البحر.. الهوية العربية التي نسجها اللؤلؤ والغوص

شيرين صبحي

هل فكرت يومًا ان يحتضن قاع البحار ملامح عن هوية بعض الدول العربية! ستتعرف هنا على أسرار قاع البحر التي نسجت بعض ملامح هوية الدول


آخر تحديث يونيو 1, 2022 05:05 م

يعتقد البعض أن المدينة التي لا يوجد فيها بحر لا تعرف الحياة، فالبحر مصدر رزق وجمال وإلهام لا ينتهي، فضلًا عن نسجه هوية بعض الدول العربية.

“يا بحر من بستانك الصدفي، امنحني محارة، مرجانة شيئًا من الأعماق، لونًا غير لؤلؤتي في المحارة”، هكذا وصف الشاعر سعدي يوسف، البحر قائلاً: “البحر قصص وحكايات”، فهو ليس فقط طبيعة ساحرة، بل يُشكل هوية مكان ممتدة عبر العصور.

شيء من بعيد ناداني

قبل سنوات بعيدة، لم تكن علاقة الغطاس رامي فينوس قوية بالبحر، بسبب إقامته في العاصمة المصرية القاهرة حتى ذهب يومًا إلى مدينة نويبع على ساحل البحر الأحمر، وتنسم رائحته وشاهد شعبه المرجانية، فشعر أن شيئًا يجذبه تجاهها.

وبدأ فينوس تعلم الرياضات البحرية، يقود مركبًا أو لانش، ويعلم الناس “سنوركلينج”، ثم أراد أن يتعلم الغطس من أجل المتعة وليس العمل، وعن ذلك يقول: “لأنني كنت اعمل في البحر، فلم يكن الأمر صعبًا، بعد إنجاز أول مستوى لم أستطع التوقف حتى احترفت الغطس، فجمعت بين العمل في الغطس، وممارسة رياضات البحر الأخرى”.

البحر والجبل والسماء

مدرب الغطس رامي فينوس

استمر فينوس في تدريبات الغطس حتى أصبح مدربًا في أكثر من منظمة، وبدأ في إنشاء مركز غطس خاص به في نويبع التي يعيش فيها منذ 15 عامًا. ويضيف لـ”شبكة رؤية الإخبارية“: “الطبيعة التي تحيطك وعينيك التي ترى البحر والجبل والسماء، كل هذه الأشياء الصافية البعيدة عن التلوث البيئي والضوضائي، تؤثر على شخصيتك، فالبحر يجعلك أهدأ بكثير”.

وأضاف “العكس يحدث إذا كنت تعيش في القاهرة، فأنت تحتاج ساعة ونصف في المواصلات لكي تذهب إلى عملك، فتشعر بالضغط قبل أن تبدأ العمل نفسه”، متابعًا: “يوجد فرق كبير بين النظر إلى البحر من الخارج ونزوله، عندما تتنفس تحت المياه هذا إحساس لا يمكن وصفه، ترى أشياء لا يستطيع البعض مشاهدتها، وجودك بين الأسماك الملونة والشعب المرجانية، أمر لا يضاهيه جمال.”

خوف مقترن بالسعادة

blank

عن عمله كغطاس في واحدة من أشهر مناطق الغطس، يقول فينوس: “إحساسك وأنت تدرب غيرك على الغطس، وتزيل الخوف داخله من عمق البحر، وأن يخرج سعيدًا، هذا قصة أخرى. لكن التدريب يستدعي أن يكون لديك ضمير، ولا تعطي شهادة لأي شخص دون التأكد من أنه سيكون غطّاسًا يحافظ على البيئة ونفسه وحياة الآخرين”.

ولم يقابل فينوس حكايات غريبة، يقول: “كل ما في الأمر وجود أشخاص يخشون البحر، ويتخيلون ما يشاهدونه من أفلام عن أسماك القرش حقيقيًّا، نحن نغطس في أماكن بعيدة عن القرش، ونتصرف بطريقة معينة لو وجدناه”. ويختتم حديثه قائلًا: “البحر الأحمر بداية من طابا وحتى مرسى علم، يغنيك عن الخروج إلى أي أماكن آخرى في العالم”.

الجرأة والمسئولية

blank

مدرب الغوص وائل محيي الدين

على متن رحلة بحرية، التقى مدرب الغطس، وائل محيي الدين، بزوجته الروسية التي جاءت على رأس فوج سياحي، وكانت مسؤولة الرحلة، فالتقيا وبدأت بينهما قصة حب انتهت بالزواج.

ويقول محيي الدين لـ”شبكة رؤية الإخبارية“:  “نشاهد البحر من الخارج، فهو يمثل الرومانسية والجمال الطبيعة، أما من يعملون داخله، فيختلف لديهم الوضع تمامًا، البحر يعلمنا الالتزام والجرأة وتحمل المسؤولية. هذا هو التغيير الذي أحدثه البحر في حياتي، من مجرد عاشق إلى متحمل للمسؤولية قبل أي شيء”.

