن التركي 58.5 سم، والعراقي 57، وهذا الاختلاف في المقاسات يؤدي إلى اختلاف في حدة الصوت.

blank

ويشير الحديري إلى أن أهم شيء في صناعة العود هو الخشب، وبحسب جودته يختلف سعر العود، ومن الأخشاب التي يجمع عليها العازفون، خشب السيسم والجوز، وللوجه خشب السيدر والسبروس والسويدي أو “الموسكي”، وكذلك الزخارف والصدف تلعب دورًا في تحديد سعر الآلة، لكن جودة الخامات لا تؤثر كثيرًا في الصوت، لأنه قد تكون الخامات جيدة والصانع غير متقن.

لكل حرفي بصمته

ليس شرطًا أن يكون صانع العود عازفًا، وفقًا للحديري، بدليل أن كثيرًا من الصناع الكبار لم يكونوا عازفين، ولكن إجادة العزف تكون أمرًا إيجابيًّا لو كان لا يزال في مرحلة التعلم، فذلك سيساعده على التطور أسرع وتلافي السلبيات، لأنه سيكون قادرًا على تجربة الآلة بنفسه.

وأشار الحديري إلى أنه لكل حرفي فنان بصمته الخاصة وسره في نقاء الصوت، تمامًا مثل الطعام، كل طاهٍ له “نَفَسُه” الخاص. ويرى الحديري أن مهنة صناعة العود لا تزال حاضرة بقوة، ومصر زاخرة بالصناع الكبار، مضيفًا أن كثرة الإقبال على العود المصري الذي يعد الأكثر طلبًا، لأنه كلما صار قديمًا زادت جودته بعكس العود التركي الذي يمتلك وجهًا رقيقًا لا يدوم طويلًا.

أسواق العود المصري

أكثر الأسواق رواجًا للعود المصري في السعودية ودول الخليج، ويبدأ سعره من 400 دولار، أو ما يعادله، بحسب الخامات التي يكون أغلبها مستوردًا من الخارج. وعن أسباب زبادة الطلب على العود المصري في الخليج، أوضح الحديري، أن العامل الأهم في ذلك هو نجوم الغناء مثل محمد عبده وعبادي الجوهر وغيرهم.

وقد كانوا كثيرًا ما يظهرون في حفلاتهم بصحبة آلة العود، في إشارة إلى الاعتزاز به، ما يجعل الكثير من الشباب يرغبون في تقليدهم، في حين أنه في مصر، صار الأمر على عكس هذا، فتنتشر أكثر الأغنيات الشبابية بإيقاعها السريع البعيد كل البعد عن هدوء آلة العود بصوتها الشجي الناعم.

ربما يعجبك أيضا