النيجر والاتحاد الأوروبي..كيف يساعد فهم التصورات في تصحيح السياسات؟

النيجر

قد يوفر فهم تصورات مواطنو النيجر بفئاتهم المختلفة عن الاتحاد الأوروبي دليلًا لتصحيح سياسات الاتحاد ودبلوماسيته العامة في المنطقة.. فكيف ينظر النيجريون إلى أوروبا؟


تجد دولة النيجر نفسها في مرمى الصراع الإقليمي العنيف وتحديات الهجرة العالمية. وفي الوقت نفسه، تكافح الدولة مع مشكلاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

ونجحت سياسات الاتحاد الأوروبي وتوجهاته في تخفيف الأزمات الأمنية والتنموية في منطقة الساحل عمومًا، ولكن المشكلات تستمر في التوسع لمناطق أخرى. ولكن كيف يرى مواطنو النيجر النهج الأوروبي وسياساته وتداعياتها على الوقاية من الأمراض والأمن؟

التصورات الحالية عن الاتحاد الأوروبي

يرى الباحث بجامعة “عبده موموني” بنيامي، مامان بيلو جاربا هيما، في إصدار لمؤسسة كارنيجي أوروبا، أن فهم تصورات النيجر عن الاتحاد الأوروبي قد يوفر دليلًا لتصحيح سياسات الاتحاد ودبلوماسيته العامة في المنطقة. ولذلك، أجرى الباحث مقابلات ميدانيّة بين يناير ومايو 2021 مع ممثلي وهيئات الحكومة، والأحزاب السياسية، وعلماء الاجتماع، وعامة الشعب.

وبحسب التقرير، المنشور في 29 يونيو 2022، لم يفرّق الكثير من عامة الشعب بين أدوار الاتحاد الأوروبي وفرنسا. وبصورة عامة، أقر المشاركون بكون الاتحاد الأوروبي جهة فاعلة، ولكنهم ذكروا أن الاتحاد لا يبدو مهتمًا بغياب الشفافية في إدارة الموارد الطبيعية، مثل اليورانيوم والنفط، حيث تتواجد الصناعات الفرنسية بكثافة. واعتبر المشاركون باريس كيانًا مستغِلًا يضعف جهود الاستفادة منها.

الاقتصاد والتجارة

اعتبر المشاركون من جميع الفئات الاتحاد الأوروبي شريكًا تجاريًّا صعبًا بسبب نقص الفرص. ويذكر الباحث أن الصعوبات التجارية مرتبطة بنقص الصناعات المحلية القادرة على تحويل الموارد الطبيعية، إلا أن ممثلي منظمات المجتمع المدني رأوا أن التجارة مع الاتحاد قائمة على مواصلة التاريخ الاستعماري، مشيرين إلى تركز الروابط التجارية على تبادل اليورانيوم مقابل السلاح،

وأرجع المشاركون الاعتماد على التجارة التقليدية في المواد الخام إلى نقص التنويع والفرص الاقتصادية في النيجر، واعتبروا الاتحاد الأوروبي جهة فاعلة في المساعدات التنموية، لأنها “القضية الوحيدة التي تربطه بالنيجر وتظهر على وسائل الإعلام الوطنية”، مشددين في الوقت نفسه على أن هذه المساعدات تأتي مصحوبة بشروط صارمة، اعتبرها الكثير منهم سلاحًا للاستعمار الجديد.

الأمن

تواجه النيجر العديد من التهديدات الإرهابية والجرائم العابرة للحدود، التي لها آثار سياسية ودينية واقتصادية هائلة، مثل تهريب السلاح والذخيرة والمتفجرات والأشخاص. وذكر المشاركون أن الأمن غير كاف، ليس فقط بسبب الحدود سهلة الاختراق، بل لنقص الموارد البشرية والمادية والتكنولوجية اللازمة لمكافحة الحركات الإجرامية بفاعلية أيضًا.

وفي حين رأى الكثير من المشاركين الاتحاد الأوروبي قوة أمنية، تباينت الآراء بشأن كيف يمكنه مساعدة النيجر في معالجة مخاوفها الأمنية. وفي هذا الشأن، رأى معظم العامة أن الاتحاد الأوروبي غير مستعد للمساعدة في التعامل مع التحديات الأمنية، في حين رأت النخب السياسية أنه دون مساعدة الاتحاد الأوروبي “ستنهار البلاد.”

وبالنسبة إلى المجتمع المدني، اتهم ممثلوه الاتحاد الأوروبي بأنه سبب الفوضى في البلاد وصانع الإرهاب في منطقة الساحل، وقالوا إنه يمكن عزو الإرهاب في المنطقة إلى تدخل الناتو في ليبيا عام 2011، الذي لعبت فيه فرنسا دورًا رياديًّا.

