مظفر النواب.. شاعر العراق الذي لا يعرف المهادنة

شيرين صبحي

يا أيها الحزنُ/ الذي لا ينتهي زِد/ ما زلتُ في حديقة اللذةِ/ أمشي حافيًا/ يَملأني الإحساسُ بالتمردِ


ودع العراق، أمس الجمعة 20 مايو 2022، واحدًا من أهم الشعراء العرب، إنه مظفر النواب، الذي نسج بكلماته أوجاع الوطن وأهله.

ظل النواب يحمل حنينًا لبغداد وماردًا في دمه يهزه في الليل ليوقظه، لينشد له الأشعار: “أيُّها السُّكرُ كم قد سَكِرتَ بِنا بالعراقِ/ وأسْكَرتَنا/ نمْ بِنا الآنَ في غُربةِ العُمرِ/ بعدَ العِراقِ جَهِلْنا نَنامْ/ وافترَشْنا لهيبَ الرِّمالِ”.

موهبة مبكرة

ينتمي مظفر إلى عائلة أرستقراطية ثرية، فعائلته “النواب” كانت تحكم إحدى الولايات الهندية الشمالية. وعندما احتلت بريطانيا الهند، قاومت العائلة الاحتلال، فاستاء الحاكم الإنجليزي، وعرض على العائلة النفي السياسي، فاختارت العراق.

في العاصمة العراقية بغداد ولد مظفر عام 1934، وظهرت موهبته مبكرًا، وتحديدًا وهو في الصف الثالث الابتدائي، عندما اكتشف أستاذه موهبته في نظم الشعر، وفي المرحلة الإعدادية أصبحت قصائده تنشر في مجلات الحائط المدرسية.

أسرة ثرية متذوقة للفنون

كانت أسرة النواب متذوقة للفنون والموسيقى، وكان قصر العائلة المطل على نهر دجلة مقصدًا للشعراء والفنانين، حتى تعرض الوالد لأزمة مالية عنيفة أفقدته ثروته وقصره، فعانى الابن مظفر من ظروف اقتصادية صعبة.

انخرط الابن في العمل السياسي، وانتمى إلى الحزب الشيوعي العراقي، وفي اعقاب الانقلاب الذي اطاح بحكم عبد الكريم قاسم عام 1963 تعرض الشيوعيون واليساريون لحملات اعتقال واسعة، فاضطر مظفر إلى مغادرة العراق، وهرب إلى إيران في طريقه إلى الاتحاد السوفييتي السابق، وهناك قبضت عليه المخابرات الإيرانية، وتعرض للتعذيب قبل إعادته إلى السلطات العراقية.

سنوات السجن

الشاعر الراحل مظفر النواب

“كثيرونَ باعوا/ كثيرونَ ناموا هُنالِكَ واستغرقوا/ وبَقيتُ مُغنِّي المحطاَّتِ/ والعَرباتِ التي لا مَصابيحَ فيها/ وأسحبُ جَفْنَ الذينَ ينامونَ في الذُّلِّ”.. التمرد دفع النواب ثمنهما عدة سنوات من عمره داخل السجن الصحراوي “نقرة السلمان”، ثم نقل إلى سجن الحلة بجنوب بغداد. حتى حفر مع مجموعة من السجناء السياسيين نفقًا إلى خارج أسوار السجن، فأحدث هروبهم ضجة مدوية في العراق والدول المجاورة.

بعد هروبه من السجن، عاش متخفيًا في بغداد، ثم توجه إلى منطقة “الأهوار” وعاش مع الفلاحين لمدة عام، وفي 1969 صدر عفو عن المعارضين، ليعود إلى حياته. وسرعان ما شهد العراق موجة اعتقالات جديدة، اعتقل خلالها النواب، وأطلق سراحه بعد فترة قصيرة، فغادر إلى بيروت، ومنها إلى دمشق، ليعيش متنقلًا بين العواصم العربية والأوروبية، واستقر به المقام في دمشق.

قصائد مسجلة على الأشرطة

كان النواب قليل النشر، واعتمد على نشر قصائده مسجلة على أشرطة “الكاسيت”، وهو ما حل له إشكالية الرقابة، فالشريط المسجل يمكن إدخاله عبر أي مطار دون أن يتعرض للرقابة، كما أن شعره بهذه الطريقة وصل إلى أناس لا يقرأون ولا يكتبون.

هذا الأمر لا يغني عن المطبوع، فطبع الدواوين مسألة ضرورية للشاعر، لكن لو طبع النواب دواوينه أين كان سيوزعها؟، ليقرر طبعها لكن منع توزيعها في معظم الدول العربية.

يستيقظ العراق ماردًا في دمه

blank

مظفر النواب

“سُبحانَكَ كُلُّ الأشّيَاءُ رَضيتُ سِوى الذُّلْ/ وَأنْ يُوضَعَ قَلبِيَ في قَفَصٍ في بَيْتِ السُلطانْ/ وَقَنِعْتُ يَكونُ نَصيبي في الدُنيا.. كَنَصيبِ الطيرْ/ لكنْ سُبحانَكَ حتى الطيرُ لها أوطانْ.. وأنا مازلت أطير”. ظل النواب بعيدًا عن وطنه، يحمل حنينًا لا ينقطع إليه، لكنه قمع هذا الحنين اضطراريًا.