رحلة إلى المراكب الغارقة

أضاف محيي الدين أنه عند نزوله “ركّات” أي رحلة إلى المراكب الغارقة، إلى سفينة سالم إكسبريس، يشعر برهبة فظيعة، وكأنه داخل مقبرة، بسبب أعداد الناس الكثيرة الذين ماتوا داخلها ولم تخرج حتى جثثهم.

ويكمل: “مقدمة السفينة غارقة على عمق 31 مترًا، وأول سطحها على عمق 17 مترًا. الأجانب يحبون الرحلات على المراكب الغارقة بوصفها شيئًا أثريًّا، مركب غارق بكل معداته، الغرف كما هي، وكذلك الأدوات والأجهزة التي اشتراها الركاب. أيضًا توجد مركب أخرى إنجليزية قريبة من سفاجا غارقة، دمرها الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية، عليها معدات حربية كما هي”.

أحضان البحر لمحبيه

blank

مرشدة الغوص آمال محمود

بدأت مرشدة الغوص والمصورة تحت المياه، آمال زكي، في تعلم الغطس في عام 2018، وعملت في مرسى علم وشرم الشيخ، تخبرنا أن البحر بالأقدمية، قائلة: “البحر أبوكي اللي بيربيكي، كل فترة بيعلمك حاجة جديدة، كل غطسه بتمر بموقف جديد”.

وتقول لـ”شبكة رؤية الإخبارية”: “أشعر أن السمك صديقي، أحب الغطس ليلًا، اشعر حرفيًّا أن جسدي تركني وذهب إلى عالم آخر، رؤية البحر وهو مظلم ولا ترى أمامك سوى متر واحد، أمر مختلف، فعندما تنزل تشعر أن البحر يحضنك”.

ثروة الخليج قديمًا

blank

اللؤلؤ ثروة الخليج قديمًا

البحر والصحراء حددا معالم التاريخ الخليجي، وفقًا لأستاذة التاريخ وعميدة كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، أمل غزال، فالبحر كالصحراء رابط لا فاصل، وكما للبحر ثقافته واقتصاده وسفنه، كذلك للصحراء ثقافتها وطرقها وقوافلها ومجتمعاتها.

وشكل اللؤلؤ أثمن مصدر للثروة في الخليج العربي، واشتغل نحو 70 ألف رجل في جمعه. وجاءت أول إشارة إلى لؤلؤ الخليج، بحسب الموقع الوطني للغة العربية والثقافة، في النقوش الآشورية بمدينه النجف العراقية، التي تقول: “في بحر الرياح المتغيرة، أي الخليج العربي، يبحث التجار عن اللؤلؤ”.

تاريخ الخليج مع اللؤلؤ

شكلت مهنة الغوص بحثًا عن اللؤلؤ، بحسب موقع وكالة الأنباء الإماراتية “وام”، عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الإمارات لفترة طويلة، حتى انتهت في منتصف القرن العشرين مع ظهور النفط، وبدأت تجارة اللؤلؤ الصناعي الياباني.

أما البحرين فاشتهرت، بحسب موقع رحلات، بمتاجرها الواسعة من اللؤلؤ اللامع منذ ألفي عام قبل الميلاد، وقبل أن ينتشر اللؤلؤ الياباني الأرخص في ثلاثينات القرن الماضي، كانت البحرين توفر 80% من سوق اللؤلؤ في العالم.

البحر وأساطير اللؤلؤ

blank

محمد السويدي

علاقة يومية تربط الكاتب الإماراتي إبراهيم مبارك، بالبحر، بحسب تصريحات سابقة له في موقع البيان، “فكل يوم يمارس رياضته بقربه، ويشعر أحيانًا كأنه كان سمكة ويعيش على الأرض. ويعتقد أن المدينة التي لا يوجد فيها بحر لا تعرف الحياة، فالبحر مصدر رزق وإلهام”.

وعلى قصص البحث عن اللؤلؤ، نشأ محمد السويدي، الحاصل على شهادة في العلاقات الدولية من جامعة جريفث الأسترالية، فجده غواص لؤلؤ، وقاده شغفه بالتصميم والتراث إلى تأسيس “استوديو أساطير”، ليعبّر من خلال المنتجات اليدوية عن الرؤية المعاصرة لصيد اللؤلؤ، وينتج نوعًا فريدًا من الهدايا الفاخرة المصنوعة من مواد أولية محلية، مثل الصدف واللؤلؤ والأخشاب والأحجار، يعبر بها عن هوية شعبه وثقافته.

ربما يعجبك أيضا