الهجرة

يذكر الباحث أن أزمة الهجرة في النيجر متعددة الأبعاد، وتشمل تدفقات ضخمة من اللاجئين الماليين والنيجيريين الهاربين من انعدام الأمن في بلادهم، وإعادة مواطني النيجر من الجزائر وجمهورية إفريقيا الوسطى وكوت ديفوار وليبيا والسعودية، والنزوح الداخلي والهجرة الدائرية.

وفي هذا الصدد، اعتبرت النخب السياسية الاتحاد الأوروبي المنظمة الجادة الوحيدة القادرة على توفير ما تحتاجه البلاد لإدارة أزمة الهجرة. وعلى المستوى الإقليمي، قال المشاركون إن سياسات المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) بشأن الهجرة تعمل جيدًا على الرغم من بعض أوجه القصور.

وعلى الجانب الآخر، فسّر العامة وممثلو المجتمع المدني وعلماء الاجتماع إنفاق الاتحاد الأوروبي الكثير من الأموال في التعامل مع أزمة الهجرة في النيجر بأنه يتأثر بها تأثيرًا مباشرًا.

تغير المناخ وجائحة كورونا

في ما يتعلق بتغيّر المناخ، رأى المشاركون أن الاتحاد الأوروبي قائد دولي، ويمكن الوثوق به في هذا المجال. واعتبروا دور الاتحاد الأوروبي في مفاوضات المناخ الأكثر استباقية وطموحًا من ضمن جميع الجهات الفاعلة العالمية الأخرى.

ووفق الباحث، مع تفشي جائحة كورونا في مارس 2020، طبقت حكومة النيجر إجراءات تقييدية، مثل حظر التجول، وإغلاق المدارس، وحظر التجمعات ومنع السفر بين المناطق الريفية. وأقرت النخب السياسية وعلماء الاجتماع أن الكثير من المنظمات، ومن بينها الاتحاد الأوروبي، قدموا معدات للسيطرة على الجائحة.

وهكذا، ساعد الاتحاد الأوروبي النيجر في إدارة الأزمة وعدّل الكثير من مشروعاته التنموية لإعادة توجيه التمويل إلى دعم الاستراتيجية الوطنية لمكافحة فيروس كورونا، ولكن ممثلي المجتمع المدني قالوا إن الحكومة استغلت الجائحة لتبرير القمع السياسي، وتعليق الحق في حرية التعبير والاحتجاج. وذكروا أن الاتحاد الأوروبي لم يُدنْ هذا.

القيم وترابط الاتحاد الأوروبي

قال المشاركون من جميع الفئات إن قيم الاتحاد الأوروبي لا تمثلهم. وشعر معظم المشاركين أن الاتحاد الأوروبي لا يملك سمعة جيدة لأنه يُملي قيمه على الشعوب المحلية في قضايا مثل الديمقراطية وتنظيم الأسرة وحقوق الإنسان.

وعلى صعيد آخر، رأى المشاركون أن سياسات الاتحاد الأوروبي الداخلية والخارجية غير مترابطة. وأفاد بعض ممثلي النخب السياسية والمجتمع المدني بأن الولايات المتحدة تتحكم في الديناميكيات الداخلية للاتحاد. وإضافة إلى هذا، شعر بعض المشاركين أن عمل الاتحاد يعتمد على القوة الاقتصادية لألمانيا، وقوة الضغط “السيئة” لفرنسا.

ووفق الباحث، زعمت النخب أن مصداقية الاتحاد الأوروبي وشرعيته تأثرت سلبًا لأنه يعمل بمعايير مزدوجة. وبالنسبة إلى عامة الشعب، أجابوا على معظم الأسئلة بالإشارة إلى فرنسا، نظرًا لانخفاض مستوى معرفتهم بالاتحاد الأوروبي.

التعاون المستقبلي بين النيجر والاتحاد الأوروبي

لتنمية العلاقات المستقبلية، قال الكثير من المشاركين إنه كي يصبح الاتحاد الأوروبي شريكًا حقيقيًّا للنيجر يجب أن يتوقف عن العمل من خلال فرنسا، خصوصًا في القضايا الرئيسة. وحدد المشاركون 4 مجالات ذات أولوية في ما يتعلق بالتعاون المستقبلي، أولها المساعدات التنموية التي يجب إيصالها بفاعلية أكبر للحدّ من انعدام المساواة بين المواطنين.

وأشار المشاركون إيضًا إلى ضرورة توفير الخبرة في مجال مكافحة تغير المناخ لأسباب بيئية وأمنية أيضًا. وثالثًا، توفير الدعم لمواجهة الأوبئة الأخرى، مثل الملاريا والكوليرا والالتهاب السحائي والسل التي تعتبرها النيجر أخطر من فيروس كورونا. وأخيرًا، في ما يتعلق بالأمن، يأمل مواطنو النيجر في رؤية دور أكبر للاتحاد الأوروبي ككيان قائم بذاته، ولا تمثله فرنسا أو أي دولة فردية من أعضائه.

ربما يعجبك أيضا