يقول في حوار لصحيفة “السفير“: “استيقاظ الحنين مدمر. أمارس الهروب من الذات. الفترات الأولى كانت قاسية لأنني كنت تركت العراق حديثًا، والآن أصبحت أكثر قدرة على قمع حنيني لأنني لو أطلقت له العنان سيدمرني، أبحث عن العراق من خلال شعري وأجده، ويعزيني ذلك، ولكن ما بين فترة وأخرى يستيقظ العراق ماردًا في دمي ويهزني في الليل ليوقظني”.

شاعر لا يعرف المهادنة

“كذبوا.. ما انتميْتُ لغيرِ لهيبِ الدُّهورِ/ كَذَبَ المُنتمونَ لِكُلِّ نِظامْ/ إنَّني شارةٌ في طريقِ الجماهيرِ ضِدَّ النِّظامْ/ يَتباركُ هذا الضُّحى”.. لم يهادن النواب يومًا، ولم يمتدح رئيسًا على الإطلاق، بل هاجم كل الأنظمة والقمم العربية والديكتاتوريات، حتى إن محكمة عسكرية عراقية حكمت بإعدامه، ثم خفف الحكم إلى السجن المؤبد، فعاش بين أواخر التسعينيات وحتى احتلال العراق، في دمشق كلاجئ سياسي مع أحد افراد عائلته.

قاموس شتائم

عندما سئل الشاعر العراقي هل بقي في قاموس الشتائم العربية شتيمة لم يستخدمها في شعره ضد الحكام العرب؟ قال لصحيفة “السفير“: “الحكام العرب شتيمة أكبر من أي شتيمة. لقد شتمونا بتصرفاتهم. وشعري لا يقتصر على الشتيمة. الشتائم تمثل جانبًا قليلًا منه، والجانب الآخر هو الذي يتناول القضايا الجمالية الإنسانية، وقضايا الجماهير. لنعد إلى الشتيمة التي أطلقها بحق الحكام. في الواقع هي أقل ما يمكن فعله”.

عاش النواب في المنافي لسنوات طويلة، ليعود عام 2011، تزامنًا مع الانسحاب الأميركي من العراق، بعد فراق أكثر من 40 عامًا واستقبله بشكل رسمي، الرئيس العراقي الأسبق، جلال طالباني، المعروف بعلاقاته مع الشعراء قبل أن يعود ويغادره مرة ثانية.

نصوص متحررة

“اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية/ بعضكم سيقول بذيئة/ لا بأس، أروني موقفًا أكثر بذاءة مما نحن فيه”.. انفتحت تجربة النواب الشعرية، على كل القواميس والمفردات المتاحة، بما في ذلك البذاءة نفسها، بعد التعاطي معها جماليًا وصهرها في توليفته الخاصة البركانية، كما يقول الكاتب شريف الشافعي، في “إندبندنت عربية“.

وتابع: “ذلك من أجل نقد الواقع، بما يليق بقسوته، والسعي إلى تغييره إلى الأفضل، بما يليق بالمتعطشين إلى حياة حرة كريمة عادلة، في عالم مليء بالظلم والاضطهاد”، موضحًا أن الشاعر الراحل استطاع أن يحصن أعماله الشعرية ضد الغربة والغرابة والقيود، فهي نصوص سهلة سلسة، على عمقها، تصل إلى المتلقي، وهي نصوص متحررة.

مدونة لم تغلق صفحاتها

blank

لا تكفي الدمعات لتغسيل مظفر النواب

رحيل النواب ترك ندبة في قلوب محبيه، فنعى وفاته الناقد العراقي، ياسين النصير، في فيسبوك، قائلًا: “مظفر.. كم هو عذب هذا الشجن المغنى بالشعر، كم هو غني هذا الفقدان المصحوب بالحضور الدائم، الشاعر الوحيد الذي وحد الشعر حياته وموته، لن تكون الكتابة عن حياة ملأ صاحبها دنيانا، في الغربة والهجرة بمثل ما ملأها بصوته وحضوره في مدن العراق وسجونه، وأهواره ونواديه واجتماعاته. مفيدة لنا”.

وأضاف: “يعجز أحدنا الكتابة عنك لأنك فيض من فيوض الحياة اليومية ودليلنا أن شعرك يتغنى به حتى أعداءك، ويصبح أمثولات لحسم مواقف متأرجحة. كم كنت قريبًا من الشعب يا أبا عادل، كم كنت في صلب معاناته ومشاغله؟ كم كنت عراقيا حمل جسدك تراب السجون، والمنافي والغربة والمقبرة. آه يا أبا عادل لا تكفي بضع دمعات لتغسيلك، فلقد جفت دموعنا كما جفت أنهارنا”.

blank

من جنازة مظفر النواب

وقال رئيس وزراء العراق، مصطفى الكاظمي، في تويتر: “العراق الذي طالما تغنّيت باسمه أينما حللت، وأفنيت عمرك لإعلاء مكانته، يكتسيه الحزن وهو يودّعك الى مثواك الأخير مُثقلاً بأسى خسارة ابنٍ بار ومبدعٍ لا يتكرر”.

ربما يعجبك أيضا